خفايا معركة السفور والحجاب في العشرينيات

خفايا معركة السفور والحجاب في العشرينيات

خالد غزال

ما زالت قصة المرأة في العراق،منذ أوائل العشرينيات وانطلاق اهتمام الباحثين بها،كونها قد فتحت باباً يصعب فتحه في ظل مجتمع حرصت تقاليده الدينية والاجتماعية على عدم فتحه،وهو باب الدعوة للسفور الذي ظل موصداً منذ قرون ،

 

لكن يبدو أنهم قد أخذوا الخطوة الأولى من مصر التي سبقت العراق بدعوة تحرير المرأة كان روادها الأوائل في العراق هم جميل صدقي الزهاوي ومعروف عبد الغني الرصافي وحدوث بعض المجريات التي تدعو إلى تحرير المرأة، بل ربط تحريرها بنزع الحجاب بأنه يشكل أول الخطوات الجدية. حاول النظام الملكي السيطرة على التحولات الاجتماعية خوفاً من الاضطراب، لكنه لم يتمكن من تجميعها، فالتطورات الاقتصادية والاجتماعية لنصف قرن تسارعت تسارعاً كبيراً، أسهمت في التآكل التدريجي للبنية الاجتماعية التقليدية، وأوجدت مجموعات اجتماعية جديدة تتطلع إلى لعب الأدوار وأشغال المواقع لتترك فراغاً اجتماعياً ملحوظاً، وكانت لتلك التحولات التي تأسست على القيم العلمانية، تأثيراٌ عيمقٌ على المجتمع العراقي وعلى الحياة الفكرية المعتمدة على الدين والطائفة والعادات التقليدية الأخرى فشجعت التعليم العلماني، مع التأكيد على العلوم الحديثة وتعليم النساء والتخلص من ظاهرتي الحجاب وتعدد الزوجات كما أن النخب الجديدة ميزت نفسها عن نظرائها في تركيا بالسعي لإحياء ذاكرة تاريخية عراقية عربية معينة، عن طريق التأكيد على التراث العربي.

ومن الطبيعي أن هذه التحولات الاجتماعية والثقافية لم تحدث بهذه السرعة،إنما هي تحولات تراكمية، بفضلها قطع العراق شوطاً على طريق التقدم,مما أدى إلى ترك القديم وتآكل العادات البالية بصورة تدريجية، أما بخصوص المرأة ودورها المفقود, فهي تصنع الحياة وتؤثر على الأحداث, وبهذا الدور التاريخي للمرأة كان له تأثير كبير في عقلية مصطفى علي، كتب كثيراً في الدفاع عن حقوق المرأة، وكان من المتأثرين بجميل صدقي الزهاوي وهو من أوائل الذين شرعوا قانون السفور الذي وصف الحجاب( بمطاردة العشيرة)، مقارناً وضع المرأة بين المجتمعات الشرقية والغربية عندما حاول أن يعلل سبب دفاعه عن المرأة وضرورة تعليمها القراءة والكتابة،وكل أنواع التعليم لكي(لا توصلها إلى أغراض فاسدة) وأن عزل المرأة هو سبب جعلها عالة، وتغلب الخرافات على عقليتها فأصبحت المرأة وهي نصف المجتمع عبئاً ثقيلاً على النصف الآخر وهي في هذه الحالة تُعدُّ خطراً على البلاد, إذ إنها تضعف قدرات الأمة وتشل حركتها وعملها ولعل ذلك يعود لنسبه الوفيات للأطفال والكثيرة في العراق، وهي ليست المسببة الأولى بل جهل الأبوين, من هذا الكم للمشاكل وجد هؤلاء المثقفين ومنهم مصطفى علي بضرورة العمل على تحرير المرأة وتأكيد مكانتها المتميزة في المجتمع وأسندت تلك الفئة إلى الموروث الحضاري الإسلامي الذي يولي المرأة أهمية كبيرة.

وهو ما أكده مصطفى علي بأن دفاعه عن المرأة يعود إلى" الموروث الذي اكتسبته المرأة من الحضاره الإسلامية" وما ان ظهرت الدعوة التي تدعو لتحرير المرأة لينبري التيار الديني والمحافظ وهذه الخطوات ومنها السفور بدأ هؤلاء يسخّرون أقلامهم برفضها, بدأت المواجهة بين الداعين لتحرير المرأة والتيار المحافظ،وتحولت معركتهم للصحافة وأخذت المناظرات أبعاداً خطيرة للتطور إلى معركة حامية لموضوع السفور والحجاب وسرعان ما نزل إلى ميدانها من الكتابة وأقلام الخطباء على منابرهم والشعراء بشعرهم،في حين كان أنصار السفور قله،لم يتجاوز عددهم أصابع اليد،ومن بينهم مصطفى علي، الذي كان لثقافته العصرية دور في تبني موضوع السفور,وكان في سن الشباب يواكب في لبسه التطور الأوربي,ويضع الطربوش على رأسه، فسنحت الظروف لمصطفى علي ليسخر قلمه داعيا لتحرير المرأة من خلال جريده العراق التي فسح رئيس تحريرها رزوق غنام ومحررها رفائيل بطي, صفحتها لنشر مقالات التيار الداعي لتحرير المرأة وكأن القضية أصبحت قضيتهم،ومن الواجب الدفاع عنها فراح مصطفى علي يقدم الحجة ردا على التيار المحافظ في مقالاته ،فكتب في جريده العراق مقالات جاء فيها(على رسلكم أيها الغاضبون، ألستم الذين ضيقوا على الأستاذ جميل صدقي الزهاوي، حضروا عليه الخروج من داره أياماً أولستم الذين أحدثوا تلك الضجة على الأستاذ معروف عبد الغني الرصافي، بعد نشره قصيدة (المرأة في الشرق) وأعدوا له المضابط والفتاوى يخرجوه عن الدين ومروقه منه, يحكم لنا بمارقين ولسنا بكافرين ولسنا بملحدين فيما كتبنا وما دعونا وندعو إليه ).

ونتيجة دخول مصطفى علي معركة السفور بدأت موجة مضادة من المقالات ترد على ما كتبه مصطفى علي،فعلى سبيل المثال نزل إلى الميدان الشاعر الشعبي الملا عبود الكرخي الذي اصطف مع التيار المحافظ وبدأ يهاجم الشباب الذين دعوا إلى السفور، أطلق عليهم من باب السخرية،والتهكم جاء فيها((جوكه زعاطيط وراح يتهم تارة بالماسونية وتارة بالإلحاد، رد الكرخي على قصيدة حملت اسم لامعة كانت تدعوا إلى السفور وصاغها بعدة أبيات متهمكاً على دعاة السفور وعلى مصطفى علي وجاء في تلك الأبيات:

خرقتي حكم كل مجتهد واقنعتي من فتوى الولد

شكني شك مــــــــــــــــــا اعتقد يتركع صارت فاجعــــــــــــــة

وين البشر مصطفى علي والماي بالجـــــــــــــرة صفى

وواجه تيار السفور موجة رافضة، مثّلها علماء الدين،بل وصل الأمر لمديرية المطبوعات التابعة لوزارة الداخلية أن تمنع نشر أي مقالات للسفوريين، والتي كان وقعها على نفسه مصطفى علي عندما رفضت جريدة العراق أن تنشر مقالا لمحمد سليم وفتاح صديق ومصطفى علي ،يذكر مصطفى علي عن بدايته لتحرير المرأة والتي تعود قصتها للسيدة معزرة برتو مديرة مدرسة البارودية الابتداية للبنات, البيت الذي شغلته مدرسة للبنات،كان يعود إلى عائلة فهمي المدرس هذا البيت كانت تشغله قبل ذلك مدرسة الباروديه، أخو فهمي المدرس جميل المدرس,كان مولعا بزرع الورد بالسنادين وكان يتردد على المدرسة للعناية بأزهاره،ولم يمنعه مدير المدرسة ناجي القشطيني لان المدرسة كانت للبنين،لكن عندما حلت مدرسة البنات محل مدرسه البنين أراد جميل المدرس زيارة المدرسة مما رفضت المديرة, ويذكر مصطفى علي عن بداية معركة السفور"كنا وحسين الرحال في الصف الأول طلاباً في كلية الحقوق وسليم فتاح كان طالباً في الصف الثاني،وفي صباح باكر كنا في مقهى الشباندر القائمة الآن قرب المحاكم،دخلت فوجدت توفيق الفكيكي يكتب شيئاً وسألته عما يفعل فقال انا ارد على الطبيب الاجتماعي سامي شوكت" الذي رد هو الآخر على مقال جميل المدرس الذي نشره باسم مستعار،أخذت المقال الذي كتبه الطبيب الاجتماعي فقرأته فوجدته جيدا فقلت لتوفيق،تصورت انك معنا فقال لا أنا لست معكم ولا تزعلوا أن قمت بالرد عليكم في حاله نشر مقالتكم،توفيق نشر مقالا هاجم فيه سامي شوكت حيث قمت أنا بالرد على توفيق،هذه هي بداية المعركة،وهكذا انتقل الموضوع من مسألة تعليم البنات الموسيقى والرقص والسفور،إلى معركة لم نفكر فيها في البدايةلا زلت أذكر كيف استقبلني صاحب جريدة العراق بانفعال وألم شديدين وكيف أخذ يشد من أزرنا ويستمهلنا لعله يستطيع بعد أيام قليلة أن ينشر مقالاتنا فلما وجدني مصراً قال: أنتم على حق فلماذا تنسحبون ولماذا تتخاذلون فلما قلت له: إنّنا عازمون على إصدار مجلة ونريد أن ننشر هذا المقال في أول عدد يصدر منها قال: إذاً سأقدمه غداً فذهبت إليه في الموعد وسلمني المقال في أول عدد من الجريدة الجديدة .

عن رسالة ( مصطفى علي ودوره السياسي والفكري في العراق )