في ذكرى اول وجبة من الطيارين العراقيين سنة 1931..ذكريات العودة الى الوطن جواً قبل تسعين عاماً

في ذكرى اول وجبة من الطيارين العراقيين سنة 1931..ذكريات العودة الى الوطن جواً قبل تسعين عاماً

اعداد : رفعة عبد الرزاق محمد

قررت الحكومة العراقية عام 1930 ، دعم الجيش العراقي بالقوة الجوية ، التي أصبحت عماد الجيوش الحديثة في العالم ، واتفقت مع حليفتها بريطانيا على تنفيذ تلك الرغبة . وفي أوائل عام 1931 أكمل خمسة من ضباط القوة الجوية العراقية دورتهم في التدريب على قيادة الطائرات الحربية في بريطانيا ، وكان تدريبهم على طائرة ذات محرك واحد ومروحة خشبية .

 

وتعاقد العراق مع بريطانيا على شراء خمس طائرات من نوع ( جيسي موت ) ، فادخل الطيارون الخمسة في دورة في بريطانيا للتدرب على هذا النوع من الطائرات القتالية ، وبعد إكمال تدريبهم جهزوا للطيران بها من انكلترا الى بغداد . وقد استغرقت الرحلة أسبوعين ، ووصلوا الى بغداد في مثل هذا اليوم من عام 1931 . واستقبلوا بحفاوة كبيرة ، وكان الملك فيصل الأول وابنه ولي العهد الأمير غازي على رأس المستقبلين في المطار المدني ببغداد ، وأصبح يوم وصولهم مناسبة وطنية ، وعيدا للقوة الجوية العراقية . هؤلاء الطيارون كونوا أول مجموعة ( رف ) للطيارين في العراق ، وقد شجع نجاحهم الكبير الآخرين على تعلم الطيران ، ومن الطريف ان الملك غازي كان من هواة الطيران واتفق مع المجموعة المذكورة على تأسيس جمعية الطيران العراقية عام 1933 ، وهي من أوائل جمعيات الطيران في العالم . ومن المؤسف ان يلقى اثنان من هؤلاء الطيارين الرواد مصرعهما بسقوط طائرتهما وهما ناطق الطائي ومحمد علي جواد .

الطيارون الخمسة الأوائل الذين تكون منهم اول سرب طيران عراقي هم : محمد علي جواد ,ناطق الطائي , موسى علي , أكرم مشتاق , حفظي عزيز ، ومعظمهم قد فارق اليوم الحياة .وكانوا يتدربون على طائرات خشبية ذات محرك واحد ومروحة خشبية أيضا , أسمها « أفرو لينكس « . وبعد تخرجهم جرى توزيعهم على الأسراب الجوية البريطانية لمواصلة التدريب المقرر للضابط الانكليزي . وقد أمضوا في ذلك سنتين أخريين , قبل عودتهم إلى العراق . كان العراق قد أشترى في تلك السنة طائرات من نوع ( جبسي موتس ) , سرعتها المعروفة 80 ميلا في الساعة , وسعر الواحدة منها 500 دينار , وقد كان على كل واحد من هؤلاء الخمسة أن يقود واحدة من تلك الطائرات من لندن إلى بغداد . لقد كانوافي مقتبل الشباب , وجميعهم من العزاب , وقد أقدموا بالتالي على المغامرة دون أن يهتموا بحساب للمخاطر التي قد تنجم عنها .

يقول حفظي عزيز : في 2 نيسان أبريل من العام 1927, وكنت في الصف المنتهي في الإعدادية المركزية , جاء نوري السعيد إلى الصف وقال للتلاميذ: الملك فيصل الأول يسلم عليكم ويقول من منكم يجب أن يكون طيارا؟ في ذلك الوقت, لم تكن قد رأينا طائرة في حياتنا. مع ذلك, رفع 12 تلميذ من بين 50 أيديهم. وكنت واحدا ممن رفعوا اليد بالموافقة. فقال نوري السعيد انه سيرسل في الغد سيارات تأخذنا للفحص الطبي في معسكر "الهنيدي" الذي صار يعرف فيما بعد باسم معسكر الرشيد. وأجري لنا الفحص الطبي, ورسب عشرة ونجح اثنان, قاسم البزركان ... وأنا . ثم أنسحب قاسم بعدما منعته عائلته من دخول المغامرة , وبقيت وحدي , ولم يكن من المعقول أن يرسلوني وحيدا في بعثة لدراسة الطيران في بريطانيا فأخذوا من المدرسة العسكرية أربعة طلاب آخرين , وكنا نحن الخمسة أعضاء أول بعثة سافرت إلى كلية الطيران البريطانية « كرانمور كوليدج « حيث بدأنا الدراسة في أيلول ( سبتمبر ) 1927 , وبقينا فيها مدة سنتين نجحنا بعدها وحملنا جناح الضابط الطيار برتبة ملازم ثان .

استمرت رحلة العودة 14 يوما كاملا من مطار قرب لندن إلى معسكر “ الوشاش “ في بغداد , أي أن سرعتهم ما كانت اختلفت كثيرا لو أنهم قطعوا المسافة على ظهر البعران ! يقول حفظي عزيز :(( واذكر لليوم أننا كنا ننظر من فوق متن طائراتنا , فنجد السيارات العادية تسبقنا على الأرض . وكنا نهبط في بعض المدن التي نمر بها , فنتزود بالوقود , ونمضي الليل فيها ثم نواصل الرحلة في الصباح التالي ، طرنا على ارتفاعات تتراوح بين 2000- 6000 قدم . وقد كان الطيران سهلا فوق الأراضي المنبسطة , لكننا عانينا صعوبات جمة ونحن نجتاز جبال الألب , والتي ترتفع قممها على المدى المقرر لطائراتنا , لذلك كنا نسير في شريط , أي طائرة خلف الأخرى , ونحلق في الوديان متتبعين خطوط السكة الحديدية للقطار . لم تصادفنا أي حادثة خلال الرحلة , لكننا عند هبوطنا في باريس , سحرتنا أجواء هذه العاصمة الجميلة , فنمنا في الثالثة صباحا بدل أن ننام مبكرين كما هو مقرر لنا , وقد اطلنا فترة مكوثنا في باريس عن المقرر , وأبرقنا إلى بغداد نعلل ذلك بسوء الأحوال الجوية .. ويشهد الله أنها كذبة بيضاء ! ))

اما المدن التي حطوا فيها فهي: باريس , ليون , مارسيليا , ثم اجتازوا البحر إلى جنوا , و جبال الألب إلى ميلانو , ثم إلى يوغسلافيا , حيث حطوا في زغرب وبلغارد , ومنها إلى صوفيا , وأضنة , واسطنبول , وأسكي شهر , وأدرنة , فحلب , فبغداد .

في الخامسة من عصر 22 نيسان ( ابريل ) 1931 وصل الطيارون الى بغداد, وكان في استقبالهم الملك فيصل الأول , وجماهير غفيرة من أهالي بغداد والموصل والبصرة الذين جاءوا خصيصا ليشهدوا ذلك الحدث , وتجمعوا في الوشاش لعدم وجود مطار مدني آنذاك . ولدى وصولهم نشأت القوة الجوية العراقية ، كانت القوة الجوية العراقية هي الأولى في الوطن العربي , وبعدها بأربع سنوات تم تشكيل سلاح الطيران في مصر , ولما طار المصريون بطائراتهم الأولى من لندن إلى القاهرة ’ تحطمت بعض الطائرات في الطريق , وقتل طياروها .

يذكر المرحوم حفظي عزيز :

( في العام 1933 أشترى العراق طائرات جديدة ذات محركين وثمانية مقاعد من نوع “ دراغون “ , ولما كنا قد جربنا الطريق سابقا . فقد أرسلوا المجموعة نفسها لكي تأتي بتلك الطائرات من انكلترا . واستغرقت الرحلة الثانية ثمانية أيام فقط . والعام 1934 , عادت الحكومة واشترت طائرات حربية من نوع “ أوداكس “ وبعثونا لقيادتها إلى بغداد , وقد كنا نفرح شديد الفرح بكل من تلك الرحلات, التي أعتبرها لذة شبابي والعمر الذي عشته).