جيمس بالدوين: أن تتحول الكتابة إلى موقف نضالي

جيمس بالدوين: أن تتحول الكتابة إلى موقف نضالي

أمل هازل

لا تزال مهنة الكتابة مهنة شاقة، خصوصًا إذا كان الكاتب أسود البشرة ويقف في طريق الرجل الغربي الأبيض لينتقده ويطالب بأن يكون مساويًا له.

كانت حياة الروائي والكاتب والشاعر الأمريكي «جيمس بالدوين» (1924-1987) ملهمة لكل معاصريه من كُتاب وناشطين سياسيين، إذ كان منخرطًا في النضال ضد التمييز العنصري والجنسي والتفاوت الطبقي، وعُرف بمواقفه القوية حول اضطهاد السود ومواجهة العنصريين البيض في المجتمع ووسائل الإعلام، وكافح التمييز القائم على الهوية الجنسية وضعف قيم المجتمع الأمريكي.

المتأمل في نصوصه، يتلمس أدبًا إبداعيًا ملتزمًا بقضايا الواقع. فهل كانت الكتابة حاجة مُلحة بالنسبة له؟ خصوصًا أنه عندما يكتب، إنما هو في الحقيقة يُفصح عن مكنونات صدره، وعن طموحاته في بلد كان يسلب منه حريته ويهدد كينونته.

كان بالدوين وليد بيئته دون أن يكون متماهيًا مع واقع السود. هو ابن حي هارلم، الذي ولد فيه عام 1924، الحي الذي استقطب الأمريكيين من ذوي الأصول الإفريقية وانبثق منه أعظم الكتاب والمبدعين وعازفي موسيقى الجاز المعاصرين لبالدوين.

احتضن حي هارلم، الذي اتسم بالفقر وكثيرًا ما وُصم بالجريمة وتجارة المخدرات، أشهر معزوفات «لويس آرمسترونغ»، أعظم عازف ساكسوفون في القرن العشرين، التي صورت حالة السود. وألهم هذا الحي الكاتب والشاعر والصحفي الناشط «لانغستون هيوز» عام 1917 ليشكل مجموعة كُتاب سود، بهدف خلق أفكار جديدة وآراء بناءة حول حياة السود، وأسسوا منظمة «عصبة الحرية» وصحيفة «الصوت»، وأنتجوا مقالات شهيرة وقصائد وكتابات عبرت عن وعي السود بكرامتهم أمام التمييز العنصري، ونادت بقيم المساواة والعدالة ونبذ العنصرية والعنف المسلط على السود.

فهل استلهم جيمس بالدوين مهنة الكتابة ونشاطه السياسي من رحم الإقصاء والهامشية الوجودية والوصم الاجتماعي في حي هارلم؟ هل كان هذا الحي ملهما للكتابة؟

في الواقع، لم تكن حياة الكاتب بالدوين سهلة، ولم تكن مهنة الكتابة بالبساطة التي تبدو عليها. كانت محفوفة بالقلق، وعرضت صاحبها للنقد المستمر من المجتمع والسلطة، بل وجعلته يتموقع موقع الساخر والمتهكم من كل المسلَّمات التي يقر بها المجتمع.

كتب بالدوين عام 1962 مقالًا بعنوان «العملية الإبداعية»، قال فيه: «يجب أن يفترض المجتمع بأنه مستقر، ولكن يجب على الفنان أن يعلم وأن يجعلنا نعلم بأنه لا شيء مستقر تحت السماء».

تهكُّم بالدوين على الثقافة السائدة في المجتمع الأمريكي لم يأتِ من العدم، بل كان انعكاسًا لمعيشته اليومية، ولوضعه الاجتماعي كفرد أسود البشرة يعيش في زمن التمييز العنصري، ويُسلَّط عليه عنف رمزي ومعنوي. فهو، ككاتب ينتمي إلى جماعة بشرية مضطهدة بسبب لون بشرتها، يرى أنه يحمل ألمهم ويستوعب همومهم المشتركة.

قول في نفس المقال: «تعتقد أن ألمك وحسرتك لم يسبق لها مثيل في تاريخ العالم، لكن بعد ذلك تقرأ. لقد كان دوستويفسكي وتشارلز ديكنز من علمني أن الأشياء التي تعذبني أكثر هي ذاتها التي تربطني بجميع الناس الذين كانوا على قيد الحياة، أو الذين كانوا أحياء في أي وقت مضى. فقط إذا واجهنا آلمنا، يمكن أن نفهم آلام الآخرين».

هذا القول هو اعتراف بمسؤولية الكاتب تجاه مجتمعه، واختياره لعدم تجاهل ما يحصل من حوله من مشكلات. اختار بالدوين أن يكون ناقدًا للمجتمع الأمريكي بكُليته، كجسد مُبرمج مسبقًا، لا يملك وعيًا ولا يعرف كيف يعيش دون قواعد وضوابط.

يكمن الدور الجوهري للفنان أو الكاتب في أن يزعزع الثوابت والمسلمات المشحونة بالأحكام المسبقة، والتي من شأنها أن تعرقل سير مجتمع ما نحو التقدم والنهوض. ولا تتم عملية النهوض والتقدم إلا عبر المرور بنقد الذات، فهل يمكن للفنان أو الكاتب أن يكشف أغوارنا النفسية ويجعل العالم مكانًا أنسب للحياة؟

يقول بالدوين في مقاله: «الفنان هو ذلك المؤرخ العاطي أو الروحاني، ودوره أن يجعلك تدرك الموت والمجد لمعرفة من تكون وماذا تكون، وعليه أن يخبرك ماذا يعني أن تكون على قيد الحياة، لأنه لا أحد آخر في هذا العالم يستطيع أن يخبرك بذلك، فكل ما أردتُ فعله هو أن أخبر بأنني لا أحاول حل مشاكل أي شخص، ولا حتى مشاكلي. أنا فقط أحاول تحديد ما هي المشاكل. أريد أن أكون متحررًا وقلقًا لأتجاوز قدراتي، وأجعلك تشعر بذات الشيء أيضًا».

في هذه الكلمات دعوة إلى اكتشاف الذات الإنسانية ومواجهة المخاوف والهواجس التي تعترض طريق الإنسان نحو التحرر، وأن السِّلم الاجتماعي يمر عبر تحقيق السلام الداخلي فينا.

كان قلم بالدوين سلاحه الأول للدفاع عن قضيتين تشغلان باله: الأولى جماعية عرقية، تتمثل في المطالبة بالحقوق المدنية للسود، وحقهم في المساواة في المجتمع الأمريكي، أما الثانية فقد كانت ذاتية متعلقة بالهوية الجنسية الجندرية.

كتب بالدوين عام 1953 روايته الأولى في شكل سيرة ذاتية بعنوان «Go Tell it on the Mountain»، عن ظروف حياة السود وذكرياتهم في حي هارلم في 1930.

تدور أحداث الرواية في حي السود الذي يتسم بالانغلاق، ووسط كنيسة كانت عائلة المراهق جون تتردد عليها، وتتعرض لكل أنواع العنف والمضايقة من طرف عنصريين بيض. ومع اضطراب الحياة الخارجية لهذه العائلة وانعكاسها على نفسيتهم، ووسط ضجيج الصلوات المشتركة في الكنيسة وتسلط الأب غابريال، كان المراهق جون يعيش تجربة وجودية وصراعًا بين تعارض موقفه الديني-الأخلاقي مع ميله الجنسي إلى الرجال. كان جون خائفًا من غضب المجتمع عليه، ومقتنعًا بأن ميوله الجنسية متعارضة مع رأي الكنيسة.

هذه الرواية أول خطوة جريئة يخطوها بالدوين نحو نقد الواقع، وكشف الأضرار النفسية التي يسببها التمييز العنصري والتمييز على أساس النوع والجندر.

يكمن إبداع بالدوين في التفكير في مسألة العنصرية بجدية داخل الجماعة، داخل حي له رمزية تاريخية، وفي فضاء عبادة له رمزية دينية (الكنيسة)، ثم التوجه إلى دواخل الشخصيات للتعبير عن اضطراباتهم وانفعالاتهم وقيمهم، والتركيز على التمزق الداخلي لشخصية المراهق الأسود جون، ووصف حالة القلق الاجتماعي التي تعتريه.

واصل بالدوين زعزعة ثوابت ومسلَّمات المجتمع الأمريكي بشكل جذري، هذه المرة من خلال رواية «Giovanni›s Room» التي كتبها عام 1956، إذ اختار في هذا النوع الإبداعي أن يطرح تساؤلات عن الحب والهوية الجنسية والموت.

تدور أحداث الرواية في باريس 1950، بعد أن قرر الشاب الأمريكي ديفيد أن يسافر إلى باريس ليتعرف هناك إلى هيلا ويعرض عليها الارتباط به. ويزور ديفيد حانة ليقابل شابًا إيطاليًا اسمه جيوفاني، ويندهش من شخصيته.

في الفترة التي تسافر فيها هيلا بعيدًا عن باريس، يبدأ ديفيد في الشك في حبه لخطيبته. وبتطور علاقته بجيوفاني، تجري أحداث الرواية في فضاء مغلق وحميمي (غرفة جيوفاني)، فتختلط أحاسيس وأفكار غريبة، تتألف من الحيرة والخوف من اعترافه بالمشاعر التي يكنها للشاب الإيطالي، والخشية من أن يكشف حقيقة هويته الجنسية لخطيبته، ومن اكتشاف نفسه.

في سرد مبدع للجزئيات الذاتية للشخصية الرئيسية، تتقاطع بعض الأحداث مع طفولة ونشأة وظروف حياة وآراء بالدوين.

يحاول بالدوين وصف الملامح الداخلية لشخصية ديفيد عبر الكشف عن حالته الذهنية ورصد أفكاره وقلقه الاجتماعي المتأتي من «الأنا الأعلى»، أي سلطة المجتمع الخفية والمعايير والقيم الأخلاقية التي تضبط حرية الفرد من جهة، ومن جهة أخرى رغبات «الهُو»، مجمع الطاقة الجنسية واللذات الذي لا يعترف بالقيود الأخلاقية والضوابط الاجتماعية.

يبدو لي أن هذه الرواية مرتبطة بشعور مبدعها بالدوين، إذ لا يخفى وجود بنية نفسية متجذرة في لاوعي الكاتب تتجلى بشكل رمزي في نصوصه، و تتمظهر هنا بشكل واضح من خلال شخصية ديفيد، الذي بدأ يكتشف ميوله الجنسية المثلية منذ مراهقته.

وفي سرد مبدع للجزئيات الذاتية للشخصية الرئيسية، تتقاطع بعض الأحداث مع طفولة ونشأة وظروف حياة وآراء بالدوين، وهو ما يكشف الكثير عن نفسيته، وكأنه مارس التحليل النفسي في روايته دون أن تضيع جمالية النص وفنيته. لا شك أن الرواية إذًا تعبر عن رغبات ووقائع حقيقية يحملها الكاتب.

مهنة الكتابة كانت سلاح بالدوين الأول في نضاله ضد التمييز العنصري. في محطته النضالية لنيل الحقوق المدنية للسود، كانت تجمعه صداقة بمغنية الجاز «نينا سيمون» والمناضلين السود «مارتن لوثر كينغ» و«مالكوم إكس» و«ميدغار إيفرز».

بسبب قتامة الحياة في أمريكا خلال حقبتي الخمسينيات والستينات، وثقل وقع التمييز العنصري المسلط من المجتمع والسياسات الأمريكية، فر بالدوين من أمريكا عام 1948 إلى باريس. كان المهم أن يكون المكان الذي سينتقل إليه بعيدًا عن الولايات المتحدة الأمريكية، واصفًا في الفيلم انتقاله بالانتقال الذي حرره من أغلال العبودية كأسود في أمريكا.

حاول جيمس بالدوين تحطيم أسطورة تفوق الرجل الأبيض على بقية الأعراق، وادعائه المطلق بامتلاك الحقيقة وصناعة التاريخ والحضارة، لأن «البشرة البيضاء هي حالة للذهن» لا أكثر.

عن موقع اضاءات