أنتوني هوبكنز يبهر عشاق الشاشة الكبيرة

أنتوني هوبكنز يبهر عشاق الشاشة الكبيرة

ترجمة أحمد فاضل

عندما التقينا بأنتوني لأول مرة ، كان يرتدي سماعات الرأس ويستمع إلى الموسيقى ، لا يوجد دليل أفضل لمحنة أنطوني ، الذي حـل موسم الخرف عليه ، الفيلم من إخراج الفرنسي فلوريان زيلر ، إنه اقتباس مـن مسرحيته التي تـحمل الاسم نفسه ، والتي قـام بتكييفها مع كريستوفر هامبتون من عـلى الشاشة الكبيرة ،

 

حيث تتكشف معظم الأحداث فـي شقة بلندن التي تحتفظ بجو المسرح ، لينحدر ضوء جميل من جانب واحد ، كما لو كنا موجودين في وقت متأخر من بعد الظهر ، فمـن حين لآخر تبدأ الشخصيات بالظهور إلى العالم الخارجي بين الفينة والفينة وكأنهم فـي دولة أجنبية ، يحدق أنتوني من النافذة فيرى طفلاً في الشارع ، يقذف ويـركل كيساً بلاستيكياً ، هـذا هو الحسد اللطيف الذي ينظر به العمر إلى كسل الشباب .

ومع أن لدى أنتوني مـن ترعاه ، فقد استقالت مؤخراً ، مدعية أنه أساء معاملتها ، هنا ابنته آن ( أوليفيا كولمان ) الـتي تأتي لرؤيته غاضبة من الموقف ، لكن أنتوني الغير متأثر بذلك ، يقول : " لست بحاجة إلى أحد " ، ومع ذلك لم يمض وقت طويل قبل أن يفسح هذا الاعتماد على الذات الطريق لصرخة صاخبة ، عندما أعلنت آن أنها قد تنتقل إلى باريس ، أجاب :

" أنت تتخلين عني ، ماذا سيحل بـي ؟ " وبخجل ، وضع يده على جانب وجهه ، فـي هـذه المرحلة ، نـحن مستعدون لالتقاط صورة قاسية وواقعية لعقل فـاشل إلى حد ما ، " الأب " يحقق هذا الموجز ، لكن شيئاً آخر يظهر هنا ، لغز مقلق أكثر لكونه أمراً واقعاً ، يدخل أنتوني إلى غرفة مجاورة ، ويجد رجلاً جالساً هناك ، ويسأل ، " مـن أنت ؟ " يوضح الرجل أنه بول (مارك جاتيس) ، شريك آن ، وأنه يعيش أيضاً في الشقة ، عندما نرى بول بعد ذلك ، يلعبه ( روفوس سيويل ) بدلاً من جاتيس ، وهو أكثر سخطاً من التجسد السابق ، أما بالنسبة لآن ، فلم تلعب دورها كولمان فحسب ، بل لعبت أيضاً أوليفيا ويليامز ، التي مثل جاتيس ، ستظهر لاحقاً في دور آخر ، ماذا يحدث هنا ؟

زيلر ليس أول مخرج يخلط بين شخصياته الدرامية ويحافظ على رباطة جأشه في هذه العملية ، أن يكون هناك زوج من الممثلات بالتناوب يلعبان دور البطلة ، الحيلة تتكرر في " الآب " ، ولكن لأسباب حزينة ، أنتوني مدفوع بالارتباك وليس العاطفة ، وإذا استمر الأشخاص من حوله فـي تبديل الأماكن ، فذلك لأن قـدرته على التعرف على البشر قد تقلصت ، باختصار ، نحن ننظر إلـى العالم من خلال عينيه الحائرتين ، فمنذ فترة ، رأيت " الأب " على خشبة المسرح بطاقم مختلف وبحلول صباح اليوم التالي ، كنت قد نسيت كل شيء عنها ، لماذا إذن يـجب أن يترك الفيلم انطباعاً قوياً ؟ يعود ذلك جزئياً إلى المنظورات المكانية العميقة الـتي توفرها السينما والتكتم الذي يشجعونه ، عـلى عكس جمهور المسرح ، يمكننا التحديق في الردهة الطويلة في شقة أنتوني ، وهو ينزلق عبر باب في نهايته وينظر إلينا في الظلام من خلال الشق ، ولنكن صادقين أن الدور الرئيس لفيلم " الأب " على الشاشة هو وجود هوبكنز ، ممثل في قمة قوته المخيفة ، يصور رجلاً منبوذاً بشكل مثير للشفقة ، المفارقة نادرة جداً بحيث لا يمكن مقاومتها .

الشيء الوحيد الذي يميز الممثلين من أعلى رتبة هو الانبهار الذي يولدونه فينا أثناء قيامهم بأعمال عادية تماماً ، كما أن مشهد هوبكنز ، فـي فيلم " الأب " ، وهو يتجول في المطبخ ويملأ الغلاية ويفرغ أغراض البقالة ، يلقي تعويذة مماثلة ، يمكن أن نشاهد كاهناً يستعد للقداس ، يزداد جو المداولات هذا مع تقديم لورا (إيموجين بوتس) ، وهي شابة ودودة تتقدم بشجاعة لتكون مقدم الرعاية القادم لأنتوني الذي يُحييها ، بمنديل حريري مدسوس بخفة فـي جيب صدر رداءه ، كان يمزح معها ، تومض ابتسامته ، ويلمح إلى أنه اعتاد أن يكون راقصاً وكأنها مهنته ، ( بينما مـهنته الأصلية مهندس ) ، يسير حول غرفة المعيشة ويدور حولها تتبعه الكاميرا ، إنه تسلسل

مذهل ، تـم تشديده بخليطه من الدعابة والدنس ، والقوة التي يدق بـها هوبكنز خطوطه ، ويضرب الحروف الساكنة حتى تتألق ، كأنه يعيد مشهد الملك لير في المسرح الوطني ، في عام 1986 ، وفي عام 2018 ، عـاد إليه في إنتاج تلفزيوني من إخراج ريتشارد آير ، كان هـذا الأداء مكتوما بشكل غريب في تأثيره ، شعر غضب الملك بأنه محدد سلفاً ، كما لو كان مسلحاً للصراع مسبقاً ، في حين أن حنق أنطوني في الفيلم الجديد ، ينفجر من العدم ، مثل الرعد ، أن يتم إرساله إلى دار لرعاية المسنين - وهو رعبه الأساسي - سيكون مثل طرده في طقس قاسٍ :

" أنا أفقد كل أشيائي ، الجـميع يساعدون أنفسهم فقط ، إذا استمر هذا لفترة أطول ، فسأكون عارياً تماماً " ، كما يقول بنصف ضحكة ، وهو يتشبث بشقته بجنون .

" الأب " هو عمل من الوحدة المروعة ، هوبكنز يحكم الشاشة ، يتأرجح بين العظمة والضجة الصعبة ، وفي انحدار أنتوني نرى نذير ، " من أنا بالضبط ؟ " سأل ، وكم عدد الأرواح التي يجب أن تنتهي ، مثل حياته ؟

يستيقظ أنتوني في غرفته ويخرج من الشقة ليجد نفسه في ردهة المستشفى ، يتذكر وفـاة ابنته لوسي (إيموجين بوتس) في حادث سيارة فـي المستشفى ، يرى جسدها الملطخ بالدماء في غرفة المستشفى ثم يستيقظ في غرفة نوم مختلفة تماماً ، الآن في دار لرعاية المسنين ، تقوم ممرضته ، كاثرين (أوليفيا ويليامز) ، بفحصه وإبلاغه بـأن آن انتقلت إلى باريس وتزورها في عطلات نهاية الأسبوع من حين لآخر ، ممرضة أخرى ، بيل (مارك جاتيس) ، تزور أيضاً أثناء تفاعلهم ، يعاني أنتوني من انهيار عاطفي بسبب عدم قدرته على فهم العالم بعد الآن واختفاء آن ويذكر أنه يريد والدته ، تريحه كاثرين وهو يبكي وتخبره أنها ستأخذه إلى الخارج إلى الحديقة في وقت لاحق من ذلك اليوم .

عن / مجلة نيويوركر الأميركية