فيلم الأب: أوبرا الـتـلاشي

فيلم الأب: أوبرا الـتـلاشي

علي الياسري

مثل شجرةٍ هَرِمَة تتساقط أوراقها وأغصانها بفعل الرياح والمطر تعصف الشيخوخة بالإنسان. حقيقة قاسية يدركها أنتوني في لحظة رثاء للذات بفيلم الاب للمخرج الفرنسي فلوريان زيلر، والذي بدا كإطلالة سينمائية مُبصرة بتفرد في تراتيل الشعور لمرثية رحيل الذاكرة العاطفية بفعل الخرف والزهايمر وما يُلحقه من ضرر نفسي ومعنوي يثقل أساه على المريض وذويه.

 

قبل عقد من الزمن كتب زيلر مسرحية (الاب)، وبعد الكثير من الاشادات النقدية والجماهيرية حيث اقيمت عروضها في اكثر من 45 دولة غدت مع كاتبها الاكثر شهرة ونجاحاً فنياً خلال عقدين مضت من القرن 21، فلوريان العابر لعتبة الاربعين من عمره استمد فكرة المسرحية من تجربته الشخصية مع جدته التي تولت رعايته وتنشئته، كان في الخامسة عشرة حين بدأت تعاني من الخرف، بكتابته للأب أراد استعادة التواصل مع تلك الأحاسيس، لذلك هي اكثر من قصة بل مشاركة وجدانية يواجه فيها المُتلقي شعور الشخصية حين يدلف الى رأسها ليدرك الى أي مدى يمكن للمرض أن يتسبب بفقدان الذاكرة وضياع الاتجاهات، وما يولده من توتر وضغوط عصبية ونفسية مريرة. أمر يضع الجمهور بموقع تفاعلي وليس فقط مستلم للأفكار وتأديتها، ومنذ فيلم تشارلي كوفمان (إشراقة أبدية للعقل النظيف) لم يمس فيلم منطقة الذاكرة والوجدان بمثل ما فعله زيلر في الأب.

لا شك إن الكاتب البريطاني كريستوفر هامبتون أدرك كل ذلك حين شارك فلوريان مسعاه لتحويل المسرحية الى فيلم سينمائي. فمعرفتنا بالعديد من التجارب السابقة التي خاضت بنفس هذا المضمار يجعل التحدي في إلتماس الاختلاف بالطرح والمعالجة هدفاً معيارياً لتقديم الاب بشكل مميز سينمائياً. لقد نجح صُنّاع العمل في ملامسة الدرجة الأعلى من التحفيز السردي وجاذبية الأداء بفاعلية التكييف التي خرقت شرنقة المعتاد في النقل لمسرحية ناجحة وهدفوا لِاكتساب الديناميكية البصرية لخلق الستايل الخاص بروح الفيلم، والذي رغم كسره لمحدودية المكان بالنص المسرحي بإضافة المشاهد الخارجية إلا أنه لم يدفع السيناريو نحو تهميش الشقة –المكان- حيث بقيت عنصراً فاعلاً في البناء الدرامي، بل وحضرت كشخصية معنوية محورية نتلمس تداعي روحها المؤتلفة مع ساكينها بامتياز تصميم الإنتاج الرائع الموضوع من قبل بيتر فرانسيس ببراعة حين خلق فضاء مشهدي يتسم بعمق عناصره التأثيثية الموحية وألوان مؤثرة وإضاءة مناسبة كوجهة نظر موازية تتغير طبقاً للارتباك الحاصل بعقل الشخصية مع ما يوفره كل ذلك من معرفة بذائقة ونمط سلوك وطبيعة الخيارات الحياتية لساكني المكان.

ما يجعل فيلم (الأب) تحفة سينمائية ليس فقط القصة ونسقها السردي والاداء العالي للممثلين بل ذلك التكامل النادر بين تفاصيل فنية عديدة تصب في البناء العام للمؤلف السينمائي ليضعه بمرتبة أشبه بملحمة وجود أوبرالية، مثل خيارات اغاني الأوبرا واللوحات التشكيلية والمنحوتات. ففي سلسلة مشهد الافتتاح يترافق مع الصورة اغنية من الحركة الثالثة لشبه الاوبرا الملك آرثر (1691) للمؤلف الموسيقي هنري برسل يتوحد فيها رؤية موسيقية مرتعشة لبرودة الشتاء مع كلمات الشاعر الانكليزي جون درايدن ستغدو مدخلنا لصقيع الذاكرة المُكتنف عالم أنتوني شيئاً فشيئاً. فيما مثلت احدى اغاني أوبرا صياد اللؤلؤ (1863) للمؤلف الموسيقي جورج بيزيه رثاء عاطفي عذب لمشاعر الذات وحديث صمت موجع للروح حيث ظهرت بمشهدين مفصليين يمثلان نقطة تحول كاشف لمسار الشخصيات، الأول عندما يتلقى انتوني خبر مرضه بعيادة الطبيبة، والثاني حين تخرج ابنته من دار رعاية المسنين بعد إيداعه فيها. لقد كان اختيار هذه (الآريا) تلبية لرغبة هوبكنز الشخصية والذي لطالما حلم برؤيتها تصدح في أحد أفلامه، أمر حققه له المخرج زيلر معتبراً إياها عربون محبة وتقدير، وتعبير عن سعادته لقبوله تمثيل الدور.

في ناحية أخرى كان اختيار لوحات رسمها الفنانون فيليب فاسور وجيسون لاين وديزموند ماك ماهون، والأخير إن اشتهرا بأعمالهما المرسومة خصيصاً للسينما والتلفزيون، لتعكس الكثير من ملامح الشخوص ومسار حياتها وطبيعتها واللحظات العاطفية المميزة لذكرياتها والمرتبطة بكيان العائلة وهي أيضاً جزء مهم من الثراء الروحي للمكان. لكن كل ذلك يحتاج الى توقيتات واعية في إظهارها المتكرر بشكل تراكمي وهو ما يفعله المخرج وفريق عمل الفيلم حين يخلقون من خلال الأشكال المتنوعة للفن هارموني تنضج من خلاله رؤية بصرية تنعكس بلمحات مونتاجية ذكية على المزاج العام للحكاية، وجرياً على هذا السياق تمثل منحوتة (ضوء القمر) للنحات البولندي ايغور ميتوراج توهج تعبيري ينسجم مع تناقضات التلاشي التي يعيشها أنتوني بفعل ذاكرته المعطوبة. رأس متآكلة النهايات والجوانب تميل الى السقوط الحر في الفضاء، أفكار خلاقة يستدعيها العمل النحتي تسير بالتوازي مع مقاصد فيلم الأب وشخصياته يلتقي معها عند نقطة ديمومة الانهيار التدريجي والتداعي الى عالم مجهول وقاسي. يُعرف ميتوراج بتماثيله المجتزأة لجسم الانسان حيث تتصهر ضمن أسلوبه التقاليد الكلاسيكية مع أفكار ما بعد حداثية يجتمع فيها الجمال والدقة مع الهشاشة والمعاناة.

سعى السيناريو المكتوب بعناية الى ترصين الحكاية والشخصيات على الشاشة خصوصاً مع وجود هامبتون بخبرته الكبيرة رفقة زيلر بالكتابة تؤكد ذلك مسيرته الحافلة حيث نال سابقاً جائزة الاوسكار لأفضل سيناريو مُعد عن فيلم علاقات خطرة، فقبل أن نغطس في عقل أنتوني لمشاركته سعيه المضني في الفهم والإدراك وسط غابة مشاعر الشكوك والغضب والتشتت والخوف مع نقيضاتها من لحظات بهجة وفرح حين تنكشف بسبب المرض تقلبات الزمن والمكان والشخوص، تبدو سلسلة مشاهد الافتتاح مثابات مهمة لتوضيح طبيعة شخصية الابنة الحقيقية بعيداً عن خيالات الأب المجحفة اللاحقة، وبلفتات بصرية مُعبرة تظهر حمامة تتقرب منها عند مدخل البناية الواقع فيها المنزل، ما يُعيد الى ذاكرتنا حمامة فيلم (حب) لمايكل هانيكه الذي ينحدر أيضاً لموضوعة الشيخوخة وتداعياتها، رمزية هذا الطائر في الثقافات القديمة أن الإنسان بامتلاكه لروح حمامة فتلك اشارة لكونه شخصية لطيفة مليئة بالعطف ومن النادر قيامه بشيء مؤذي والأهم لديه مسعى دائم لمنح الاهتمام والرعاية للآخرين من حوله. مرجعية تعبيرية استخدمت كل طاقة الصورة في منح المشاهد التمهيد الواعي لشخصية سيتم التنكيل بها كثيراً فيما بعد، أما المشهد التالي فهو العتبة لعقل أنتوني حين تلتقط كاميرا علوية (آن) ترتقي متاهة السلالم المؤدية لدوامة التشظي بذاكرة الأب -المكان-. ينزلق هوبكنز بتمثيله المفعم حيوية وشغف بكل سلاسة ليغدو أنتوني المضطرب والمُنكِر لمرضه، فيعيش تناقضات الضعف والقوة والخوف والشجاعة والقسوة والعطف، يتراقص ببراعة بين الحزن والفرح، كاشفاً أسرار وعيه بتداعيات صحته في تلك اللحظات الطفولية التي لا يجد فيها سلاحاً يدافع به عن حياته وذكرياته سوى البكاء. لكننا لم نكن لندرك عظمة أداء هوبكنز لولا بريق اللمعان لدور الابنة الوفية والصبورة الذي قدمته بتوهج أوليفيا كولمان حين نجحت في إظهار عوامل الانكسار الداخلي وشروخ القلب المفطور على أبيها والأحاسيس التي تتنازعها بين ألتزامها نحوه وهي ترى الخوف والارتباك بعيونه وبين رغبتها بعيش حياتها كأي إنسان طبيعي، لقد خاضت كولمان تجربة هذا الشعور بطفولتها عندما كانت ترافق والدتها الممرضة التي تصفها بسفيرة رعاية مرضى الخرف في جولاتها الى منازل هؤلاء الاشخاص المُهملين من عوائلهم يعانون وطأة الوحدة المريرة، بنظراتها المُشبعة بالعطف والحزن وتقاسيم وجهها النقية اضحت أبعد من مجرد ممثلة وأقرب لحالة مُهجة انهكها تراكم الألم الروحي، لقد بدت وأبيها وكل حياتهم العائلية الحافلة بالمسرات والأوجاع أقرب لبقايا الكوب الذي سقط من يدها فتحول لشظايا متناثرة يصعب جمعها.

فيلم (الأب) رحلة الحياة بمسارها المتنقل بين فصول الزمن الإنساني في أمكنة الألفة. يتنامى طريقها بين صورةً رمزية حالمة أو واقعية ملموسة زادها الذكريات المحتشدة التي التهمتها بلا رحمة أمراض الشيخوخة وتركتها تتلاشى الى الأبد.