مع الجواهري .. ذكريات

مع الجواهري .. ذكريات

حسين مردان

كانت الاعمال الادبية في الخمسينات تطرح من قبل صاحبها للنقد والمناقشة بكل تواضع للحصول على تزكيتها او الحكم باعدامها وقد يستمر الجدل حول قصيدة واحدة ساعات طويلة، وغالبا ما كنا نحن الذين نقرر صلاحها للنشر،، فقد كنا نسيطر عن طريق غير مباشر على الصفحات الادبية التي كانت تخصص في بعض الجرائد،

حيث كان معظم المشرفين على تحرير تلك الزوايا الادبية من حاشيتنا، وكان باستطاعتنا ان نثلم شهرة اي شاعر او اديب يحاول الخروج او التمرد على مفاهيمنا الادبية والفنية، اما المجلات الادبية العالية فقد كانت هي الحلم الاوحد الذي يقوم ويقعد معنا، فعندما كان يحصل انسان ما على امتياز مجلة ادبية، كنا نركض اليه من المقاهي كافة لكي نضع مجلته ضمن نفوذنا الادبي

واذكر بهذه المناسبة ان واحدا من هؤلاء قد طلب من عبدالملك نوري قصة لاتحمل اي طابع سياسي وطلب مني قصيدة خالية من الصور الجنسية وقصيدة من عبدالوهاب البياتي بعيدة عن الاشارات الثورية، وعندما قلنا لماذا؟ اجاب وهو يتلفت حوله: لانني اخاف من الحكومة! وعندئذ صحنا بصوت واحد.. ولذا نقترح عليك ان تطبع الغلاف وحده وتكتب عليه.. بما انني اخشى السجن فقد قررت اصدار مجلتي بهذا الشكل الفريد.. وهنا كان لابد لنا من ان نمنح هذا المتأدب المسكين احد الالقاب البهلوانية التي كنا نطلقها على امثاله، وقد فاز بقلب (الطائر الخرافي).. وبقدر ما كنا منسجمين من ناحية اتجاهاتنا الفكرية العامة كنا نختلف احيانا من حيث اساليبنا وطموحاتنا الفردية، ولعلي الوحيد الذي لم يدخل في صميم المشاحنات الادبية، التي كانت تحدث دائما بين الادباء والتي غالبا ماكانت تؤدي الى الخصام وقطع العلاقات.

واشهر تلك الخصومات هي التي كانت تحدث بين السياب من جهة وعبدالوهاب البياتي وكاظم جواد من جهة اخرى، وكان كاظم هو مركز الثقل في هذه المعارك فان انضمامه الى احد الطرفين كان يعني فوز ذلك الطرف.. وكان كل من الفريقين يحاول الاستعانة بي، الاّ انني كنت ارفض مثل هذه المواقف واعمل على ازالة الجفاء وتقريب وجهات النظر بين الجبهتين فقد كان الصراع في حقيقته يدور حول الزعامة الشعرية! وهو عمل كنت انظر اليه من جانبي باستخفاف وبامتعاض، لاني لم اكن مؤمنا بمثل هذه السخافة، سخافة الامارة والامتياز الادبي، ومع اني كنت اعتقد ان هذه المنازعات تخلق رجة لا غنى عنها للحركة الادبية، ولكنني لم اكن اسمح بتطورها الى درجة العنف ولذلك كنت اقف ضدها باستمرار. كان انتقالنا الى (مقهى الصباح) في بداية عام 1948 وهو العام الذي صدر فيه ديوان بدر شاكر السياب (ازهار ذابلة) وديوان عبدالوهاب البياتي (ملائكة الشيطان) وفي نفس السنة طبع بلند الحيدري مجموعته (خفقة الطين) واصدرت نازك الملائكة كذلك ديوانها (شظايا ورماد).. وهكذا بدأت حياة المقاهي الكئيبة ترصع سماء الشعر القديمة بنجوم ذات بريق جديد، وقد قوبلت هذه المجموعات الشعرية بشيء من الحماسة من قبل القراء الشباب ومن المثقفين بصورة خاصة،، الا انها استقبلت بنوع شديد من الحذر من جانب المتزمتين من عباد الثالوث الشعري المتكون من الزهاوي والرصافي والجواهري.. في الوقت الذي كانت فيه شهرة الزهاوي قد اخذت تميل الى الاصفرار وخمدت السنة اللهب على حافة بركان الرصافي.. وبرز الجواهري مرتديا بردة الزعامة.. ولم يكن هناك من يرفض الاعتراف بقيادة الجواهري للحركة الشعرية.. فقد كانت قصائده ترن في كل مكان.. وعندما صدر ديواني (قصائد عارية) في مطلع عام 1949 وأمرت الحكومة بمصادرته وتقديمي الى المحاكم بتهمة افساد افكار الشباب.. جاءني القاص عبدالرزاق الشيخ علي واخبرني ان الجواهري يريد رؤيتي ويدعوني الى زيارته.. ولكني رفضت الذهاب وقلت له: ليأتي الجواهري اليّ في المقهى.. ويبدو ان ابا فرات كان يفهم مدى الغرور الذي يحمله الشعراء الشباب!! فاستعان بديموقراطيته وحضر الى مقهى الرشيد حيث كان مقري الدائم حيذاك،، وقد نهضنا لاستقباله بما يليق به باعتباره الوريث الشرعي لكل ابداعات التراث الشعري منذ العصر الجاهلي الى يومنا ذاك.. وبعد حديث قصير اظهر الجواهري اسفه لمصادرة ديواني ومحاكمتي وعرض عليّ مساعدته، واظن انه تحدث مع الحاكم الذي احيلت اوراق الدعوى اليه.. وعلى الرغم من عدم ايماني بعبقرية الجواهري بصورة مطلقة فقد ظل يعاملني بمودة خاصة،، وحتى عندما هاجمته بسلسلة من المقالات النقدية حول قصيدته (اللاجئة في العيد) لم اسمع منه كلمة واحدة تنم عن الكره، ولكني لمست موقفه المتحفظ مني خلال نشاطنا داخل اتحاد الادباء العراقيين،، وقد استطاع ان يبعد اسمي من قائمة المرشحين للهيئة الادارية، مما اضطرني الى خلق عدة تكتلات ادبية لمجابهة جبهة الجواهري- صلاح خالص.. وقد كان الاديب خالص عزمي هو ساعدي الايمن في حومة ذلك الصراع الخفي.. ولم ازل اذكر لخالص دوره الفعال ومواقفه الجريئة.. وعندما عقدت المفاوضات بين الجانبين كان القاص عبدالملك نوري هو ممثلنا فيها،، ولكنهم لم يحترموا ما وعدوا به من حرية الانتخاب.. فعمدت الى مهاجمتهم في اثناء المؤتمر، وقد حملتني اصوات اصدقائي القدماء من ادباء وشعراء المقاهي الى كرسي الهيئة الادارية.. لقد سقت هذه الحادثة كدليل على قوة ونفوذ الادباء الشباب الذين كانوا يحلمون في الثورة على كل مظاهر الادب القديم وخاصة في ميدان الشعر، ولقد ظلت تلك الذكريات المشتركة تشد بعضنا الى بعض فترة طويلة، فعلى الرغم من الطبيعة السياسية لاتحاد الادباء العراقيين فقد بذلت المستحيل من اجل انضمام الشاعر بلند الحيدري وقد ساعدني في ذلك كل من عبدالوهاب البياتي وعبدالملك نوري،، اما بالنسبة لبدر شاكر السياب فقد كان هناك تيار شبه عام ضد قبوله.. ومع ذلك فقد حاولت الا انني لم استطع ان اقنع حتى الذين كانوا يؤمنون بشاعرية بدر وقابلياته الادبية. ان الصور التي تجمعت في ذاكرتنا عن ايام مقهى الصباح كانت كثيرة ومتعددة، فقد كان صاحب المقهى واسمه صبيح اكثر رقة من اي صاحب مقهى آخر.. ومع ذلك فقد اقترح احدنا التحول الى (مقهى الرشيد) في الحيدرخانة.. وبعد ان نوقش الاقتراح مدة شهر كامل تقرر الاخذ به..

عن كتاب ”الأزهار تورق داخل الصاعقة“