البلاط الملكي والأقطاع في لواء العمارة

البلاط الملكي والأقطاع في لواء العمارة

د . حميد حسون العكيلي

لابد هنا ان نسجل ملاحظة مهمة لما نحن بصدد توضيحه من مواقف مختلفة من علاقة الإقطاعي بالفلاح في لواء العمارة، وهي اننا اعتبرنا ان الحديث عن الإقطاع ينصرف اولاً الى بؤرة الإقطاع، ولواء الإقطاع, ليس في العراق فقط، وانما، في العالم اجمع.

نعم ان لواء العمارة الذي وصل فيه ظلم واستبداد الإقطاعيين الى مستوى لايطاق، وان الحديث عن الإقطاعيين يتوجه اولاً الى "عميد الاقطاع" مجيد الخليفة وآخرين من اقطاعيي العمارة , إذ كانت 99 بالمائة من الاراضي الزراعية واقعة في قبضة هولاء الاقطاعيين الذين يستأجرونها من الحكومة ببدلات ايجار اسمية.

ان هذا اللواء هو المثال النموذجي للاقطاع لاسيما وان عدد الملاكين الصغار لم يتجاوز حتى عام 1952 حوالي 178 شخصاً والمساحة التي بحوزتهم لاتتجاوز واحد بالمائة من الاراضي المزروعة , ومقابل هولاء يوجد 304 من الاقطاعين يستحوذون على99 بالمائة من المساحة بحيث وصلت املاك بعض الشيوخ الى عشرات الآلاف من الدونمات, في حين ان نسبتهم اقل من واحد بالمائة من سكان الريف, لذلك لم يكن غريباً ان يكون لواء العمارة عنواناً للظلم والاستغلال الاقطاعي مما اثار ردود فعل ومواقف شتى.

على أية حال, حاولت الحكومات العراقية المتعاقبة إبان حقبة الملك فيصل الاول , اتخاذ بعض الاجراءات وتأسيس بعض الدوائر والمؤسسات الخاصة بالقطاع الزراعي, والتوسع في استخدام المضخات , مما ادى الى زيادة المساحات المزروعة بالتالي الى زيادة ملحوظة في الانتاج الزراعي, الذي وجد قسماً منه طريقه الى الاسواق الخارجية .

لما كانت الزراعة تمثل العمود الفقري للاقتصاد العراقي في تلك المرحلة، لذا كان من الطبيعي جداً ان يولي الملك فيصل الاول الزراعة اهتماماً بالغاً، وعلى الرغم من وصف بعض المؤرخين لحركته في هذا الميدان بالمحدودة لاسيما وانه لا يستطيع تخطي العلاقات السائدة في الريف الا في حدود ضيقة، فيما كان يعتمد كل تطور زراعي حقيقي على التصدي لتلك العلاقات قبل كل شيء، ثم ان البريطانيين لم يروا من مصلحتهم ان يطال التغيير الجذري الهيكل الاجتماعي القائم، الذي وجدوا فيه ضمانة لبقاء عرش الملك فيصل الاول.

وما تجدر اليه الاشارة , ان الملك فيصل الاول، الذي صدرت في السنتين الاخيرتين من حكمه اهم القوانين الخاصة بالاراضي، لم يعترف في مذكرتهِ التي وجهها الى اقطابِ السياسة العراقيين في اذار 1932، بوجود مشكلة اسمها مشكلة الاراضي، فقط وانما، حاول ان يقدم تصوره لحل تلك المشكلة. اذ يعتقد ان حلها سيقوي روابط الفلاحين بالاراضي، وان ذلك له علاقة كبيرة بشيوخ العشائر ونفوذهم، وعليه يجب الاسراع بتطبيقه الا انه استدرك قائلاً : "لا يجب ان يشعر الشيوخ والآغوات بأن قصد الحكومة القضاء عليهم، وانما يجب ان نطمئنهم على معيشتهم ورفاهيتهم".وبالرغم من ذلك لم يحاول الذين تصدوا لمسؤولية الحكم ان يفعلوا شيئاً فيما يخص مشكلة الأراضي حتى وفاة الملك فيصل الاول في 8 ايلول 1933.

أحدثت وفاة الملك فيصل الاول اختلالاً سياسياً كبيراً وسادت اجواء الصراع والتنافس السياسي بين الكتل السياسية المختلفة وبالتالي لم يستطع خلفه الملك غازي الذي يم يكن مهيئاً للحكم ان يملأ الفراغ الناشئ عن ذلك. وسادت اجواء الصراع والتنافس السياسي بين الكتل السياسية المختلفة ، فضاع الملك الجديد تماماً بين تفاصيلها المقيتة. اما فيما يخص موقف الملك غازي من الإقطاع عموماً وعلاقة الإقطاعي بالفلاح على وجه الخصوص، فإننا نكتفي بالقول، ان الملك غازي لم يتخذ من الإقطاعي جاسم محمد العريبي صديقاً حميماً فحسب وإنما، وقع تحت تأثيره الكبير ايضاً.

اما موقف البلاط خلال حكم الملك فيصل الثاني من الموضوع الذي نحن بصدده ، فقد كان ضعيفاً , اذ ان عبد الكريم الازري وزير المالية في وزارة محمد فاضل الجمالي الاولى استطاع ان يقنع مجلس الوزراء بإقرار لائحة قانونية لتعديل قانون منح اللزمة في لواء العمارة، ليحصل الفلاحون على حلمهم التاريخي وهو الحصول على قطعة ارض زراعية.الامر الذي اثار غضب إقطاعيي العمارة، لاسيما عشيرة البومحمد، واستنجدوا بالبلاط من خلال رفعهم شكوى الى الامير عبد الاله، الذي سارع لنجدتهم، وعقد اجتماعاً برئاستهِ في البلاط الملكي، وحضره العديد من الوزراء وفي مقدمتهم عبد الكريم الازري الذي اصبح وزيراً للاعمار في حكومة الجمالي الثانية، ولفيف من الاقطاعيين.اذ بدأ وزير الاعمار بالاستفهام من الاقطاعيين عن حقيقة موقفهم من اللائحة التي تبناها مجلس الوزراء ، والتي لم تعطِ للفلاحين غير نصف الاراضي. لذا كان موقف الاقطاعيين رافضاً لللاّئحة جملة وتفصيلاً، وجاء الرفض على لسان "عميد الاقطاع" مجيد الخليفة بقوله : "إننا لا نعرف السبب في معاملتنا معاملة تختلف عن بقية الشيوخ في باقي الالوية، اذ لا يشارك الفلاح الشيخ في الارض، لذلك فإننا لا نوافق على المبدأ الذي قامت عليه اللائحة وهو اعطاء نصف الارض للفلاحين"، ومضى مجيد الخليفة يقول بتهديد صريح: "إننا سنقاوم هذا المخطط ، بكل ما نملك من قوة، لذلك فإننا اشترينا الاكفان والبنادق، لاننا ننوي ان نموت في سبيل ارضنا التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا".

انهى عبد الاله الاجتماع بغضب، معلنا بوضوح انه لا يقبل التفريط بحلفاء النظام من الإقطاعيين، وعليه لم يكن بالامكان الحديث عن اللائحة.عندها ادرك عبد الكريم الازري بعدم امكانية تمريرها في اروقة مجلس الامة فقدم استقالته من الوزارة في6 نيسان 1954.

ظل الامير عبد الاله مدافعاً صلباً عن مواقف حلفاء النظام الملكي حتى آخر ايامه، فعندما تبنّت آخر وزارة في العهد الملكي برئاسة احمد مختار بابان، مشروعاً بسيطاً للاصلاح الزراعي وانعاش القرى العراقية, رفضهُ الامير بشدة , كما رفض كل الدعوات المؤيدة لهذا المشروع من أمثال دعوة الشاعر علي الشرقي التي دعم فيها موقف الحكومة المتبني للمشروع , وقد كشف الامير عن موقفه الرافض لهذا لهذا المشروع بشكل صريح حين قال:

" لقد خسرنا اهل المدن، فهل يريدون ان نخسر اهل الريف".

في ضوء تلك المواقف، لم يكن عبد الحميد الكنين مخطئاً عندما قال: " إن كل ما اصاب العراق من سوء انما كان مصدره نوري السعيد بالدرجة الاولى، وعبد الاله بالدرجة الثانية ". الحقيقة التي اكدها المؤرخ حنا بطاطو بقولهِ: إن نوري السعيد وولي العهد لم يكونا رحيمين ابداً بحياة الناس.

عن رسالة ( علاقة الإقطاعي بالفلاح في العراق 1932 - 1958 )