صالح جبر عندما كان متصرفا .. طرائف وذكريات

صالح جبر عندما كان متصرفا .. طرائف وذكريات

د . حميد حسون العكيلي

كنت قد اجريت حديثا مع احد انجال صالح جبر الشخصية السياسية والادارية الكبيرة في العهد الملكي ، عند اعدادي لاطروحة الدكتوراه عن علاقات القربى والمصاهرات ودورها في تاريخ العراق في العهد الملكي . وقد افادني السيد احمد صالح جبر بالكثير من المعلومات والذكريات عن حياة ابيه الذي عرف بانه كان اداريا حازما قبل ان يتولى منصبه الرفيع رئيسا للوزراء سنة 1948 .

 

تحدث السيد احمد صالح جبر بمنتهى الصراحة فقال:

ولدت عام 1953, وكانت هنالك علاقة صداقة بين والدي وأسرة الشيخ عداي الجريان, لاسيما وانهم شيوخ عشيرة البوسلطان, ولهم مكانتهم الاجتماعية الكبيرة, وقد توثقت العلاقة بشكل أكبر بعد المصاهرة التي حدثت بينهما وذلك بزواج والدي من والدتي فضيلة ابنة الشيخ عداي الجريان عام 1943.

كان لهذه المصاهرة دور كبير في أن يتحول ابن خالة والدتي فريد علي غالب من محامي بسيط إلى قاض و محكمة التمييز وقد كانت علاقتنا به قوية جداً ودائماً ما يحدثنا عن مواقفه مع الوالد في العهد الملكي, فضلاً عن ذلك, فقد اسهمت والذي في تخليص أحد اخوالي الذي دخل التوقيف نتيجة حادث سير أدى الى وفاة شخص, لكن تدخل والدتي قد أسهم بإخراجه بكفالة مالية, مع دفع الدية العشائرية.

ولم يقتصر أثر والدتي على ذلك فقط, بل أسهمت في إيصال خالي حمدان الجريان إلى النيابة في آخر دورة برلمانية بعد تدخلها بشكل مباشر, إذ قامت بمنع اخي سعد من الترشيح, على الرغم من دفعه التأمينات المالية التي كان قدرها مئة دينار, حتى ان نوري السعيد قد التقى سعد وقال له "يا سعد , حمدان باجيتك فضيلة مرشحته, انت شلون توكف امامه, هسة ترشحك لو ترشح حمدان" ونتيجة لذلك ضحك سعد وذهب واسترجع تأميناته وانسحب من الترشيح.

وما تجدر اليه الإشارة, ان الوصي عبد الاله كان يحترم والدتي كثيراً, حتى عندما تتصل به يقول لها "أمرك خانم" , كونه ينظر لها ابنة عائلة كبيرة لها ثقلها العشائري الواضح, يكفي القول بهذا الصدد,انني ولدت في مستشفى كمال السامرائي بعد زواج والدي من والدتي بعشر سنوات تقريباً, وقد زارني في عيد ميلادي الاول والثاني الوصي عبد الاله والباشا نوري السعيد, وعند زيارتهم ارادوا تقبيلي في وجهي, لكن والدتي فضيلة رفضت لأني كنت حديث الولادة وتخشى عليّ من الامراض, لاسيما وان الوصي والباشا كانوا من الذين يشربون الخمر بكثرة, لذلك قاموا بتقبيلي من يدي.

تحدث الأستاذ احمد عن المدة التي قضاها والده صالح جبر متصرفاً لكربلاء المقدسةفقال :عندما كان والدي متصرفاً لكربلاء وصلته أخبار تفيد بأن خزينة العتبة العلوية وهي تحت الارض فيها نفائس وكنوز جاءتها من ملوك وزعماء العالم, استدعى والدي عمي عزيز جبر وبعض الاصدقاء المخلصين وذهبوا الى النجف الاشرف, وقاموا بحفر الخزينة وإخراجها وجردها, ثم قاموا بتغليفها بكونكريت مقفل حتى لا يستطيع أحد فتحها, ووضعوها تحت المرقد الشريف, وبقي هذا الامر سري لمدة طويلة. وقد تحدث عمي عزيز جبر عن هذه النفائس ووصفها بأنها كنوز من الالماس, ودرر خالصة تبلغ قيمتها مليارات الدولارات. وبعد إكمال العملية أرسل والدي نسخة من الجرد إلى الديوان الملكي وأخرى إلى رئاسة الوزراء, وبعد سنين جاء نظام البعث, وبسبب وجود المنافقين سمع صدام بذلك, وقال لي زميلي في الكلية اسمه (جواد), بأن ازلام نظام صدام جاءوا ليلاً واقاموا بإخراج الزائرين من الضريح المقدس, وأخذوا النفائس الثمينة التي تقدر بمليارات الدولارات, ولم يبق منها الا اشياء بسيطة لا قيمة لها . نالت هذه الخطوة استحسان مراجع الدين, لاسيما السيد ابو الحسن الاصفهاني, الذي كانت تربطه علاقة قوية مع الوالد, وعند مرضه ارسله والدي الى لندن لتلقي العلاج, لكن انتشار مرض السرطان انهى حياة السيد المرجع, والسيد محسن الحكيم الذي اثنى على والدي وقال له " هذا عمل كبير عند الله, لقد قمت بحماية خزينة امير المؤمنين وهذه منزلة كبيرة, وهي كفيلة بإدخالك الجنة. واللافت ان احمد صالح جبر قد تحفظ على العبارة الاخيرة (كفيلة بإدخالك الجنة), وقال اعتقد ان فيها مبالغة ولا تخرج من مرجع وزعيم طائفة حينها.

ليس ذلك فقط, بل عُرف عن لواء كربلاء وجود ما يعرف بحوض الكر(حوض للماء), يستخدم للغسل والوضوء وغيرها, وعند حفره يجب ان يستخدمه سيداً اولاً للتبرك, وأحياناً يبصق السيد في الحوض, حتى يستمرون في استخدامه تبركاً, وكان حينها النجف الاشرف قضاء تابع الى لواء كربلاء, فعندما شاهد والدي (صالح جبر) هذه الظاهرة اراد القضاء عليها, لذلك انشأ مشروع للماء, لكن البعض رفض طمر الاحواض, لان فيها قدسية, الامر الذي دفع والدي الى ان يدخل البيوت متنكراً كبائع للملح, ليكتشف بنفسه البيوت التي لا زالت فيها هذه الاحواض, وفعلاً تمكن من القضاء على هذه الظاهرة .

انشأ والدي كورنيش البصرة عندما كان متصرفاً للواء البصرة عام 1941, وكانت ظروف تأسيسه ناشئة من سماعه صياح قوي في دائرة اللواء, فنادى والدي على مرافقه (لفتة) وهو من اهالي البصرة, ليسأله عن هذا الصراخ, فأجابه بأن هنالك رجل يريد مقابلتك, وعند دخوله على المتصرف صالح جبر قال له بيـك , انا عندما اسير مع عائلتي أمام السفارة البريطانية, كان هنالك مجموعة من موظفي السفارة جالسين في حديقتها , وقد تعرضت من قبلهم لإهانة كبيرة, أغضب هذا الأمر صالح جبر كثيراً, فأتصل بالبلدية بصورة مباشرة, وأمرهم بتجريف الحديقة, ورفع العلم البريطاني منها, وعندما وصلت الأخبار إلى الوصي عبد الاله, اتصل بالمتصرف صالح جبر, فأجابه الاخير قائلاً : انا متصرف البصرة, وهذه ارض عراقية, وقد اهانوا مواطناً عراقياً, وجاء ليستغيث بي, لذلك قمت بعمل كورنيش مكان الحديقة. وهو موجود إلى الان في مكانه.

يذكر الأستاذ أحمد, ان عمه رضا الذي شغل منصب قائمقام قضاء المحمودية في العهد الملكي, كان طالباً في كلية الحقوق عام 1947, وقد وجدوه متلبساً في الغش في أحد الامتحانات, فأخبر الأستاذ عميد الكلية, الذي اتصل بدوره بـ (صالح جبر) ليخبره بالأمر وما يصنعهُ, وعندما علم صالح جبر بخبر شقيقه سأل عميد الكلية هل انت متأكد من انه غش في الامتحان, فكانت الاجابة نعم بيك متأكد, قال صالح جبر يجب ان يرسب شقيقي في جميع المواد الدراسية, وإعادة العام الدراسي, عقوبة له, على الرغم من انه كان بإمكانه اداء الامتحان في الدور الثاني, وهذا ما حدث فعلاً في ذلك العام, الأمر الذي أدى إلى حدوث خلاف عائلي بين عمي رضا ووالدي ورفض دخول عمي لمنزلنا, ولم يستقبله لعامين.