هكذا أنسحب الجيش العراقي من حرب فلسطين سنة 1948

هكذا أنسحب الجيش العراقي من حرب فلسطين سنة 1948

فاطمة عدنان شهاب الدين

بعد الاخفاق في توحيد قيادة الجيوش العربية جرت مناقشات في عمان في 23-31 اب بين الوصي والملك عبد الله اتفق فيها على ان تكون القيادة العامة للجيوش العراقية والاردنية في فلسطين بعهدة الفريق الركن صالح صائب الجبوري وان يكون اللواء الركن نور الدين محمود قائدا للقاطع الشمالي-نابلس ، طولكرم ، جنين ، وان تكون قيادة القاطع الجنوبي أي القدس وجوارها وفي ضمنها القوة الاردنية بعهدة اللواء مصطفى راغب.

في 17 ايلول 1948 اغتالت المنظمات الصهيونية في احد شوارع (القدس) الوسيط الدولي الكونت برنادوت ، السويدي الجنسية ، وكبير المراقبين الدوليين الكولونيل سيرو ، الفرنسي الجنسية ، وبحسب طلب الملك عبد الله اجتمع في القصر الملكي بعمان في 18 ايلول عام 1948 وزير الدفاع الاردني فوزي الملقى ، ووزير العراق المفوض في عمان جميل الراوي ، ورئيس اركان الجيش الفريق الركن صالح صائب الجبوري ، واللواء الركن نور الدين محمود ، وجرت مداولات حول الموقف بعد اغتيال الصهاينة الوسيط الدولي الكون برنادوت في اثناء قيامه بواجباته في القسم المحتل من مدينة القدس. بعد احالة اللواء مصطفى راغب قائد القوات العراقية على التقاعد صدر امر بتعيين اللواء الركن نور الدين محمود قائدا للقوات العراقية فالتحق بالقيادة في نابلس في 11 تشرين الاول 1948.

لم يتوقف القتال في الجبهات العراقية طوال تشرين الثاني – كانون الاول 1948 اذ استمرت فعالية دوريات القتال الليلية والاشتباكات بين المفارز الامامية وفي ليلة 2-3 كانون الثاني 1949 بدأت معركة تلول كوفيتش واستمرت مساء يوم 7 كانون الثاني 1949 حيث انتهت بطرد الصهاينة من التلول وهزيمتهم تاركين جثث قتلاهم في الخنادق وجوارها .

في الوقت الذي كانت المعارك تدور بين الجيش العراقي والصهاينة كانت بعض الدول العربية تجري مفاوضات في جزيرة رودس ووقعت معهم اسرائيل هدنة في 24 شباط 1949 ، ووقعت لبنان واسرائيل اتفاقية الهدنة في رأس الناقورة في 23 اذار 1949 ، ووقعت الاردن واسرائيل في رودس في 3 نيسان 1949 اتفاقية الهدنة الدائمة ، اما العراق فلم يتفاوض مع الاسرائيليين ولم يعقد أي هدنة.

وفي 11 اذار 1949 بلغت مديرية الحركات القيادة العراقية برقياً موافقة السلطات المختصة على تسليم القطاعات العراقية الامامية الى قطعات الجيش العربي الاردني. وفي 26 منه ابلغت الحكومة العراقية الملك عبد الله رغبة العراق في في سحب الجيش العراقي من فلسطين وتفويض الحكومة الاردنية ان تتخذ ما تراه مناسباً في شأن قضية المثلث العربي دون استشارة حكومة العراق ، وفي 6-14 نيسان 1949 تسلمت القطعات الاردنية قواطع القوات العراقية ،ووصل الى بغداد في 25 منه رئيس الوزراء – الاردنية توفيق ابو الهدى ، فاجتمع بالوصي ، ثم برئيس الوزراء نوري السعيد وبوزير الدفاع شاكر الوادي ، وجرت مفاوضات صريحة في شأن سحب القوات العراقية المرابطة في فلسطين الى مراكزها الدائمة في العراق ، بعد ان انتهى الغرض من بقائها في تلك الديار . وكان سحب هذا الجيش من شأنه ان يصطدم اصطداماً خطراً بالقوى الوطنية العراقية وبعواطف الشعب العراقي ، فاتخذت الحكومة اقسى التدابير واحكمها للحيلولة دون الاخلال بالامن والنظام.

وفي 29 نيسان وصلت طلائع هذه القوات الى الرمادي ، ثم بلغت العاصمة في اول ايار 1949 ، فاستقبلت عند "جسر الخر" استقبالاً شهده الوصي ولفيف من الاعيان والنواب وغيرهم ، والقيت بعض الخطب الحماسية ،واذاعت وزارة الدفاع بياناً ، هذا نصه :

" لقد اخذ الجيش العراقي على عاتقه المساهمة بتحرير فلسطين ، وذلك حسب قرار الجامعة العربية ، وذهب وحافزه الوحيد الوطنية الخالصة التي لا يشوبها مطمع ، وقد قام خلال وجوده في الاراضي المقدسة بواجبه احسن قيام ، ولم يخسر أي معركة اشتبك بها مع العدو ، بل العكس كبد العدو خسائر فادحة بقيامه بهجمات مقابلة مما جعله مرهوب الجانب ، فلم يجسر الجيش الاسرائيلي بعد ذلك على القيام بأي هجوم اخر حتى الهدنة الاخيرة ، وكانت معركة حنين التي تمكن بها الجيش العراقي من القضاء على قوات اسرائيلية تفوقه اضعافا ، وانقاذه قضاء جنين من براثن الصهاينة مثالاً لم يتمكن عليه هذا الجيش من العمل ، وتمكن من الاحتفاظ بالمثلث العربي وسلمه كاملاً غير منقوص ، وكان تقدير اهالي فلسطين له في ذلك عظيماً ، حتى ان مفتي جنين السيد اديب الخالدي صرح امام الضباط مراراً بالحرف الواحد "لولاء الجيش لكنا تحت الخيش" .

اما اذا كانت النتائج العامة غير ما ترتضيه الشعوب العربية ، فان لذلك اسباباً هي خارج مقدور الجيش السيطرة عليها.

لقد قررت الحكومة العراقية اسناد الحكومة السورية لذلك اجلت حركة جحافل الالوية الاول والثالث والخامس من معسكراتها في شرقي الاردن الى العراق في ايار 1949 فلما شرعت سورية في اتصالات التوقيع على الهدنة مع الصهاينة بدأت الحكومة العراقية بسحب جحافل الالوية تدريجياً ثم استبدلت الزعيم الركن رفيق عارف في 16 حزيران 1949 فكان الفريق نور الدين محمود قائد القوات العراقية حتى اذا وقعت سورية على الهندة في 20 تموز 1949 اصدرت وزارة الدفاع اوامرها بسحب جميع القطعات المتبقية واذاعت الحكومة بياناً رسمياً بذلك في 21 تموز 1949.

وقد رفع نور الدين محمود تقريراً الى وزارة الدفاع عن الحرب التي خاضتها الجيوش العربية عامة والجيش العراقي خاصة وقيم فيه هذه الحرب وقد جاء في التقرير ما يلي :

خلال مدة بقائي في المفرق ، فتشت القوة الالية فوجدت ان معظم جنود الفوج الالي غير مدربين حتى ان القسم الاعظم لم يرموا بأسلحتهم الخاصة بهم . وفضلاً عن ذلك علمت ان الفوج المذكور استلم مدافع الهاون في يوم حركته من بغداد ، ولا يعلم احد في الفوج ولا بالقوة الالية كلها ، من يعلم كيفية استخدام هذه المدافع ، وقد تركت في السيارات منتظرين ورود الاعداد اللازمة لادارتها من بغداد . هذا من جهة ومن جهة اخرى وجدت ان اعداد الاسلحة في المدرعات لم يدربوا باسلحتهم مطلقا فأطرترت الى الابراق لوزارة الدفاع للموافقة على تمرينهم ببضعة اطلاقات بصورة مستعجلة ، لكي يعرفوا خواص اسلحتهم على الاقل . وعند استفساري عن موقف العتاد ظهر لدي انه كان محدوداً جداً كما ولم يؤسس خط المواصلات بعد ، وكانت الوحدات تستهلك الارزاق التي جلبتها من بغداد . وكانت بقية قضايا التموين والاعاشة في دور التأسيس . هكذا كانت الحالة للقوة الالية المرسلة الى فلسطين ، والمزمع اشتراكها في القتال ، من دون التهيؤ له ، وان وضعية كهذه جعلني في حالة استغراب من ارسال قوات وزجها في القتال بهذا الوضع الناقص"أ.هـ الفريق نور الدين محمود .

عن رسالة ( نور الدين محمود ودوره السياسي والعسكري )