هكذا عرف العراقيون جهاز الراديو .. المحاولات الاولى لتأسيس اذاعة في بغداد

هكذا عرف العراقيون جهاز الراديو .. المحاولات الاولى لتأسيس اذاعة في بغداد

سندس حسين علي

أنشأت الادارة الفرنسية إذاعة لها في الجزائر عام 1925 وإتخذتها وسيلة لبسط الإستعمار الثقافي والفكري فيها، لأنها كانت تذيع برامجها باللغة الفرنسية فقط. وتعد أول إذاعة في الوطن العربي، بعدها ظهرت الإذاعة في المغرب العربي عام 1928، على يد الإحتلال الفرنسي،

وكانت أول محطة إذاعية تبث برامجها باللغة العربية هي إذاعة القاهرة عام 1934 ، حينما جاءت شركة (ماركوني) Marconi البريطانية وأسستها.أما إذاعة القدس العربية، والتي أسستها القوات البريطانية أيام الإنتداب البريطاني على فلسطين عام 1935، كانت ناطقة باللغة العربية أيضاً، وظهرت الإذاعة في تونس عام 1935، لكنها كانت ناطقة باللغة الفرنسية، والإذاعة الرابعة في الوطن العربي هي (إذاعة بغداد) التي تأسست عام 1936 والتي ارتبطت منذ تأسيسها بالحكومة العراقية.ولا يعرف بالضبط متى دخل أول جهاز للراديو إلى العراق، ويمكن الاستنتاج بأن البريطانيين الذين تولوا إدارة المرافق الأساسية في الحكومة العراقية، ومن خلال وجود معسكرات جيوشهم في العراق هم الذين أدخلوا لأول مرة جهاز الراديو إلى العراق.

تعود البدايات الاولى لإذاعة بغداد، تبدأ بوصول الأمير علي بن الحسين إلى بغداد، قادماً على ظهر السفينة التي أقلته من الحجاز، عقب هزيمته إمام ابن سعود عام 1925 مستصحبا معه جهاز مذياع ألماني قديم نوع (منيرڤا), وكان ذلك الجهاز بالنسبة له كنزاً نفيساً بسبب ندرة أجهزة المذياع في تلك المدة، وكان أشبه مايكون بمهد طفل مصنوع من مادة معدنية صلبة، غير أنَّ كثيرا ماكان يصيبه العطل، فيستعين الامير علي بن الحسين بالملحق العسكري في السفارة البريطانية في بغداد(جيرالد دي غوري) ليرسل له أحد نواب ضباط القوى الجوية البريطانية لإصلاحه في بضعة أيام، واستبدال بعض أدواته.

قام صاحب السينما الوطني عام 1927، بجلب الآت الراديو إذ أعلن عن إتمام نصب الآلة اللاسلكية العظيمة التي استحضرها حديثا، لأخذ الأصوات من محطات العالم اللاسلكية, لتسلية الجمهور وقت مشاهدتهم الصور المتحركة، إذ يمكنهم وهم جالسين في السينما سماع الأنغام الموسيقية، والخطب البليغة من أقصى محطات العالم كأنقرة وموسكو وروما، وبرلين وباريس ولندن, ومن دون أجور إضافية, عدا اجرة السينما المعتادة, وقد خصصت أماكن للسيدات في تلك السينما.

ولنشأة الإذاعة العراقية قصة طريفة، لعل أكثر العاملين في حقل الإذاعة أو المهتمين بها لم يطلعوا عليها. ففي أوائل عام 1928 بدأ السيد عبد العزيز البغدادي، صاحب شركة الدخان العراقية، الذي أراد الترويج لبضاعته والدعاية لمنتجات شركته بإجراء المسابقات عن طريق جمع أغلفة علب السكائر التي كانت الشركة المذكورة تنتجها، وكانت الجائزة الأولى عبارة عن: جهاز راديو للفائز الأول. وهكذا دخلت أجهزةالاستقبال الإذاعية لأول مرة إلى العراق، ثم كثرت تلك الأجهزة بعدة طرق منها الاستيراد الشخصي لبعض الميسورين.

أقدم التاجر حافظ القاضي بتشجيع من شقيق له هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية يدعى مصطفى القاضي على عقد صفقة مع الشركة الأمريكية (R.C.A) لإستيراد أجهزة راديو ذات ماركة واحدة، ومن حجوم مختلفة، تبدأ من حجم(5) مصابيح، وكان التعبير عن الحجوم بعدد المصابيح وليس كما هو ألان، إذ يحدد الحجم ألان "ترانزستور"، اذ احتل الجهاز الجديد مكانة مرموقة لدى المواطنين، وأزاح إلى حد كبير جهاز الأسطوانات (الفونوغراف).

تمكن قلة من المواطنين الذين زاروا بلدانا وأقطاراً مجاورة أخرى, أن يشتروا من الخارج نماذج من تلك الأجهزة, فأصبحوا يلتقطون بواسطتها عددا من الإذاعات الأجنبية، وقلة من الإذاعات العربية، منها: إذاعة القاهرة, وإذاعة القدس العربية, فانتشر خبر تلك الأجهزة لدى المواطنين العراقيين بسرعة.

كما انتشرت تلك الأجهزة عن طريق شركات الاستيراد، ويبدو إن شركة (فيلبس) البريطانية انشات مركزا لها في بغداد آنذاك اذ اشارت إحدى الصحف عام 1930 إلى ذلك وقالت:((بأن الشركة جلبت أدوات والآت كثيرة للراديو, وإنه بإمكان المستمعين سماع إذاعات موسكو، باريس, لندن, روما, اسطنبول, بوخارست، وأن لندن ستوسع مركزها في بغداد وتقوم بتخفيض أجور إعلانات أجهزة الراديو إلى (10) روبيات)).

إنَّ عملية ترويج أجهزة الراديو بشكل واسع تمت حين نشر إعلان يشير إلى إن كثيرا ممن اقتنوا الراديو (ماركة فيلبس) ، ((يتنعمون الآن بسماع أشجى الأنغام وأحلى الموسيقى التي تعزف في لندن، وبرلين، وروما، واستنبول، وغيرها من أشهر مراكز الموسيقى في أنحاء أوربا)).

ويضيف الإعلان أنه بعد أَنْ ورد الراديو إلى العراق أصبح (بإمكانك أن تُنشط مسامعك وأنت بين أقربائك وأصدقائك بما يزيل عنك هموم الحياة: موسيقى، رقص، قطع كلاسيكية لأشهر الجوقات، وأعظم المغنين وبإمكانك أن تستعمل مكبرة الصوت (الملحقة بالراديو) في غرامافونك في أي وقت شئت، فتحصل على أنغام مكبرة لاتضاهيها أنغام الجوقات الكبرى.

يمكن الاستنتاج بأن الإذاعة كانت تسمع لأغراض ترفيهية، إذ كانت المحطات الأجنبية تكرس الكثير من وقتها للموسيقى والغناء، وأخذ الناس يقضون الأمسيات بالإستماع إلى إذاعة (القاهرة) التي أمتعتْ المستمعين بتلاوة القران الكريم بصوت الشيخ محمد رفعت، فقد كان العراقيون متلهفون لسماع تلك الإذاعة على الرغم من صعوبة التقاطها، إذ كانت لاتسمع إلا ليلاً، في ذلك الوقت، وبدأت الجماهير في العراق تطالب بإنشاء محطة للإذاعة، للإطلاع على ما يجري في القطر والعالم.

تتضح قيمة الراديو أكثر حين كانت شركات الدخان تتنافس فيما بينها لجذب أكبر عدد من الزبائن إلى منتوجاتهم من (السكائر) للحصول على الجوائز الثمينة وهو الراديو.

فأقدمت أحدى شركات الدخان بتقدم 12 جهازا قيمتها (5000) روبية، إلى المدخنين. مما يدل على أن سعر الراديو كان مرتفعاً. اذ بلغ (31,250) ديناراً ومائتين وخمسين فلساً، في الوقت الذي كان فيه راتب المعلم الشهري (7,500) دينارا.

بدأت بعض المقاهي الكبيرة في بغداد تؤدي دوراً ثقافياً تنويرياً رائداً، اذ قامت بنصب محطات إذاعية سلكية عن طريق وضع راديو كبير في المقهى ثم إيصاله بسلك إلى (سماعة التلفون) ، الموضوعة في غرفة أو ركن في المقهى وبذلك تتوزع الأغاني والموسيقى وتراتيل القران الكريم إلى مناطق عدة.

كانت مقهى(الحاج عزيز) في منطقة البارودية بالفضل أول مقهى في بغداد يقوم بإنشاء محطة إذاعة سلكية عام 1932، ثم توالت التجارب المماثلة في مناطق أُخرى من بغداد،ثم تبعه مقهى الحاج عبيد، حين أسس ستوديو في بيته وأوصله بسلك إلى الراديو الموجود في مقهاه الكائن على نهر دجلة في موقع عمارة (الدفتر دار الحالية) وبدا ببث الموسيقى منها عن طريق تأجير الفرق الموسيقية، وكان مقهى التبانة، قرب جامع الفضل حاول تطوير البث الإذاعي السلكي بإنشاء غرفة بث إذاعة يجلس فيها الجوق الموسيقي مع المغني الذي كان يقرا المقامات عادة وفي أوقات لاحقة كان يستضيف مجموعة من مقرئي القرآن الكريم ليقوموا بتلاوة القرآن الكريم، بينما كان كل من السيدين عبد السلام العزاوي وزكي خطاب المحامي يقرأن القرآن الكريم من تلك الإذاعة السلكية عام 1933 كما كان ثمة جهاز راديو كبير في مقهى عارف أغا في الميدان.

 

عن رسالة (توجهات الإذاعة العراقية الوطنية 1936-1958)