هل تذكرون الفنان حميد المحل .. لقاء نادر في السبعينيات

هل تذكرون الفنان حميد المحل .. لقاء نادر في السبعينيات

منذ سنوات بعيدة وقليلة كان يصدراول مجلة للاطفال في العراق وكان شغوفا بعمله فيها.. و منذ سنوات بعيدة، ايام الحكم الملكي المندثر كانت رسومه الكاريكاتيرية تتسبب في اغلاق الصحف التي تنشر فيها.. ومنذ سنوات قليلة كانت صورته تملأ شاشة التلفزيون وصوته ينبعث من جهاز الراديو منغمرا في صميم الحياة الشعبية،

 باعثا شخوصها لتملأ البصر والسمع، فتثير المتفرج وتسعده وتحكي له حكايات توجيهية حلوة في قالب كوميدي ساخر...لآن اين هو.. لماذا التحف بالصمت وتحصن به؟.. عفوا.. لم اقل لكم بعد من هو لكنني اعتقدت انكم تعرفتم عليه.. هو الفنان حميد المحل، الرسام والممثل والكاتب ورسام الكاريكاتير..

في معهد الفنون الجميلة طرقت باب حجرة "رئيس قسم الفنون التشكيلية والتطبيقية" في معهد الفنون الجميلة ودخلت، كانت الحجرة المتوسطة السعة تزدحم بأكثر من عشرة اشخاص هم اساتذة القسم، وكان هو بينهم بسيطا رقيقا مهذبا وكدت اقول له كيف أنت يا عواد الاخرس ـ احد ادواره المعروفة ـ لكنه كان يصافحني ويتحدث الي بطلاوة ودماثة تحس تماما انهما جزء من طبيعته.. وانتظرت كثيرا حتى دخلت الحجرة، وسألته اهي حجرة واحدة للقسم كله واومأ مجيا بنعم، وكدت ابدي عجبي لكنني تذكرت ان قدومي ليس لتفقد نواقص القسم والمعهد فهي كثيرة وزميل آخر اخذها على عاتقه.. واذن.. واذن يا سيدي يا حميد المحل هل تحدثنا عن البداية..؟ البدايات كلها اعني.. التمثيل والرسم والصحافة..

يتنهد حميد المحل والمح عينيه من خلال نظارته تغيمان وكأنهما تعودان بعيدا بعيدا الى الماضي، الى مدينة الخالص حيث ولد من أب موصلي سكن الخالص وتزوج فيها:

منذ طفولتي او نعومة اظافري ـ كما يقولون ـ هويت الرسم والتمثيل، وقد تمكنت مني الهواية واستلبتني ولا ادري هل عشقت الرسم ثم التمثيل، ام عشقت التمثيل ثم الرسم.. المهم كنت مهووسا بهما، مرة سرت على قدمي من الخالص الى بعقوبة لاحصل على ادوات رسم اشتراها لي شقيقي الكبير المرحوم جهاد المحل.. وكنت لا اتجاوز العاشرة حين مثلت دور الولد الصغير مع فرقة حقي الشبلي التي اتت الى الخالص لتقدم عروضها.. وكنا نقيم مسرحا فوق سطح بيتنا انا واصدقائي وندعو سكان المحلة لمشاهدتها. وكنت اكتب مسرحيات بسيطة شعبية او تاريخية استلهمها من الشخصيات المشهورة في المدينة او من كتب الدراسة.. وكنت في الابتدائية حين رسمت مجلة خطية اسميتها "المنبر". وفي دار المعلمين كنت من اوائل من عمل نشرة جدارية كان ذلك في عام 1940.

وتتداعى الذكريات على حميد المحل من كل جانب، يحدثني عن رسومه وبداياته كرسام، ثم ينتقل فجأة الى حياته كممثل وكاتب للعديد من المسرحيات..، ويعود ليتحدث عن المجلات العديدة التي اصدرها.. هي حيوات متداخلة كخيوط النسيج التي تتلاطم وتتعانق وتتداخل لتشكل نسيجا واحدا.. ويقول المحل وعيناه تتألقان: ـ الزبانية.. فرقة الزبانية هي الحدث الفني الكبير في حياتي، ففي معهد الفنون الجميلة كنا مجموعة من الاصدقاء جمعنا الهزل والمرح والشباب، وألف الاستاذ حقي الشبلي منا فرقة.. اطلقنا عليها اسم الزبانية. كانت تضم \"الحاج ناجي الراوي ـ فخري الزبيدي ـ ناظم الغزالي ـ حامد الاطرقجي ـ محمود قطان\" ثم انضمت الينا عناصر اخرى مثل محمد القيسي وجميل الخاصكي.. وكنا نقدم اعمالنا على المسرح وفي الاذاعة، وكنت اكتب معظمها.. اتذكر منها.. \"الامتحان\" و \"الشوك\" و \"عزم الرجال\" و \"دنيا\" و \"عبوسي\" و... وكانت انتقادية لاذعة..

ومع بداية افتتاح التلفزيون قدمنا اعمالنا وكانت الاجور مضحكة اذا ما قيست بالاجور في وقتنا هذا.. لقد كان الفنان يحفر الصخر ليصل..على الشباب الموهوب ان يستغلوا الامكانيات المتوفرة استغلالا كاملا. وفي مطلع الخمسينيات ذهب الى باريس لاتمام دراسته في الفنون التشكيلية والتطبيقية، وهناك شارك في معارض عديدة وقد حصل على عدة جوائز ومداليات منها الجائزة الاولى في احد المعارض، وحين عاد عام 1958 عمل رئيسا لقسم الديكور بالتلفزيون، يقول المحل: عقب عودتي وجدت ا ن الديكور مهمل في التلفزيون فدأبت على الاهتمام به وقد كنت اول من عمل الديكور المجسم، وبقيت في عملي هذا حتى سنة 1964. وماذا عن مجلة الاطفال التي اصدرتها؟ ـ ايضا عقب عودتي من الخارج كنت قد تشبعت بأفكار جديدة حول توفير مجلة للصغار، ورغم ضعف الامكانات فقد كانت مجلة "صندوق الدنيا" التي صدرت منذ 1958 وحتى 1962 حيث اوقفتها وزارة التربية بحجة اصدارها مجلة للأطفال، كانت صندوق الدنيا تستقطب الصغار في انحاء العراق وكانت رسائلهم تصل المجلة بالمئات. وكنا نحاول ان نحقق لهم المتعة وا ن نغذيهم بحب الوطن والصفات الكريمة الاخرى.

مجلة الاذاعة والتلفزيون نيسان 1975