تنظيف العاصمة بغداد في العشرينيات

تنظيف العاصمة بغداد في العشرينيات

إسراء عبد المنعم السعدي

بعد تأسيس أمانة العاصمة سنة 1923، كانت مهمتها الأساسية تقديم الخدمات للمواطنين الساكنين في العاصمة بصورة مرضية، خاصة الاعتناء بالنظافة مثل رفع النفايات والتخلص من المخلفات لمنع حدوث اضرار صحية، وكذلك تنظيم الشوارع والأزقة بشكل منسق يعطي صورة جميلة للعاصمة. والأمانة مسؤولة عن توفير سبل الراحة للمواطنين بتحسين ضخ المياه الصحية للمناطق السكنية، وتحسين إنارة الشوارع العامة والميادين، وإيصال جزء من الكهرباء إلى المنازل بأسعار مناسبة.

إن مهمة تنظيف العاصمة كانت تتم بإشراف دائرة التنظيفات التي أسست في نيسان 1918 داخل بلدية بغداد تحت إشراف آرثر بونهام A.Bonham.ومن ثم أنيطت أعمال هذه الدائرة إلى المستر و.ب. نيل حتى عام 1923.

وبعد تشكيل الأمانة تسلم إدارتها المستر س. بروكنك C.Baroknk وأصبح ناظر التنظيفات في العاصمة، وفي هذه الفترة زاد عدد المناطق المشمولة بالتنظيفات في العاصمة حيث أصبحت ستة أقسام، أربعة في الرصافة، وفي كل منطقة مفتش واحد، و5 عرفاء و18 كناساً للطرق و14 زبالاً مع كل منهم حماران، ويوجد أيضاً 19 عربة لنقل القاذورات في المدينة مع سائقيها وجامعي الأقذار. أما الكرخ فإنها مقسمة على منطقتين، مفتش واحد وثلاثة عرفاء و15 كناس للطرق و8 زبالين لكل واحد منهم حماران و3 عربات للأزبال مع السائقين والجامعين، وخصص للسواحل عريفاً مع أربعة كناسين.

وإن دائرة التنظيفات ترفع شهرياً تقارير إلى مديرية صحة العاصمة عن الأعمال التي تنجزها وما تحتاجه من اللوازم وبعدها تقوم مديرية الصحة برفع هذه التقارير إلى الأمانة لتوفير ما تحتاجه عملية التنظيف. وقد أوضحت في تقرير رفعته سنة 1925 إنجازاتها في تنظيف الطرق، فذكرت أنها حملت 3265 من أحمال العربات و20825 من أحمال الحمير من الزبل في البيوت والطرق ونقل القاذورات من الشارع بحدود 156 حمل من العربات من المياه القذرة وتنظيف المجازر بقدر 375 حمل من أحمال العربات وأتلفت الخضار غير الصالحة للإستهلاك بحدود 4 كيلو غرامات من الفواكه والخضار و291 كيلو غراماً من اللحم، ودفن 350 جثة من حيوانات الخيل، والبغال، والحمير، والكلاب، والجاموس، والغنم.

وكانت الأمانة تهتم في موسم الشتاء برفع الأوحال عند هطول الأمطار وذلك بفتح عشرات البالوعات في الأماكن التي تتجمع فيها المياه وبالتعاون بين مديرية الصحة والدائرة الهندسية بتوفير عدد كبير من العمال والعربات لرفع الأزبال.

وفي عام 1926 أكد المستر بروكنك ان الاهتمام بنقل وتصريف الأزبال من الدور مهم جداً وخاصة في موسم الصيف، حيث يرفع الزبل من الدور مرتين في اليوم ولهذا الغرض تستعمل البغال في الطرق الرئيسية والحمير في الطرق والشوارع الضيقة التي لا يمكن مرور العربات فيها، وقد وفرت دائرة التنظيفات 142 صندوقاً من الحديد لرمي القاذورات منتشرة في أماكن مناسبة يسع الواحد منها 10 أقدام مكعبة لكنها لم تف بالغرض، لأن أغلب المواطنين لا يستعملونها.واهتمت الأمانة بشراء مكانس ميكانيكية لكنس الشارع العام، حيث يكنس الشارع مرتين في اليوم لكثرة النقليات، لكن الأمانة استغنت عن هذه المكائن لأنها مكلفة.

أما وظيفة تنظيف المراحيض ونقل المياه التي تتراكم في المزابل وطمر تلك المواقع فكانت تحتاج عدد كبير من العمال، لذلك شغل بروكنك جميع الموظفين في هذه العملية واستعان بالسجناء وشغلهم لمدة سبعة أيام، واستخدم في أحد الأشهر 90 سجيناً للعمل في تنظيف وطمر المزابل.

وقد وجهت عدة انتقادات إلى أمانة العاصمة من قبل الصحف بسبب الإهمال في واجباتها في تنظيف الأزقة والشوارع، وكانت هذه المشكلة تثار في فصل الشتاء، إذ عانى المواطنون من رداءة تنظيم الشوارع، وتجمع مياه الأمطار بشكل يومي في الشوارع، وهذا يجبر المواطنين على اختراق الأزقة بصعوبة، فأشارت جريدة العاصمة إلى هذه المشكلة بعد انتخابات المجلس البلدي للعاصمة عام 1922 وطلبت من الأعضاء الجدد الاهتمام بتنظيم المدينة وتنظيف الشوارع لتجنب مشكلة فصل الشتاء.

أثارت جريدة الاستقلال نفس الموضوع في عام 1923، حيث شكا الناس من إهمال الأمانة ودوائرها في عملية التنظيف والتخلص من مياه الأمطار والأوساخ التي تعيق الحركة، وتعطي صورة تبدو وكأنما العاصمة عائمة على مياه وأوساخ تنذر بتسمم الأرض وانفجارها.

وللتخلص من المياه الآسنة والأوساخ، طالبت جريدة العراق بتفعيل مشروع المجارير الذي يدفع المياه القذرة خارج المدينة، بالإضافة إلى تذمرهم من طريقة التنظيف التي تتبعها الأمانة، حيث كان يتم كنس ورش الشوارع في الصباح ما يؤدي إلى إعاقة حركة الناس فطالبوا الأمانة بإجراء التنظيف في الليل باستخدام الآلات الحديثة.

ومن واجبات دائرة التنظيفات تجهيز دور موظفي الحكومة العراقية من البريطانيين في المدينة وقرية العلوية بعدد مناسب من الكناسين وتدفع لهم أجور على ذلك. وقدر عددهم 45 كناساً من ضمنهم كناسون مجهزون لديوان المندوب السامي والمجلس النيابي والنادي البريطاني وشركة السباق ودوائر الحكومة في السراي والمحاكم. والكناس الواحد يعمل في ثلاثة دور، وإن أجور هؤلاء الكناسين تساهم في تسديد مصاريف الأمانة التي تنفقها في هذا المجال.

أما عملية تنظيف المجاري وتصريف المياه، فلم تعرف المدينة مشروعاً للمجاري الحديثة، فقد أدخل نظام التصريف المكشوف الذي ساعد على تحسين الوضع بعض الشيء برغم بدائيته. وفي عام 1925 أقترح مشروع المجارير لسحب جميع الأقذار والأوساخ وتنقل إلى خارج المدينة ويستفاد من فضلاتها المسحوبة بجعلها سماداً للمزروعات.

ومع هذا استمرت الأمانة باتباع الطريقة البدائية في تصريف المياه القذرة فتجري بواسطة البالوعات والمراحيض التي تبنى بالطابوق بدون ملاط (الاسمنت) لكي تترشح المواد المائية، وأنها مدورة وبأحجام مختلفة وتنظف بالأيدي من قبل عمال مجازين وتنقل هذه المواد على ظهور الحمير إلى بقعة معدة لذلك خارج المدينة. وكانت الأمانة تهتم بشراء البغال لهذا الغرض لتستعملها في سحب العربات التي تحمل القاذورات وتكلفها مبالغ باهظة تقدر بخمسين روبية للواحد في اليوم.

وقد اتخذ مجلس الأمانة قراراً بتطبيق نظام تصريف المياه القذرة رقم 29 لعام 1934، وحدد شروط فتح الكازينوهات ومساحات المقاهي والمطاعم والشروط الصحية في دور السينما والملاهي وتبليط الأرصفة بالكاشي، كما قرر تنظيف البالوعات والطرق العامة( ).

 

عن رسالة : تاريخ أمانة العاصمة (بغداد)1921 -1939