الشيخ جلال الحنفي وقاموسه الصيني

الشيخ جلال الحنفي وقاموسه الصيني

انوار ناصر حسن

كان الحنفي يرى في الرحلة إلى الآفاق وسيلة أخرى لنشر مبادئه وما إلتزم من آداب الدين ، تيمنا ً بأسلافه من الرحاله العرب الذين دونوا في رحلاتهم إلى العالم مجموعة من المشاهدات والحوارات وأحوال الناس الأجتماعية والفكرية ، وكانت وسيلته في ذلك القاء المحاضرات أو التدريس في موضوعات متعددة ذات علاقة بالفكر الأسلامي .

الا أن البعض من رحلاته هذه لم يتضح فيها الأمر هل ذهب بدعوة من تلك البلدان التي زارها أو أرسلته حكومته في مهمة وعظية إرشادية لبلد ما أم أنه زار هذه البلدان على نفقته الخاصة لغرض الترويح والسياحة ... مع ذلك فأن هذه الرحلات أكسبته شهرة واسعة في البلدان التي زارها ، الأمر الذي عزز من مكانته العلمية والفقهية وأصبح مطلوبا ً بأن يحاضر في جامعات تلك البلدان التي أعجبت به لأخلاقه وعلمه .

ومن خلال المقالات التي نشرها عن رحلاته تلك فأنه قد نقل بأمانة ودون مبالغة أو تهويل تفاصيل ممتعة عن طبائع وعادات الناس وأعمالهم وصناعاتهم .

أن يسجل في أعماق نفسه كل مذاقات الحياة ما حلا منها وما مر وما طاب وما خبث « .

وتجسيدا ً لهذه القناعة فأنه دون بمرارة ما شاهده من سلوك لصبيان في بكين وقارنه بسلوك لصبيان في بغداد في مقالة عنوانها « الأزقة الصينية والهواتف وما إلى ذلك « ذكر فيه « كنت أمشي المسافات الطويلة وأنا أغادر منطقة الأسواق الصينية المعروف بـ (وان فوجين) قاصدا ً إلى السفارة العراقية في أقصى الشارع وقد يستغرق مشيا ً على الأقدام ساعة فلكية ، وفي طريقي أرى أطفالا ً صينيين صغارا ً وصبيانا يلعبون على جانب الطريق والى جنبهم جهاز هاتف معلق بالجدار غير اني لم أجد صبيا ً منهم مد يده إلى ذلك الهاتف ليقلبه أو ليمعن النظر فيه أو ليحاول الأستماع اليه فذاك مما لا يمر ببال أي منهم ولا يعن عليه ، وعندنا في بغداد عندما وزعت دوائر الهاتف أجهزة الهواتف على بعض المراكز هنا وهناك قال لي مسؤول الهاتف أنهم وجدوا حصى وقطعا ًمعدنية في داخل الهواتف ، هذا أمر كان يحز في نفسي أن أرى الأطفال في الصين لا يمس أحدهم جهازا ًيعلم أنه وضع لمصلحة من يمر من هناك فيحتاج اليه فيستعمله من دون سكان ذلك الحي من صبيان ومن كان من نمطهم ان يمد أحدهم يده اليه» (2

كـــان للشيخ جلال الحنفي رحلات عدة إلى الصين ، فكانت الأولى عام ( 1966 ) وأستمرت أربع سنوات ، والأخرى عام ( 1975 ) واستمرت نحو عامين ، وأخرى ثالثة عام( 1987 ) وكانت هذه الرحلات بتكليف من الحكومة العراقية حيث ذهب في مهمة علمية غرضها تدريس اللغة العربية في معاهد اللغات الأجنبية في كل من بكين وشنغهاي .

في رحلته الأولى التي أستمرت أربع سنوات غادر الصين بعد قيام الثورة الثقافية هناك وخلال وجوده في الصين عكف على دراسة اللغة الصينية وتفهمها عن طريق السماع والأختلاط والدراسة .

ووضع نتيجة ذلك قاموس صيني / عربي وهو أول قاموس في هذا الأطار وكانت طريقته في أستخدام هذا القاموس يقوم على مساعدة الناطقين باللغة العربية على نطق المقاطع الصينية مــن خلال حروف تكون مشابهة للأصوات الصينية ، حيث جعل على سبيل المثال أربع نقاط لحرف النون في حالة أشباع هذا الحرف بشكل واسع وثلاث نقاط في حالة أخرى ونقطتين وهكذا جرى العمل على حروف أخرى .

ولكن هذا القاموس لم ير النور حيث تعرضت السفينة التي تقله وتحمل أمتعته إلى الغرق . فضاع مع ما أستجمع لديه من كتب وأوراق ضمت أصولا ً لكتب ومقالات مع ما تراكم لديه من أمتعة ، حيث تسرب

اليها الماء في مستودع الباخرة ماحيا ً كل ما كتب فكان ذلك الحادث فاجعة حقيقية لا للشيخ الحنفي وحده وأنما للطلبة الصينيين الذين كانوا ينتظرون طبع ذلك القاموس في صيغته النهائية بعد أن صرف فيه الحنفي قرابة سبع سنوات من البحث والمتابعة والتدقيق وصولا ً إلى وضع المعنى الصحيح . ولم ينقذ من ذلك القاموس سوى شيء يسير وهو موجود حاليا ً في مكتبة بيته الخاصة . واكتفى فيما بعد بوضع نموذج مصغر له لكي يكون دليلا ً للآخرين ولم يتمكن من أعادته لصعوبة الأمر .

وقـــد سرد الحنفي قصة هذا القاموس في مقالة له عنوانها « الخط الصيني ومحاولة كتابته بالخط العربي « إذ ذكر قائلا ً « وقد هممت يوم كنت في الصين أن أقحم الحرف العربي بشكله المعروف في

الكتابة الصينية»وأضاف قائلا ً»حيث إشتغلت بهذه المهمة زمنا ً غير قصير راجعت دور مسابك الحروف في بيروت ولبنان لأضع الحروف المتممة في الة الطابعة التي امتلكها.وان تلك المسابك طلبت من المال القدر الكبير الذي لا أملكه».وحتى يحصل على دعم مالي لأتمام مشروعه راجع شركة كولبنكيان « لتساعدني ماليا ً على هذا الجهد فأعتذرت بان ذلك ليس من أختصاصها،وراجعت الدولة العراقية فوعدت بوعود تعد إلى آمال جد بعيدة،وأخيرا ً غرقت الباخرة التي تحمل صناديق المعجم واتلفت مادته المخبوءة فيها وضعفت قوة الأبصار في عيني كذلك فتوقف الأمروالتقطت المسودات من البحر وعـدت بخفي حنين ولرب راج ٍحيل دون رجائه ومؤمل ذهبت به الآمال « .

وعـلـى الرغم من ذلك فقد بقي أسمه يكتسب شهرة بين دارسي العربية من الصينيين ولم يكن يزعجه منهم تحويل ( الحاء ) إلى ( خاء ) عند تلفظ كنيته ( الحنفي ) بل كان يقابل هذه التسمية بأبتسامة كبيرة.

عن رسالة (جلال الحنفي وأثره الثقافي في المجتمع العراقي)