ميرلو بونتي .. ظاهراتية الإدراك الحسي

ميرلو بونتي .. ظاهراتية الإدراك الحسي

ماري- ان ليسكورييه

ترجمة: الدكتور حسيب الياس حديد

فيلسوف فرنسي ولد في روشفور عام 1908 وتوفي في باريس عام 1961 ، يعد من المشيعين بالظاهراتية الهيجلية والهوسريلية . تحتل نتاجاته الفلسفية مكانة مرموقة في التيار الوجودي المعاصر . اشترك مع جون بول سارتر بإصدار نشرة بعنوان “ الأزمنة الحديثة “ ، كانت له نظرية جديدة للرؤية تتمحور في أن خاصية الظاهر تكمن فيما يخفيه الباطن . من أشهر مؤلفاته “ بنية السلوك “ 1942 ، “ ظاهراتية الإدراك الحسي “ 1945 ، “ الظاهر والباطن “ 1964 .

في عام 1949 ، كان ميرلو بونتي قد بلغ الحادية والأربعين من العمر ، ترك وراءه وقتئذٍ “ بنية السلوك “ و “ ظاهراتية الإدراك الحسي “ ، وفي عام 1945 كان قد منح شهادة دكتوراه دولة في هذين المؤلفين ومنح على إثرها مقعداً في جامعة ليون . وبعد قضائه أربع سنوات في الرون ، عاد ميرلو بونتي إلى باريس حيث مكث ثلاث سنوات حاملاً لقب أستاذ علم النفس وطرق التدريس في السوربون ثم التحق بـ “ كوليج دو فرانس “ منذ عام 1952 وحتى تاريخ وفاته عام 1961 .

وتعد محاضراته التي ألقاها في “ كوليج دو فرانس “ معروفة لدى المتتبعين كما يمكن اقتفاء أثرها من خلال الملاحظات التي جمعها ونشرها كلود لوفورت عام 1968 (غاليمار) ولكن النقص الموجود في سلسلة محاضراته يكمن في تلك التي ألقاها خلال السنوات 1949-1952 إلا أنه تمت تغطيتها جزئياً من قبل طبعة “ سينارا “ التي تضمنت ملخصاً لتلكم المحاضرات بعنوان “ ملاحظات في السوربون “ . وأكد عدد من طلابه على ما جاء في تلك المحاضرات بعد اطلاعهم عليها ومنهم باربييه ماري - كلود يوجانيا وشامو ميشلين وكتبت أسماؤهم لدى الناشر . ومن الجدير بالذكر أن كتاباته عن الظاهراتية كانت عظيمة بالنسبة له وقد اتخذ من هوسريل مثلاً أعلى يحتذى به ، أما النظرية الجشتلطية فهي ركيزته واتخذ من الفلسفة أساساً راسخاً للرد وكذلك اعتماد التشويق والتجارب الماضية التي تتجاوز المعرفة الحقيقية كمنهج ثابت وهذه مسألة جديدة لاكتشاف طريقة جديدة للمعرفة بحيث لا تنفصل عن التجربة التي تبقى الفلسفة صفة ملازمة لها ، ثم العمل على اختبار رابع المستحيلات الذي يبقى دائماً مشكلة للفلسفة والوصول إلى جوهر الأمور ابتداءً من التجربة الكاملة للوجود .

وعلى الرغم من وجود المعوقات التي تعرقل البحث عن جوهر الأمور ، فإن ذلك يتزامن مع النفسانية - النزعة النفسانية في التفسير - (التي تهتم بالحالات المتعاقبة للضمير والنزعة المنطقية التي تحتقر كل ما هو خرافي) والتجريبية التي لا يمكن أن تنطلق إلا من الارتيابية الجوهرية ، لا بل حتى الكوجيتو التي لا تعرف إلا نفسها ، وقد عمل ميرلو بونتي جاهداً لمعرفة المزيد فزجّ نفسه بالبحث لدى من درس “ الانسان في الكون منهم المتخصصون في علم النفس “ والتحليل النفسي والاقتصاد ، والاجتماع ، واللغة مما حدا به وضع علم البعض تحت تجربة علم الآخرين . فعلما النفس والاجتماع لا يمكن أن يقتصر الأول على الثاني كما لا يمكن أن يتنافيا ثم عمد ميرلو بونتي الدفاع عن الإدراك الواضح للتحليل النفسي وعلم الاجتماع اللذين يصبان في تيار فكري واحد ألا وهو التيار الأمريكي المتمثل بالحضارة .

يعد ميرلو بونتي أستاذا كبيراً إذ درس فكر الآخرين في مجالات شتى منها النقد واللغة وكذلك المواضيع المتعلقة بالنظرية الجشتلطية . ومن الأهمية بمكان أن نذكر أنه استقى مصادره من كاردنر وكوهلر ، اما في المواضيع اللغوية فقد اعتمد على ساسور وجاكوبسون وبياجيه فضلاً عن المراسلات بين هوسريل وفريك وكذلك كتاب جلبرت رايل بعنوان “ مفهوم العقل “ الذي صدر في حينه .

ولابد من الإشارة إلى ان ميرلو بونتي لم يتوقف عن هجومه ضد الدوغماتية وكذلك العلوم المنغلقة على نفسها . ويعتقد أن حيّز الفلسفة ليس في الأزل وإنما في التاريخ الذي يمكن التفكير فيه والمدرك والقصدي والديالكتيكي الذي يقدم نظاماً ومعنىً في نفس الوقت . وقد كشف ميرلو بونتي عن نفسه من خلال النصوص التي قدمها وعمل على تطوير المعرفة المتعلقة بظاهراتية الإدراك الحسي ، وذهب بعيداً في جملة التساؤلات التي عرضها في كتابه الأخير الذي رحل عن الدنيا ولم يكمله وتتضمن هذه التساؤلات المفاهيم التقليدية للفلسفة والكوجيتو والإدراك والجوهر والوجود . كما أنه صهر في كتابه الأخير وبصورة فريدة النقيضين التقليديين “ الظاهر والباطن « .

عن مجلة نوفيل اوبزرفاتور الفرنسية