مع الدكتور عماد عبد السلام رؤوف..الأمة التي تجهل تأريخها أمة بلا هوية

مع الدكتور عماد عبد السلام رؤوف..الأمة التي تجهل تأريخها أمة بلا هوية

  لقاء: طارق كاريزي

قد نختلف في نظرتنا للتأريخ، هنالك أمم تنظر الى التاريخ نظرة تقديس تجعله غير فاعل في حاضرها. فيما توجد أمم اخرى تستلهم التاريخ وتحوله الى عبر ودورس لتفعيل الحاضر وضمان مستقبل مشرق وباهر. ربما نختلف في رؤانا للتأريخ وحضوره في حاضرنا.

الدكتور عماد عبد السلام رؤوف بوصفه مختصاً بالتاريخ له آراء ثابتة في هذا المجال، ويبرر ما يراه صحيحاً وفق منطق اكاديمي. التاريخ وتداخله مع الحضارة ومكانة الأمم وقضايا اخرى كانت محاور لقاء لنا معه:

* لماذا تهتم الشعوب بالتاريخ واهميته بالنسبة لهم؟

- تتأكد أهمية التاريخ في حياة الشعوب من خلال تقديمه صورة الجذور التي ينتمي إليها ذلك الشعب، فالتاريخ يمثل الهوية لكل شعب، إذ حينما تختل المفاهيم لا يبقى غير التأريخ هوية ثابتة لشعب من الشعوب. والأمة التي تجهل تأريخها، أمة بلا هوية، ومن لا هوية له، يمكن ان يقع ضحية الآخرين، ويسقط تحت تأثير التحديات المستمرة، وربما اختلت قناعاته وسلك مسلكاً يضر بمصالحه الوطنية والقومية.

* هنالك أمم لها تأريخ عظيم ومشرق إلا أنها تعيش حاضراً هامشياً لا اسهام لها في الحضارة المعاصرة، فما فائدة التاريخ المشرق في حاضر مثل هذه الأمم؟

اجابنا: التأريخ لا يمثل بالضرورة حافزاً لأمة ما لكي تنهض بواقعها، ربما كان العكس صحيحاً ايضاً، فيكون التأريخ عبئاًً على هذه الأمة، يعيق حركتها ويضيق عليها سبلها في التقدم. وفي هذه الحالة يكون التاريخ متكئاً تتكئ عليه وتجتر ما قدمته من انجازات ماضية، وربما خلق هذا في نفسها قناعة بأنها أدت الكثير وان هذا الكثير يكفيها مجداً وأهمية، دون ان توظف التاريخ توظيفاً حسناً بحيث تضيف إليه ما يكمله وما يمتد به الى واقعها الذي تعيشه، فحينما تتوقف الأمة عن ملاحقة التقدم ومسيرة الامم الأخرى تتخلف وتتأخر، وعند ذاك لا يكون في جوفها سوى تراثاً ماضياً.

والتأريخ إذا وظف توظيفاً جيداً كان قوة دافعة وهوية ثابتة تدفع الأمة الى الأمام، وإن وظف على غير ذلك النحو، سيكون عبئاً عليها، لأنه سيقدم شيئاً زائفاً، وربما خادعاً لها، كما فعلت أمم كثيرة تغنت بماضيها فنسيت حاضرها.

* ألا ترى أن أمة العرب أصبحت أسيرة التأريخ التليد لها، وسلّمت حلمها المستقبلي لهذا التأريخ؟

أوضح الدكتور عماد: هذا صحيح الى حد ما، وغير صحيح الى حد ما، كيف؟ لقد انبعثت النهضة العربية في القرن التاسع عشر من خلال محاولة النُخب المثقفة الاقتداء بالقمم البارزة من أعلام الأمة في العهود السابقة. وفي نهاية العهد العثماني كان الإعجاب بالماضي الزاهر دافعاً للعرب للنهوض كونهم ورثة حضارة ذلك الماضي، وأن هذا يعطيهم الأحقية في أن يستعيدوا هذه الحضارة ويعيدوا الحياة لها. وقد تحقق هذا من خلال خروجهم على المفاهيم الرجعية للعهد العثماني وكسرهم الجمود الذي ساد ذلك العصر. بل جعلهم يشعرون بذاتهم المتميزة عن المناخ الثقافي التقليدي السائد الذي كان لا يقوم على أساس قومي، وحينما جرى الاعتراف بهذا المناخ، في أخريات القرن التاسع عشر، فانه اقتصر على القومية التركية وحدها، وهو ما تمثل بسياسة التتريك، وهكذا فأن التأريخ كان باعثاً على اكتشاف الهوية وتحقيق النمو الثقافي والسياسي في حينه. إنما الذي حدث بعد ذلك، ان هذه النخب العربية اكتفت بهذا الماضي بدلاً من ان تزيد عليه، بل أنها تغنت به دون ان تتجاوزه. وبذلك فإنها أصبحت- غالباً- أسيرة التأريخ لا صانعة له، ومن ثم اصبح التأريخ قيداً يحول بشكل من الاشكال دون شعور الشعوب بانها بحاجة الى غذاء جديد، متصورة أن هذا الغذاء الذي أعدته الأجيال السابقة يكفيها ويغنيها، مع أن متطلبات العصر كانت تقتضي بأن يكون ثمة تفاعل مع هذا الماضي، وليس تقديسه والاعجاب به فحسب. فمن دون هذا التفاعل يصبح التاريخ قيداً يحول دون أن يستمر الانسان في نهضته وتقدمه. ويمكننا القول إذن أنه في القرن التاسع عشر كان التأريخ حافزاً، فيما تحول تالياً الى محراب يوقد فيه البخور، ففقد الإنسان القدرة على التفاعل مع هذا الماضي ولم يضف إليه شيئاً.

* عن السبيل الى توظيف التاريخ وكيفية ذلك قال: هذا السؤال كان موضع نقاش وحوارات كثيرة جرت بين المفكرين. ما هو موقفنا من التأريخ؟ كيف يمكن ان نتفاعل معه؟ وفي تقديري أن التراث، هو ما تركته الأجيال السابقة من الأمة لنا، إلا أنه إن لم يُفكّك تفكيكاً حياً وعلمياً، ويُعاد تركيبه من جديد، سيبقى خارجاً عنا، ومجرد تحفة جميلة نتغنى بجمالها. والتراث يفترض ان يفكك بمعنى ان ننفذ الى روحه الكامنة، كالذرة حينما تفككها تنبعث منها طاقة هائلة، لكنك إذا لم تفعل، ستبقى ثابتة على حالها الى يوم الدين. على هذا الجيل ان ينظر الى التراث والتاريخ نظرة تنفذ الى اعماقه، تستطيع ان تحرك ما هو ثابت وما هو راكد منه وان تفكيك كتلته لكي تعيد استخدامها في حياتها المعاصرة، هو السبيل الوحيد بتقديري الى ان نأخذ من التراث روحه لا شكله، وإلاّ فإن شكل كل شيء الآن هو افضل مما كان.

* ألا ترى هنا أن الروح كلمة هُلامية، كيف نعرّف روح التأريخ؟

اجاب الدكتور عماد: هذا ايضاً كان موضع اهتمام فلاسفة التأريخ، وقد استقر لدى فريق منهم ان التجربة التأريخية هي روحية ومادية في آن واحد. الجزء المادي ينتهي بانتهاء ظروفه، لكن يبقى الجانب الروحي، أي جوهر التجربة الكامن وراء شكلها.

* ما المقصود من الجوهر؟ أليست هي كذلك غير محددة؟

- ما يمكن ان تنبعث منه طاقة في داخل هذه التجربة، ولا يمكن أن تنبعث الطاقة إلاّ من روح أو من جوهر، أما الشكل فزائل، فالحضارة العباسية زالت، لكن هنالك في داخل تلك الحضارة أشياء إن استطعت ان تفهمها جيداً ستبعث في داخلك طاقة دافعة، هذه الطاقة هي الروح، ليس بالمعنى الديني، لكن بالتعريف الدقيق: كل شيء يمكن ان يبعث فيك من هذا التأريخ طاقة يمكن ان توجهك الى الأمام، وتشكل دافعاً للعمل والعطاء، فالشكل خامد ولا أهمية له، وإنما العبرة تكمن في المنظومة القِيَمية التي تقدر العلم وتبعث على العمل.

عن مجلة الصوت الاخر