في مشروع تكسية شواطيء نهر دجلة في بغداد..العثور على آثار المدينة المدورة

في مشروع تكسية شواطيء نهر دجلة في بغداد..العثور على آثار المدينة المدورة

د . عماد عبد السلام رؤوف

دعوت غير مرة فيما حاضرتُ وكتبتُ إلى أن تقوم الجهات الآثارية بجهد خاصٍّ لاكتشاف موقع مدينة المنصور أو “المدينة المدوَّرة”، كما صارت تسمَّى من بعد، من ذلك مثلًا أني كتبت في جريدة الاتحاد التي يُصدرها اتحاد الصناعات العراقي سنة 1998م - مقالًا عن هذا الموضوع بعنوان: “أين مدينة المنصور؟”، أكدتُ فيه هذه الدعوة، وقلت:

“لقد شاءت العناية الإلهية أن تُبقي على مساحة كبيرة من الأرض التي كانت تقوم عليها مدينة المنصور خالية من البناء حتى اليوم، ومِن ثَم ليس مستحيلًا في عراقٍ لم يعرف المستحيل قطُّ أن توظَّف الجهود العلميَّة، وتوفر الإمكانات الفنية، للقيام بحملة مكثفة وطويلة النفس، للبحث عن أسس المدينة المدورة، أو عن أيٍّ من مرافقها التليدة، وإننا على يقين بأن الأجيال المُقبلة ستذكر لأبناء هذا الجيل بكلِّ فخر أنه هو الذي نفض التراب عن مدينة الأجداد عبر القرون، وأنقذ رمز بغداد الخالدة من مطاوي النسيان، وأكد مرة أخرى نُبلَ إحساسه بالماضي، ووفائه لبُناة حضارته روَّاد العالم في تلك العصور”، وكان مما قلته أيضًا: “إذا ما علِمنا أن المدينة بأسوارها الدائرية ومركزها المتوسط، تتخذ شكلًا هندسيًّا منتظمًا، فإنه يصبح ممكنًا - إذا تَم العثور على أي جزء منها - رسمُ سائر حدودها، ومعرفة شكلها على نحو يطابق ما كانت عليه، أو قريب منه في الأقل، وأعتقد أن اكتشافًا كهذا سيكون له شأن - وأي شأن! - في العالم كله».

ولم تكن “الجهات المعنية” معنيةً بالأمر، فلم تحرِّكْ ساكنًا، ولكن الصدفة - والصدفة وحدها - كانت وراء اكتشاف ما أخفتْه القرون تحت أديم هذه الأرض من أسرار، وما اختبأ بين عروق نخيلها وشاطئها وصخورها، من عجائب الماضي وغرائبه التي طواها النسيان.

بدأت أمانة بغداد بمشروعها بتكسية شواطئ بغداد بالحجر، سنة 1999 - 2000م، وكانت ثمة بعثة آثارية مكلَّفة بإجراء مسوحات آثارية سريعة عند ضفاف دجلة قبل كِسوته بتلك المادة، علَّها تجد قبل أن تَجثِمُ الصخور على صدر تلك الضفاف، ما يُعنى به الباحثون عادةً من آثار قديمة أيًّا كان عصرها ونوعها، وفجأة تصايح أعضاء البعثة متعجبين حينما لاحظوا أن الجرافات العملاقة التي كانت تعمل في هذا المكان، قد اصطدمت بشيء صلب قد استقرَّت أُسسه في أسفل الشاطئ، إنها أُسس بناء إذًا، وهو بناء بالغ القِدم؛ لأنه يقبع في أعماق الأرض، ولأن هذا البناء كان يختفي وراء أكوام من الأتربة والطمي والأنقاض التي تخلَّفت عن العصور المتعاقبة التالية، فقد جرى رفع ذلك الركام بالجرافات ذاتها، وأخذت ملامح الأعماق تتجلَّى رويدًا رويدًا، وإذا بالأنظار تَشخَص إلى جدار أثري مغمور بالماء دلَّ على وجود استيطان أثري قديم، فما كان من رئيسة البعثة الآثارية إلا أن اتصلت على الهيئة العامة للآثار مخبرةً إياها بالمعلومات المهمة التي تكشَّفت لها، وقد وافقت الهيئة على العمل فورًا في هذه النقطة من أعمال الكَسْو، فباشرت البعثة في أعمالها، بعد أن أوقفت الشركة التي كانت تقوم بأعمال الكَسْو عن العمل، وتَم تخصيص مبلغ من المال؛ لكي تُجري البعثة التنقيب في المنطقة.

وما إن باشرت البعثة بالعمل حتى أخذت الأرض تُحدِّث أسرارها، وتكشف عن خفايا ما استقر في رحمها، فقد عُثر - وقد وصل الحفر إلى عمق نحو ستة أمتار - على لَقًى أثرية مُتحفية جميلة جدًّا من القوارير المصنوعة على وَفق تقنية عالية راقية، وهي من الزجاج الرقيق المُموَّه بالمينا، وبعضها صغير جدًّا كانت تُحفظ فيها العطور النفيسة لتوضع في طيَّات عمائم الطبقات المترفة، وهو ما عُرف عن الخلفاء العباسيين خاصة. وعُثِر أيضًا على أوانٍ مطلية بطلاء أصفر اللون، تبيَّن للمعنيين أنه الزعفران، كما عُثِر على نماذج كثيرة من الكِسَر الفخارية المزخرفة بالزخارف المُحزَّزة، وجِرار متنوعة لكنها ذات طينة جيدة جدًّا، ورقيقة جدًّا، وبعضها مُزخرف بزخارف نباتية وهندسية تَنُمُّ عن الذوق الرفيع لصانعيها، ولمن قُدِّمت إليه من أهل الدولة والسلطان عهد ذاك. وربما كان أجمل ما تَم العثور عليه قنينة عطر من الزجاج الرقيق جدًّا، ارتفاعها سنتيمتران، ملونة بألوان زاهية، وعلى بَدَنها زخارف هندسية جميلة، وبعض هذه الزخارف يصعب رؤيته بالعين المجردة.

ومع مُضي أعمال التنقيب تكشَّفت أسرار أخرى، ففي بعض زوايا المكان تم العثور على مجموعة من المسكوكات، منها العُملة التي كانت تعرف بالدوانيق التي اشتَهر بها الخليفة المنصور مؤسس بغداد، حتى عُرِف بالدوانيقي، وقيل: إنه كان يتخذها وسيلة لدفع أجور العُمَّال الذين عمِلوا في بناء مدينته، كما وُجِدت نقود معدنية أخرى ترقى إلى عهود سابقة على تأسيس المدينة؛ أي: إلى الحِقبة المبكرة من التاريخ الإسلامي، من بينها مسكوكة تعود إلى زمن الخليفة هشام بن عبدالملك، وهي واحدة من العملات التي كانت تُستخدم في الدولة الإسلامية قبل تأسيس الدولة العباسية وقيامها بضرب النقود باسمها.

وكانت مفاجأة سارة فعلًا حينما عثَر المنقبون على مسكوكة نادرة مؤرخة في سنة 157هـ، وعليها كتابة تشير إلى أنها ضُربت في مدينة السلام، وتحمل اسم الخليفة التي ضُربِت في عهده، واسمه (عبدالله بن محمد)، وهما الاسمان الأولان للخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، كما جرى العثور على قطعة من الفخار دائرية الشكل حُفِرت عليها مجموعة من الأشكال الهندسية عددها (15) شكلًا بيضويًّا ومربعًا ومستطيلًا ودائريًّا، وفي داخل كلِّ شكل هندسيٍّ عبارة مكتوبة بخط دقيق جدًّا لا يُرى بالعين المجردة، وبالخط الكوفي البسيط الذي كان شائع الاستعمال في القرنين الأَوَّلين للإسلام، يتضمن اسم (عبدالله بن محمد)، وهو اسم الخليفة المنصور كما ذكرنا، ويوجد داخل كلِّ شكل هندسي عبارة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، و(بسم الله الرحمن الرحيم)، و(الله أكبر)، وهذا القرص الدائري جُمعت فيه أختامُ الخليفة المنصور كلُّها، وربما رسائله الخاصة، ومن الراجح أنها جُمِعت؛ لكي يَصعُبَ تزويرُ أختام الخليفة.

إذًا، نحن أمام أقدم بناء يُعثر عليه في بغداد يحمل في طيَّاته أثرَ الخلافة العباسية، فمن المعروف أن الخليفة المنصور تولى الخلافة سنة 136، وتوفِّي سنة 158 هجرية، واتَّخذ في السنين الأولى من حكمه مدينة الهاشمية الواقعة في جوار الكوفة عاصمةً له، إلا أن ثورة الراوندية عليه في سنة 140هجرية، وأسبابًا أخرى جعلته يَنفِر من الهاشمية، فاختار موضعًا كان قريبًا من سوق محلية صغيرة عند جانب دجلة الغربي، كان يُعرف بسوق بغداد، ليُؤسِّس في مكان غير بعيد عنه مدينة جديدة ستكون عاصمة الدنيا الإسلامية خلال وقت قصير، ولتَلبث قُبةً للإسلام، ومنارةً مُشعة للحضارة، يعمُّ خيرُها العالمَ كلَّه لعدة قرون، وكان واضحًا أن المكان ظلَّ مأهولًا حتى ما بعد عصر هذا الخليفة، فقد وُجِدت فيه مسكوكات أخرى في الموضع نفسه، تعود إلى فترة تالية، قريبة من عصر المنصور، منها مسكوكة مؤرخة في سنة 166 للهجرة، ضُربت في خلافة الخليفة المهدي بن المنصور.

وحينما مضت أعمال الحفر ورفع الأنقاض عن أسس البناء القريبة من النهر، تكشفت للبعثة الأسس الضخمة لجزء من البناء، فإذا به بقايا قاعة كبيرة، مُزيَّنة بلون ذهبي، وتشبه أن تكون قاعة عرش في قصر بالغ الروعة والضخامة. 

نحن إذًا هنا أمام قصر فخم شُيِّد في عهد المنصور؛ أي: في عهد تأسيس بغداد نفسها، ولكن يبقى السؤال المحيِّر الذي أثار نقاشًا علميًّا في حينه: أي قصرٍ هو من بين قصور المنصور التي أنشأها في داخل مدينته المدورة وفي ضواحيها؟ والسؤال يكتسب أهميته من الناحية الخُططية؛ من حيث إن تعيين حقيقة القصر سيؤدي إلى تعيين كثيرٍ من المواقع المندثرة التي وردت أوصافُها في كتب التاريخ، ونجهل اليوم معالمها؛ بسبب عدم وجود إحداثيات خططية تعين الباحث على تعيين مواقعها في أرض تبدَّلت وظائفها وطبيعتها مرات عدة.وجاءت الحفريات على العُجالة التي جرت بها، لتقدم الدليل الواضح الذي لا يقبل الشكَّ على أن هذا القصر ليس إلا قصر المنصور الرئيس، ومقر حكمه الرسمي الذي كان يتوسَّط المدينة المدورة، مدينة السلام تمامًا، وهو القصر الذي عُرف في التاريخ العباسي بقصر “باب الذهب”.

لقد كان يمكن لهذا الاكتشاف أن يكون اكتشافَ القرن، ليس على مستوى العراق فحسب، وإنما على مستوى الإنسانية كلِّها، فليس قليلًا على الإطلاق أن يجري اكتشاف اللبنة الأولى في مدينة اقترن اسمها بالحضارة والثقافة والنظم والإدارة لخمسة قرون عاشتها يوم كانت بغداد عاصمة الخلافة العباسية، ولقرون ثمانية تالية، تقلَّبت فيها بغداد بين مختلف الظروف، وتحدَّت فيها كل أنواع الكوارث البشرية والطبيعية، لتُثبت للعالم وبجدارة أنها الأقدر على مواجهة أقسى التحديات وأعتاها.

وكان مؤملًا في تقدير الباحثين والخططيين أن تستمر دائرة الآثار بالعمل من أجل إتمام ما بدأت بعثتها التنقيبية من كشوف مذهلة، إلا أن مفاجأة غريبة خيبَّت الظنون وأحبطت الآمال، فقد أوقف المعنيون في هذه الدائرة أعمال البعثة على نحو مفاجئ مثير للريبة، وجرى لَوم بعض أعضائها ممن صرَّح للصحافة بما جرى الكشف عنه، وحينما أخذ خبر الاكتشاف بالذيوع في الأوساط العلمية، وارتفع معه صوتها بالتساؤل المشروع عن الأسباب الكامنة وراء إيقاف العمل، ومسوغات إحاطة الاكتشاف بكل هذا الصمت، اضطر المعنيون في دائرة الآثار يومها إلى تحريك “شَفلاتهم” ليس من أجل المضي في الحفر هذه المرة، ولكن من أجل إهالة أطنان الأتربة على ما جرى اكتشافه، وهكذا تم دفن ما قدَّر الله ظهوره، وتوقف المعنيون عن الإدلاء بأي تصريح عن سبب ذلك التصرف العجيب الذي يخالف قانون الآثار الذي يدعو إلى التنقيب عن الآثار وإبرازها والعناية بها، والمحافظة عليها بمختلف الوسائل العلمية والفنية.

وحينما نشرت إحدى المجلات الأسبوعية مقالًا تساءل فيه صاحبه عن أسباب دفن القصر ذي الأهمية التاريخية والإنسانية الفريدة، كان ردُّ الدائرة المعنية - ويا للغرابة - بأن ذلك التصرف هو من حقِّها، وأن دفن الحُفر الناجمة عن التنقيب، يحمي المنطقة من خطر تكاثر البعوض والذباب، فما أعجبه من سبب لدفن ما سماه الباحثون باكتشاف القرن الواحد والعشرين! وبالطبع فإن السبب المعلن لم يقنع أحدًا على الإطلاق، بل دفع آخرين بالتهامس عن حقائق أكثر إقناعًا مما قيل.

عن ( مجموع تاريخي لبغداد ) مطبوع على الآلة الكاتبة بتصرف.