حوار مع العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله الشاعر والمثقف ورجل الدين

حوار مع العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله الشاعر والمثقف ورجل الدين

اسماعيل فقيه

تعود وقائع هذا الحوار الى العام 1990، حيث التقيت بالراحل الكبير في منزله في حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت. العلّامة السيّد محمد حسين فضل الله، معروف لدى الكثيرين باهتماماته الروحيّة والفكريّة، في الدين والسياسة،

حتى طغى هذا الجانب من شخصيّته على كونه، إلى ذلك، صاحب تجربة مميّزة في الشّعر، يخوضها محصّنةً بثقافة واسعة، ليعبِّر بها عمّا يحتمل من وجدان المفكّر الملتزم في مواجهة ما يكتنف الواقع المتغيّر من جديد مجهول، فالشّاعر الملتزم لا يفصل الشّعر عن الهمّ المعرفي، كما لا يفصله عن اليقين الإيماني، فيغوص في المجهول وسريّة الأشياء، لتحقيق المزيد من الوصول إلى أعماق النّفس، حيث مواجهة القلق الفكري تتكلّل بعد جهد، بل جهاد التّجربة الشعريّة، كوجه من جهاد النفس بالطمأنينة المستعادة تباعاً.

للعلّامة الشاعر محمد حسين فضل الله مجموعتان شعريّتان؛ الأولى قديمة بعنوان “قصائد في الحبّ والحياة”، والثانية أقرب عهداً، صدرت في طبعتها الأولى منذ 14 عاماً، بعنوان “يا ظلال الإسلام”، وهي مجموعة كبيرة من الرّباعيات الشعرية المقسّمة إلى فصول، ويقول الشاعر في مقدّمتها إنها “مشروع ملحمة إسلاميّة”.

حول الشّعر والتجربة الشعريّة، كان هذا اللّقاء مع السيّد فضل الله، وانطلاقاً من الشّعر وتجربته، تطرّق الحديث إلى قضايا أخرى تلازم أغراض الشّعر، قديمه وحديثه، وتتّصل بالفكر والأسرار المحتشدة على مداخل العقل والحيرة.

وكان السؤال الأوّل طرقاً مباشراً على أبواب الشّاعر في محاولة للدّخول إلى عالمه.

السيّد الشّاعر

 نبدأ بسؤال مباشر،كيف يرى السيّد محمد حسين فضل الله نفسه كشاعر؟

لم تكن ولادة الشّعر في حياتي منطلقة من حالة فنيّة تتكلّف الجوّ، بل كانت منطلقة من حالة عفويّة عاشت الإحساس بالأجواء الشعريّة بشكل ضبابي ورْدِي غامض، بحيث إنّني لم أشعر إلا وأنا أعيش هذا الجوّ كما لو كنت قد دفعت إليه دفعاً.. كنت أعيش الإحساس بالمعاني والأجواء الشعريّة بشكل غامض، لأنّني كنت طفلاً آنذاك، كنت في العاشرة من عمري عندما بدأت الشّعر بشكل عفوي، ثم تحرّكت التجربة في خطّ المعاناة، فقد كنت أعيش في النّجف، البلد الذي يجلس على كتف الصّحراء، ويعيش بعض ملامح الخضرة من خلال جدول يمتدّ من الفرات، وينطلق من التاريخ السّحيق ليعيش في أجواء القداسة من خلال مرقد الإمام عليّ (ع)، وليعيش الأجواء التاريخيّة من خلال الحوزة العلميّة التي ترقى إلى ألف سنة، والتي عاشت الأجواء الشعريّة الأدبيّة بنفس العمق والقوّة والامتداد التي عاش فيها الفقه الإسلامي.

ولذلك، فقد عشت في النجف التي ولدت فيها وأنا أسمع قصائد محمد سعيد الحبوبي، وقصائد محمد مهدي الجواهري، وعلي الشّرقي، وكنت أطلّ آنذاك على ما يصل إلينا من قصائد الشّعراء اللّبنانيّين، كبشارة الخوري ـ الأخطل الصّغير ـ الّذي تأثّرت به كثيراً، والياس أبو شبكة، وكثير من الشّعراء، وكنت أقرأ الشّعر النّثر لجبران خليل جبران، الذي تأثّرت به كثيراً…

وكانت المعاناة الروحيّة التي تتطلّع في بعض الحالات في أجواء صوفيّة، إلى جانب المعاناة السياسيّة التي كنا نعيش فيها القهر السياسي مع كلّ الفئات الشعبيّة، وكنا نتطلّع إلى الأجواء العامّة من خلال القضيّة الفلسطينيّة التي تأثّرنا بها في بدايات نموّنا الفكري والشعري، وكانت هناك بعض الأجواء الذاتية الوحدانيّة التي لم تصل إلى حدّ التجربة، وإنما كانت تعيش في أجواء التصوّر وأجواء الخيال، في الوقت الذي كانت هناك وجدانيّات نفسية عميقة تعيش من خلال بعض حالات البؤس، أو حالات الضّيق النفسيّ، من خلال حصار البيئة والمحيط للتطلّعات التي كنا نعيشها، ما خلق بعض الحالات التشاؤميّة.

إنني عندما أريد أن أواجه هذا السؤال، قد لا أستطيع أن أدخل في عمليّة تقويم دقيق للإنسان الشّاعر الذي أتمثله في نفسي، لأن من الصعب جداً أن تحكم على تجربتك بطريقة منفتحة، باعتبار أنني لم أتكلف التجربة، ولم أحاول أن أعيش وعيها الفني، بل كنت أعيشها كحالة يوميّة تنطلق مع الجوّ، ليكون الشّعر هو نتاج ذلك.

ربما لا أستطيع أن أقوّم نفسي كشاعر في درجة كبيرة جداً، لكنّني أستطيع أن أقول إنّني كنت صادقاً في كلّ ما قلت.

بين الكلاسيكيّة والحداثة

 ما زلت تكتب الشعر الكلاسيكي في زمن التحوّلات الدراماتيكية في مسيرة الشّعر العربي، ماذا عن علاقتك بالشّعر الكلاسيكي والشّعر الحديث؟

من الطبيعي أنّني تأثّرت بموسيقى الشعر بالطريقة الكلاسيكيّة للشعر، أي الشعر العمودي، لكنني كنت أعيش بعض التجارب التي لا تبتعد عن الشّعر الحرّ، حيث كنت وبعض أصدقائي من الشّعراء في العراق، نحاول أن نقوم ببعض التّجارب الشعريّة في ما يسمّى بالشّعر الحرّ، بالطّريقة التي قد تكون وسطاً بين الشّعر الحرّ الذي نقرأه في بعض تجاربه التي قد تخلو من الموسيقى تماماً، وبعض نماذج الشّعر العمودي.. فأذكر أنّني عندما انطلقت الانتفاضة العراقيّة في سنة 58، كتبت قصيدة بعنوان “أيّ ثورة”، أحفظ منها بعض الأبيات التي تقول:

أيّ ثورة!

فجّر الشعب بها للشّرق ذاته

ووعى فيها حياته

مثلما ينكسب النّور على الدّنيا الكئيبة

مثلما ينطلق الينبوع في الأرض الجديبة

فإذا بالأفق أعراس وأحلام خضيبة

وإذا بالقفر واحات وأفياء رحيبة

أيّ ثورة!

إنّه الشّعب أتى

يحمل آلاف السّنابل

وبكفّيه المناجل

إنّه الشّعب الذي كان يعيش الأغنية

عالماً حيّاً ودنيا موحية

وصدى يلهب روح التّضحية

شعبنا هذا الذي عانى وقاسى وتألم

في سبيل الكلمة

إنّه عاد لتحيا الكلمة

حرّة يبدع فيها حلمه

فافتحوا الدّرب له

للعبقريّات الدّفينة

إنّه يحمل في عينيه عزماً لن يخونه

إنّه يحمل تاريخ الرّسالات الأمينة

إنّه قد يلعق الجرح

وقد ينسى أنينه

قد يغني ريثما يملأ بالدّمع عيونه

فيقولون مضى الشّرق ومات

في ضباب الأغنيات

غير أنّ الشّرق لن ينسى شجونه…

لذلك، كانت هناك عدّة تجارب للشّعر الحرّ، وكنت أفكّر أنَّ التجارب الرائدة التي قام بها بدر شاكر السيّاب، الذي أعتقد أنّه لا يزال يمثّل القمة في الشّعر الحرّ، هي التجارب التي تستطيع أن تحقّق النقلة النوعيّة الفنيّة لتطوّر الوزن الشعري، على أساس أنها تحقّق للشّعر التفلّت من أسر القافية وأسر الأوزان المحدودة، في الوقت الذي تحتفظ للشّعر بالموسيقى…

في تصوّري، إن قيمة تجربة السيّاب وتجارب الكثيرين الذين عاشوا في مرحلته، مثل تجربة صلاح عبد الصّبور، وتجربة الفيتوري، وتجارب كثيرة، تحتفظ للشّعر بعمق المضمون الروحي والفكريّ، إضافةً إلى الموسيقى الشعريّة، ولا تبتعد كثيراً عن مجالات الفهم الفني للمضمون الشّعري، لأننا نلتقي في المدّة الأخيرة بمشكلة في التجارب الشعريّة التي نحترم الكثير منها، ولكنّنا نشعر بأنّ هناك مسافة واسعة بين الكلمة في مضمونها، وبين المعنى الذي يراد للكلمة أن تتحمّله، مما يسمَّى في علم البلاغة باللّوازم البعيدة التي لا تستطيع من خلالها أن تفهم المعنى من الكلمة، إلا إذا عشت إيحاءات واسعة في آفاق هذه الكلمة وأجوائها…

إنّني أتصوّر أنّ هذه التجارب التي كثرت في المرحلة الأخيرة، قد تحمل شيئاً من اللّمعات الفنية العميقة، ولكنّها لن تستطيع أن تحقّق الكثير في ما هي رسالة الشّعر التي يراد لها أن لا تتحوّل إلى حالة تقريريّة لتكون على نسق الخطاب السياسي، ولكنها عندما تختزن التجربة الفنيّة للشّاعر، لا بد أن تبقى قريبة من الوعي العام للناس المثقّفين، ولا أتحدث عن الناس العاديّين ليقال إنّ الشّعر كقيمة فنيّة لا بد له من أن يسمو بطريقته التعبيريّة عن السطح العام…

إنني أتصوّر أنّ هناك بُعداً كبيراً من التجارب الشعريّة التي يعيشها الكثيرون من شعرائنا، ولا سيّما الذين يواكبون الشّعر الحرّ ـ وأصبحت أغلب التجارب الشعريّة تجارب الشّعر الحرّ أو الشعر المنثور الذي كنا نقرأ تجاربه في “الأديب” وفي تجارب كثيرة ـ عن الوعي العام للإنسان العربي في ما يقرأه من شعر.. وربما أتهم نفسي عندما أقرأ كثيراً من هذه التجارب، بعدم مواكبة التطوّر الفني للتجارب الأدبيّة، باعتبار أن كلّ إنسان يعيش ثقافة أذنيّة، إذا صحّ التعبير، في ما تعتاده الأذن في حركة الكلمات في مضمونها أو في موسيقاها.

غامض متصوّف؟!

 سؤال لا يخلو من الاتهام: هل أنت متصوّف؟ فمن يراقبك فكرياً وثقافياً وشعرياً، وحتى في أسلوبيّة تعاطيك مع الواقع، وكيفيّة طرحك للمسائل الحياتيّة والسياسية والفكرية وكيفيّة توجيهها، يعتقد أنك تتحرّك من منطلق إيحاء غامض؟

لا أستطيع أن أعدّ نفسي من المتصوّفة، لأنّ للتصوّف أبعاده وخفاياه داخل النفس وفي عنصر الممارسة، بحيث يمثّل كياناً قائماً بذاته، قد تدخل فيه التقاليد إلى جانب الحالة الفكرية أو الشعورية، ولكنّني أستطيع أن أقول بأنّني أحاول دائماً أن أرتفع عن سطح الأشياء لأحلّق في الأعالي، في كلّ الأبعاد الكونية التي قد أعيش غموضها، فأحاول الاستغراق فيها لأكتشفها، كما أنّني أحاول أن لا أتوقّف على السطح، بل أنفذ إلى العمق، فأعمد على أساس أن أنفذ إلى كلّ فكرة من خلال عمقها في الحياة وفي التجربة الإنسانيّة وفي داخل الشّعور، كما أنّني أحاول أن أطلّ على كلّ الأمور التي أعيشها، حتى بالنّسبة إلى أحاسيسي النفسيّة أو أحاسيسي الرّوحيّة، فلا أمارسها ممارسة بسيطة عفويّة، بل أحاول أن أتعمّق فيها.

إن تجربة العمق في تمثّل الفكرة، في المعاناة الشعوريّة وفي حركة الواقع، تُلحّ على أن أتحرّك فيها بما أملك من إمكانات، وربما تطلّ بي على أجواء المناجاة مع الله في كثير من الأجواء التي تمثّل حيرة الواقع، ولكن لا حيرة الواقع الّذي يريد أن يهرب منه، ولكنّها الحيرة التي تريد أن تكتشف سرّ الواقع في جمالات الواقع، وتكتشف عمق الواقع في بؤس الواقع.

أذكر في هذا المجال قصيدة قلتها قبل ما يقارب الـ35 سنة، تحت عنوان “صوفيّة شاعر”:

ربي إني وفي انتفاضات آهاتي جراح وفي حشاي نصولُ

أتلظّى عبر الجحيم وفي روحي نداء إليك كيف السّبيلُ

تاه بي عالمي إلى حيث لا أدري فدنياي وحشة وذهولُ

ودعاء في هدأة اللّيل يستهديك.. والدّربُ موحش مجهولُ

كيف أسمو إلى الحقيقة حرّاً وكياني مقيّد مغلولُ

وحياتي شلْوٌ تناهبه الرّيح وألوى بجانبيه الذّهولُ

وصراع في أفق نفسي يجتاح شعوري به سؤال طويلُ

عذّبتني أوهامه زمناً مرّ تعاصت عليّ فيه الحلولُ

ما حياتي هنا ونحن على الكون ظلال ستمَّحي وتزولُ

رنّحتنا الغيوم في هدأة اللّيل فماجت بنا الرّبى والسّهولُ

ومشينا مع الضّباب كما يرتع في وحشة المكان النّزيلُ

هكذا نحن حيرة يرقص الوهم عليها وتستطيل السّدولُ

إلى أن يقول:

ربي هذا اللّيل البهيم هدوء شاعريّ طلق وأفق جميلُ

ونسيم يموج في سرحة الرّوح نديٌّ كما تشاءُ عليلُ

وشعاع ترقرقت فيه ألوان من السّحر رجرجتها الحقولُ

يبعث الشّاعر المدلَّه صوفياً يناجيك والنّجوم مثولُ

العلاقة بالله خارج الدّين!

 هل يمكن للإنسان أن يقيم علاقته بالله من خارج إطار الدّين، فهناك عظماء كبار خاطبوا الله على طريقتهم، مثلاً، الألماني الشّهير ببيتهوفن؟

من الطبيعي أنّ التصوّر الإنساني لله لا يمكن أن نحبسه في زنزانة تقليديّة فكريّة ضيّقة، لأنّك عندما تتمثل الله على أنّه الوجود المطلق فيما يُعبَّر عنه في الفلسفة، فإنّ معنى ذلك أنّه يمثّل الأفق الذي لا حدّ له في مضمون التصوّر؛ الرّحمة التي لا حدّ لها، العلم الّذي لا نهاية له، وما إلى ذلك.

وعلى هذا الأساس، فإنّ انطلاقة الدّين في نفس الإنسان، تتحرّك من خلال تمثّله لله في كلّ ما يملك من آفاق الفكر، ومن حالة المعاناة التي يستطيع أن يكتشف الله فيها من خلال الألم، ويستطيع أن يكتشف الله فيها من خلال الجمال، ويستطيع أن يكتشف فيها الله من خلال الإبداع، عندما تكتشف الله في كلّ الآفاق الواسعة التي لا تحدّها أيّ حواجز مما تعارف النّاس من حواجز، فإنّك تكتشف الدّين.

الدين هو انفعال بالحالة الّتي تكتشف فيها الله بعيداً من الصيغ التقليدية، وعندما يريد الدّين أن يحبس التصوّر لله في صيغ تقليديّة، أو صيغ جامدة محنّطة، فإنّك قد تفاجأ بأنّك لن ترى الله في هذه الصّيغ، حتى المسألة الدينيّة التي تتحوّل إلى تقليد في حياة الناس، لا تمثل الله إلا بقدر ما تفتح كلّ آفاق شعورك على الله في عمليّة التقاء به من خلال نفسك المنطلقة بعيداً من أيّ حدود.

إننا عندما نتمثّل الصلاة، فإنّ النص الديني يقول: ليس لك من صلاتك إلا ما أقبلت فيه بقلبك على الله، معناه أنّ الصّلاة في ما تمثّل من هذه الحركات التي تقوم بها، لن تجد الله فيها، إلا إذا انطلق قلبك في معاناتك الروحيّة الذاتيّة في اللّقاء بالله، بحيث تعطي الحالة الشعوريّة النفسيّة المعنى لهذه الحركات، حتى تكون هذه الحركات دينيّة.

من خلال ذلك، نستطيع أن نقول إنّ بإمكان الإنسان أن ينطلق بعيداً من القوالب الدينية في تمثله لله وفي التقائه به، ويمكن له بطريقة وبأخرى أن يلتقي بالدّين من خلاله، وأن يعطي الدّين فهماً أوسع وأعمق وأغنى من تجربته الروحيّة.

هل المرأة قلق الرّجل؟!

 المرأة قلق الرّجل، مصدر الجمال.. كيف يرى السيّد محمد حسين فضل الله هذا المخلوق الّذي ما زال السرَّ المفتوح على الأسرار؟

في تصوّري، الإنسان هو حركة الإنسان في كلّ صوره، سواء كان الإنسان الرّجل أو الإنسان المرأة، هو الّذي يعبّر عن عمق الجمال في الإحساس المختلف، وعن القلق الغنيّ بالأحاسيس في مجالات تنوّعه. كيف ذلك؟ لماذا كانت المرأة قلق الرّجل؟ هل انطلق ذلك من خلال حالة معاناة نفسيّة عميقة في ما هو الإحساس بالجمال في أبعاده الفنيّة التي تحتضنها المشاعر بطريقة تجريديّة؟ أو أنّ المسألة تنطلق من خلال أنّه ليس هناك شيء اسمه الإنسان الفرد في التّكوين الإنساني، الإنسان دائماً هو الإنسان الزّوج في تكامله الإنساني؟!…

لذلك، فإن القلق؛ قلق الإنسان في حاجته للتكامل مع الإنسان الآخر، هو الذي يهيّئ له أن يحتوي كلّ آفاق الإنسان الآخر في أجواء حاجاته، وبذلك يختلط الجانب الروحي بالجانب الشعوري بالجانب الغريزي، وتندمج الجوانب الحسية بالجوانب المعنوية، بحيث يواجه الإنسان في نظرته إلى الإنسان الآخر، نوعاً من أنواع العيش في داخل ذاته وهو يتطلّع إليه، فأنت عندما تبصر المرأة الجميلة، فإنّك تحاول أن تصنع لجمالها معنى تعيشه في داخل نفسك، فأنت لا تتمثّل الجمال الحسّيّ عندما تريد أن تعيش الإحساس بالجمال، وإنما تستغرق في نفسك المتطلّعة إلى الجمال في الصّورة التي تعيشها من خلال حاجاتك، فتعطي الصّورة الجميلة معنى آخر يختلف عمّا هو الواقع.

من خلال ذلك، نستطيع أن نفهم أنَّ إحساس الرّجل بجمال المرأة، لا ينطلق من أنّ المرأة تتفرّد بهذا الجمال، وأنها هي اللّوحة التي يمكن أن يقف الفنان أمامها ليعيش كلّ آفاق الجمال الإنساني، بل إنّنا عندما نتمثّل الرّجل في المرأة، فإننا نجد أنّ المرأة المنفتحة على الحاجة إلى التّكامل الإنساني في داخل شخصيّتها، تحسّ بالفراغ لاحتواء هذا الجمال تماماً كإحساس الرّجل، لأنّ المسألة هي مسألة أنّ هناك كياناً يعيش حالة من النّقص الذي يبحث عمّا يكمله.

ولكنّ المسألة هي أنّ التاريخ كان تاريخ الرّجل، وكان الرّجل هو الذي يعيش حالة الفعل، بينما كانت المرأة تعيش حالة الانفعال، بحيث إن الواقع التاريخي الإنساني منع المرأة من أن تتمثّل الرّجل كما لو كان شيئاً يكملها، كما يتمثّل الرّجل المرأة باعتبارها شيئاً يكمله، وبهذا لم يرتفع إحساس المرأة بجمال الرّجل في هذه الأجواء الفنيّة العميقة الواسعة إلى الدّرجة التي عاشها إحساس الرّجل بجمال المرأة. ولكنّنا عندما نعيش الكثير من التجارب الإنسانيّة في عالم المرأة، سواء في بعض مواقع التاريخ، أو في بعض مواقع الحاضر، نجد أنّ هناك عمقاً في إحساس المرأة بالرّجل، بحيث يخيّل إليك أنّ المرأة تتمثل جانب الجمال في الرّجل أكثر مما يتمثّل الرّجل جانب الجمال في المرأة.

لهذا، إنني أستطيع أن أغيّر صيغة السؤال فأقول: إنّ الإنسان يعيش قلق الإحساس بالإنسان الآخر، كما أنّه يعيش آفاق الإحساس بالجمال في الإنسان الآخر، ولكن مسألة الإحساس بالجمال تحتاج إلى نوع من الثقافة النفسيّة الشعوريّة التي تمتدّ إلى رواسب تاريخيّة، بالإضافة إلى المعاناة التي يعيشها الإنسان في واقعه.

وهكذا من خلال الآية القرآنيّة: (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)، فهناك نفس واحدة تستطيع أن تكتشف في داخلها الزّوج.. لا أفهم هذه القضية كما تتحدّث فيها بعض الآثار الدينيّة، “أنّ المرأة خلقت من ضلع الرّجل”. إنني أفهم من هذه المسألة أنّ هناك شيئاً في داخل الرّجل تعيش فيه المرأة، وأنّ هناك شيئاً في داخل المرأة يعيش فيه الرّجل، وهذا ما عبَّر عنه القرآن في آية أخرى، عندما عبَّر عن العلاقة الزوجيّة: (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ)، بحيث إنّ الرّجل متداخل في المرأة في ما هو الإحساس والشّعور والشخصيّة، تماماً كما تتداخل مسألة الجسد بالثّوب.

القائد ليس فرداً

 الإسلام ركّز على فعل الجماعة وقولها، وربما اسم “جامع” دلّ على معنى الجماعة. سؤال: أرى فرديّة مميّزة في الإسلام ظهرت بشخصيّة النبيّ محمّد والإمام عليّ وصولاً إلى الإمام الخميني، أتوافق معي على ذلك؟

لا بدّ لنا أن نقف وقفة تأمليّة أمام هذا السؤال، إنّني أتصوّر أنّ معنى الجماعة في ما هي حركة الإنسان الجماعيّة التي يتكامل فيها الأفراد نحو هدف واحد، لا بدّ أن تطلّ على شخصيّة الفرد من جهتين؛ الجهة الأولى، هي جهة شخصيّة القائد الذي يعيش في داخل فكره روحيّة الجماعة، من خلال مسؤوليّته عن الأهداف التي تؤدّي بالجماعة إلى النتائج الكبيرة، ومن خلال إحساسه بمعنى الجماعة في كلّ عناصر شخصيّته.. وبذلك لا يكون القائد فرداً في ما هي الفرديّة التي يعيشها في نوازعه الذاتيّة، بل يكون الفرد حالة مجتمعيّة، لكن في ما هو الفكر وفي ما هو الإحساس وفي ما هي الحركة وفي ما هي المعاناة.

القائد ليس حالة فردية، لأنّه لا يجلس مع ذاته عندما يفكّر، وإنما يجلس مع الجماهير التي يقودها ويتحسّس مسؤوليّتها ويعيش معاناتها عندما يتحرّك. إذاً لا تعود الفرديّة مجرد حالة ذاتيّة، بل حالة تنطلق لتأخذ من عناصر الذّات ما تستطيع من خلاله أن تغني عناصر المجتمع. وبذلك، فإننا عندما ندرس الأنبياء والأئمّة والعلماء الرّساليّين والمجاهدين، فإننا قد نتطلّع إليهم كأفراد عندما نعيش في حجمهم البشري الإنساني، ولكنّنا عندما ننفذ إلى داخلهم، فإننا نرى أنّ الأمّة تتحرّك في كلّ أوضاعهم، وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم عندما عبّر عن إبراهيم: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا للهِ)، إنّه يعبّر عن الشّخص بأنّه أمّة، باعتبار أنه يعيش تطلّعاتهم.

حتى المجتمع، إنما يتحرّك في الحالة الجماعيّة أو المجتمعيّة من خلال الفرد، الفرد يعيش حالة الإحساس بالتّكامل مع الآخر، فيؤلف معه حالة اجتماعيّة، وهكذا…

لذلك، لا نعتقد أنّ هناك أيّ انفصال بين ما هو الفرد في حركة المجتمع، وبين المجتمع، لأنّ المسألة أنّ المجتمع يعيش في ذهنيّة الفرد المسؤول، كما أنّ الفرد يعيش في حركة المجتمع في دائرة الاختيار والمعاناة.

دعوة.. وفكرة

 إلى هنا أنهيت أسئلتي، وتركت للسيّد قول ما يريد قوله…

إنّ الفكرة التي أحبّ أن أطرحها في كلّ الآفاق التي تعيش فيها إنسانيّتنا، سواء كانت آفاق الفنّ أو آفاق الإيمان أو آفاق الحركة السياسيّة والاجتماعيّة، إنّ ما أحّب أن أثيره، هو أنّ علينا أن ننفتح على كلّ ما نريد أن نفكّر فيه وأن نعيشه في الهواء الطلق، أن نتنفس إنسانيّتنا في آفاق حرّيتها، في ما هي حرية الفكر والشّعور والإحساس، لأننا عندما لا نعيش آفاق الحريّة، ونبتعد عن الصّيغ التي تقدَّم إلينا جاهزة من دون أن نختار أنفسنا فيها، فإنّنا لن نستطيع أن نبدع شيئاً للحياة ولا للإيمان ولا للإنسان.

إنّني أحبّ أن أثير أمام كلّ الناس الذين نعيش معهم في كلّ قضايا المصير، أيّاً كان تصوّرنا للمصير… أن نعيش قلق الفكر وقلق المسؤوليّة وقلق الانطلاق إلى المجهول لنكتشف فيه كلّ أعماقه، وقلق الإبداع؛ إبداع إنسانيّتنا في كلّ ما يمكن لها أن تغني الحياة، وفي كلّ ما يمكن أن تغتني به من الحياة، وعند ذلك، فإننا نستطيع أن نكتشف الله في إنسانيّتنا، وأن نكتشف الله في الحياة، وأن نشعر بأنّ إنسانيّتنا وحياتنا لا تبتعدان عن الله، عندما نفهم القضيّة بالطّريقة المنفتحة المتحرّكة في خطّ الإبداع