جبر موسيقي الالوان

جبر موسيقي الالوان

عبد الرحمن منيف

الطفولة للمبدع إحدى المحطات الرئيسية التي يتوق العودة إليها باستمرار، لأنها تشكل مصد راً مهماً لإبداعه، فهي بالإضافة إلى ما تثيره من حنين و رغبة و لوعة، كمحفزات للإبداع ، تعتبر بداية الإكتشاف و الإشتباك مع الحياة، و هي الدهشة، و أولى الخطوات في عالم ملييء بالأسرار و الألوان و الأشياء الجديدة المثيرة.

و إذا كانت الطفولة مرحلة زمنية في حياة أي إنسان، فهي روح أيضاً. أي أن الطفولة لا تقتصر على تلك الفترة وحدها، بل قد تمتد و تستمر، أو ربما تغيب فترة من الزمن لتستعاد مرة أخرى ، لأنها نظرة إلى الأشياء، إلى العالم، و هي اكتشاف دائم، كما هي أسلوب في الحياة، و طريقة في العمل و التعبير. و ذروة سعادة الفنان أن يمتلك هذه الروح ، أو أن يصل إليها.

و يبذل معظم المبدعين جهداً كبيراً من اجل العودة إلى الطفولة، أو إستعادة الطفولة، لكن النتائج تكون متفاوتة أغلب الأحيان. لأن العودة، أو الاستعادة، ليست مجرد رغبة ، و إنما هي استعداد بالدرجة الأولى، و هي إمكانية أكثر مما هي تمنً . وهكذا نجد أن رحلة من هذا النوع لا تكون مرضية دائماً، سواء للذات أو للآ خر. و محظوظ ذلك الفنان الذي يستطيع العودة إلى طفولته، و لو جزئياً، و أن يستعيد من تلك الطفولة أجزاء تتمثل بأعمال فنية مقنعة له و للآخرين.

أما ان يتمتع بعض المبدعين بطفولة دائمة، من حيث الدهشة و محاولة الاكتشاف ورغبة اللعب الفني، فإن حالة مثل هذه إن وجدت فهي موهبة إضافية بكل تأكيد، لأن الفنان، حين يبحث و يرى، و حين يبذل جهداً مضنياً من أجل الوصول إلى قوله الخاص، إلى أسلوبه ، يفعل ذلك مدفوعاً بقوة داخلية، ربما يتلخص جوهرها بالوصول إلى اللعب الجميل الممتع لطرفي العلاقة: الفنان و المتلقي. أما إذا خلا العمل الفني من هذه القوة الداخلية فيصبح رتيباً مملاً، و بالتالي يفتقر إلى الضرورة، لأنه لا يمتع صانعه و لا يحفل به من يراه ، أي يخلو من الحافز أو الإضافة او المتعة، و ل يختلف عن اشياء كثيرة في هذه الحياة يمر بها الانسان دون أن يراها او دون أن يتوقف عندها، لأنها لا تعني له شيئاً في النتيجة.

لذلك فإن محطة الطفولة، في السياق الفني، توق و إستعداد، أو هي مكابرة من أجل الوصول. و في الحالتين تتحدد ، حصراً، بالإنجاز الذي يمكن أن يصل إلى الآخر، و يكون حاملاً هذه الصفة.

جبر علوان يمثل هذه الطفولة. في دهشته و اكتشافاته، و في محاولته أن يعتبر العمل الفني لعباً جميلاً، ممتعاً له و للآخرين، و هذا ما يحرص عليه، رغم أن جمرة الحزن الثاوية في قلبه لا تكف عن رفع رأسها في كل لحظة. لتذكر بوحدة الإنسان و قلقه و خوفه... و حزنه ايضاً، لأن الحياة هاربة، قصيرة، لا نكاد نمسك بها حتى تفلت، تنزلق، لتصبح ماضياً، ثم ذكرى، و أخيراً حنيحاً إلى شيء لن يعود.

و إذا كان حسين مروة قد قال في أواخر أيامه، و هو يصف مسيرته في هذه الحياة، أنه و لد شيخاً و يموت طفلاً، فإن جبر علوان الذي لا ينوي مغادرة طفولته، بل و يزداد طفولة بعد أن جبر علوان امتحن أطواراً متعددة في هذه الحياة، في الوطن ، و في الوطن الآخر، حيث يقيم منذ ربع قرنن اكتشف أن مهمة الفنان” أن أشهد على زمني، و بصورة أدق أعني أشواقي ، دون أن أضطر إلى تزييف المعاني، أريد أن أتكلم بوضوح، أن أبدو عادياً، دون أن أكون رخيصاً، لا بل أريد أن أقول أشياء جديدة تماماً. “ أريد أن أصل إلى الحرية التامة في الفن، حرية تشتمل على الحقيقة كما في الحياة: تواصل ملموس لصورة ملموسة»

جبر وقد استبدل المادة و أداة التعبير، استعاض عن ضخامة الكتلة باتساع اللوحة، ولعله من الفنانين العرب القلائل الذي يتعامل مع لوحات بهذه المساحة، و يجد فيها نفسه. إذ العادة أن يلجأ الفنان إلى اللوحة الصغيرة، نسبياً لكي يسيطر عليها، و يحسن ترويضها و التعامل معها. جبر يفعل العكس تماماً، إذ في المساحة الكبيرة يتحرك بكفاءة و حرية، الأمر الذي لا نلمسه بنفس الحيوية، أو بنفس المقدار، في اللوحات الصغيرة.

لا يراد هنا المفاضلة بين لوحة و أخرى تبعاً للمسافة، فلجبر لوحات متوسطة المساحة تتجلى فيها حرفية النحات، و مثال على ذلك لوحة الشيخ المتسكع إذ تبدو الشخصية و كأنها مقدودة من المرمر الأسود أو مصنوعة من البرونز، خاصة و أن طريقة بناء اللوحة تقييم صلة قوية بين الشخصية، أو التشخيص الموجود في اللوحة و بين الفضاء المحيط بها، و كأن الفضاء، خلق، كمكان، لاستقرار التمثال و ثباته. حتى الألوان التي تم اختيارها فقد كانت مشتقة من اللون الأسود، بعد أن داخله البياض، ليصبح لوناً مساعداً لإبراز الحدود، أكثر من إبراز الملامح، و كأننا نشهد في عتمة أول المساء تمثالاً تسلط الضوء على الجزء الأعلى منه فقط ليتوهج و يشتعل. و كذلك الأمر بالنسبة للوحة الموقدن و هي بمساحة 50ــ 70 سواء بطريقة بناء اللوحة أو اختيار المكان، إذ يتبين و كأن الأمرين نابعان من رؤية النحات بدرجة أولى.

و إذا كنا قد مّيزنا إحدى صفات جبر بإتساع مساحة اللوحة، فيمكن أن نضيف هنا، و استطراداً، أن لديه طموحاً أن يجد الفرصة مستقبلاً للمساهمة في رسم جداريات أو ديكورات لأعمال مسرحية يكون فيها الفن التشكيلي جزءاً من بنيتها، كصيغة من صيغ التلاقي و التفاعل بين أدوات التعبير، و إقامة الجسور فيما بينها.

هذه الصفة، أو هذه الخاصية النابعة من النحت، تتجلى في عدد غير قليل من أعمال جبر، و تقدم الدليل على إمكانية استخدام الصفات الإيجابية لفن و توظيفها في فن آخر. فالكتلة أو الحجم الذي يحتل الجزء الأساسي في اللوحة تتفرع منه الإشعاعات، إذا صح التعبير، أو الأجزاء، لتصبح مستقلة عن الكتلة و مرتبطة بها في نفس الوقت، مع مرونة عالية في الاستخدام قد لا نجدها عند الآخرين.

إن اللوحة هنا ليست حصيلة جمع الأجزاء، و إنما علاقة الأجزاء بالمركز، و علاقة الأجزاء ببعضها، بحيث أن أي اختلال في البناء أو العلاقة يضعف اللوحة كلهان و قد يهدمها، هذا يقتضي معرفة عالية، و حرفية متقدمة، في تحديد العلاقة بين المركز و الأطراف، و كيف يجب أن تتساند و تعزز التناغم الذي يربط فيما بينها.

النحات قبل أن يعمل إزميله في الحجر لابد أن يعرف طبيعة المادة بين يديه، و ما تحتمل من ضغط و شد و علاقة بين الأجزاء، غير واضحة، لكن ما أن يواصل السباحة، العمل، حتى تتحدد الأشكال و تتضح العلاقات، و هذا يتم تدريجياً، بالتراكم، باستمرار العمل، و أيضاً بالخبرة المستمدة من التجربة الطويلة و المعاناة، تماماً كما يفعل البدوي و هو يلتمس الماء في الصحراء، إذ عليه أن يحسن الإختبار، مدفوعاص بغزيرة البقاء، إلى أين يجب أن يتجه، مستهدياً برائحة الهواء و رطوبته، و بحركة النجوم. إنه يفعل ذلك بحدس داخلي يشير دون أن يقول.

عن كتاب (موسيقى الالوان)