لوحات مثقلة بشحنات من الانفعال

لوحات مثقلة بشحنات من الانفعال

  موسى الخميسي

الرؤية الفنية عند الفنان جبر علوان تبني نفسها على شعور عاطفي قلق، وهيمنة حسية تبحث عن تعبير آني مباشر، يتمثل بلغة الشكل ذات المنحى الواقعي التعبيري، الذي تجسده ألوانه الاصطلاحية اللاواقعية المثيرة بصريا، وهذا الجمع الذي بدأ واضحا خلال عمله في السنوات الأخيرة،

لا يمكن عزله عن بعضه، لأنه يشكل وحدة نسيج تمتلك ملامحها من خلال تلك الألوان التي منحها قيمة مطلقة، مثقلة بشحنة الانفعال، الصافية الرائقة التي تبدو بعض الأحيان وكأنها غير متصالحة مع بعضها على سطوح لوحاته. فهو في مركباته التعبيرية يعتمد هيمنة الحدس والمخيلة، هيمنة الرؤية على المعرفة الذهنية، وإسقاط حالته الفردية على الإنسان الذي يشغل كل مساحات لوحاته مرسومة بسرعة دون تفكير معمق أو تعقيد، بتعبيرية تلقائية يتجاور الأحمر الناري والأزرق الليلي مع الأصفر المحترق، يوحي بالتضاد، ويحمل قدرا كبيرا من التكامل المتوازي بين نقيضين.

تتصف اللوحة عند جبر بالتسطح المعتمد للأشكال، التي تبرزها لمسات الطلاء نفسها الدالة على الخطوط المضطربة المستمدة من حركة الأجسام البشرية وإرهاصاتها التعبيرية، إذ أن سطوحه الملونة التي لا تحددها في العديد من الأحيان إلا خطوط تتصف بالصلابة وعدم الانتظام ، قد أضافت قدرا ملموسا من الحيوية البصرية على الشكل المطلوب إنجازه والتي تشعر المتلقي بتلخيص بليغ ومفاجئ للموضوعات التي يطرحها الفنان، مع أن ما يطرحه يعتبر سهل القراءة ويتيح في اغلب الأحيان فرصة التقارب مع الواقع المرئي، ذلك انه يتخذ من الإنسان موضوعا يعبر من خلاله عن أحاسيسه.

إن تعبيرية جبر علوان التي قامت على تشويه الأشكال وعنف اللون اللاواقعي، وعملت على استثمار مصادر الاضطراب، لا زالت ملتزمة بمشاكل الناس الذين صورهم بمحبة وروعة، ومرتبطة بعالم الظواهر التي تحيطنا اجتماعيا، تبدو وكأنها لحظة معاشة، رسالة ملونة صامتة غير متحركة، إلا أنها تولد لدى المتلقي انطباعا بالحركة التي تحيل كل ما هو مجرد حسي، ومنطلق من العام إلى الخاص، إذ يمكن أن يقال بان فنه استدلالي، يبدأ بتجريد بنية اللوحة بطريقة لا تحمل أي إيهامية، إنها بنية سريعة تتمثل بوضع مساحات كبيرة من اللون تقوده لتحديد الشكل المطلوب إنجازه.

تعبيرية جبر علوان ذات الصلة الوثيقة بالحياة الواقعية، تتشبع بمرونة جميلة في استخدام اللون، والتي يعمل بها الضوء على الإيحاء بتجسيم الأشكال وإعلاء قيمة التعبير فيها، فهي تنحو للتخلص من المفهوم، والتبسيط في الشكل، يساعد الفنان اللون الذي تزهو به الشخوص والسطوح الخلفية، وفي حالات أخرى يلاحظ المشاهد انطفاء هذه الألوان لتطغي عليها الألوان الرمادية، ذلك أن اللون بقيمته التعبيرية عند الفنان يتحدد بمساحات مختلفة الملامح والهيئات، يكاد يتساوى مع الوحدات التي يتناولها سطح اللوحة ومن مستويات مختلفة للتجربة.

الدراسة الأكاديمية لهذا الفنان امتدت عدة سنوات، ابتدأها في معهد الفنون ببغداد وأكملها بسنوات عديدة في أكاديمية الفنون بروما( دراسة الرسم والنحت)، ومكنته من اكتساب مهارات أدائية مصحوبة بكثافة الممارسة التقنية لمعالجة سطح اللوحة وبالذات علاقة الضوء بالظل، والكتلة بالفراغ، وقد بنى كل هذا على حسيته بأهمية هارمونية اللون وتناقضاته، والتحوير في الشكل، إضافة إلى استلهام الصور المرئية للواقع وتأويلها إلى موضوعات جديرة بالرؤية، تبني نفسها بنفسها بعض الأحيان بقلق صوفي للإنسان العراقي يحاول تخطي الواقع ليستنبط عوالمه ومفرداته الخاصة.

لقد أتاحت تجربته قدرا كبيرا من الشجاعة في التحرك في أحيان كثيرة بفطرة وسجية، وأحيانا بتلقائية، لأنه يرى بان المبالغات التقنية في حرفيات الرسم وما رافقها من تبريرات عند العديد من الفنانين العرب، هي ذات طابع أدبي غالبا ما تفتقر إلى الوضوح والرؤية الواعية، فهو يرى أن هذه الظاهرة قد تحجب عن الفن الكثير من أهدافه، فالفن لديه يعد إنجازا فرديا، ويتوجب على الفنان أن يكون ملما بالوسائل التي يستخدمها و يرتأيها.

تعبيريته لا تتبع في مسيرتها العامة منهجا فنيا محددا تلتقي عنده جميع أعماله، إلا أن خبرته الطويلة ونضوجه قد أكدا انطباعيته ودفعاه لان يطورها منطقيا وبشكل منهجي، ليصبح أكثر اقتراب إلى أنبوب اللون والاعتماد على ضوء المرسم الاصطناعي الذي أتاح له عدم الخروج من مرسمه لمواجهة الطبيعة والناس، وهكذا أمحت الظلال والظلال المنقولة والأضواء الخافتة، واستأثرت باهتمامه الألوان الحارة المتبدلة دوما لتعطيه القوة التعبيرية لمساحات اللون الصافي ولتقودنا نحو الوقائع المهمة التي يريد إشراكنا بها. ولهذا أيضا استخدم اللون الصافي لتحديد المساحات اللونية المسطحة وتخلى عن المنظور الثلاثي الأبعاد، فأصبحت خطوط اللوحة تنفرج بدلا من أن تلتقي في نقطة مركزية واحدة، بل إنها تذهب في كل اتجاه معبرة عن عوالم الفنان الذي لا يرى موضوعه منطلقا من نقطة محددة وتبعا لتخطيط منظم.

تمزقات جسد المرأة، وذلك الشكل الرمزي لشاعر محتضر، أو ذلك الموسيقي الذي أصبح جزء من آلته الموسيقية، او ذلك المتأمل العربي بحذره وكيانه الضخم الممتلئ بالرغبة، وصور المقاهي، والمهاجر.. الخ كل هذه الموضوعات عبارة عن محاكاة تعبر عن شعور كبير بمحبة الإنسانية، رسمها بألوان جنونية تذكرنا بكوابيس السرياليين، إذ أصبحت هذه الكوابيس بمثابة كوامن لا يمكن استئصالها من تفكيره، باعتباره فنانا يحاول على الدوام إخضاع بناء اللوحة لبرنامج قاسي وعبثي، مبتعدا عن النبرات، وهذا ما يجعل لوحته مثل الحقل التصويري الغير مشذب، إلا أنها زاهية تحركها الضربات اللونية المنفعلة المتحركة والخطوط المتموجة المتكسرة المعبرة عن حس داخلي عميق ولربما ألم نفسي( عراقي) ينعكس في جميع أعماله ونعتقد بان سبب ذلك يعود إلى رغبته في الإنجاز السريع، فهو لا يعود إلا نادرا لتصحيح او وضع بصمات لونية جديدة لأنه يعتقد بأنه ضد عملية ( التزيين) فقد اختار أن يكون إلى جانب أتباع مذهب العفوية والذي يفترض عدم تحديد الشكل ومراقبته الواعية والدقيقة.

لقد تبنى جبر علوان في جميع أعماله أبجديات فنية يمكن قراءاتها بصورة لا تخلو من رضوخ، اكتسبت حضورا ذو دلالة من خلال أسلوبها التشخيصي، إلا أن هذه الأعمال التي يجتزئها من محيطها الإنساني، واستخدم فيها ضربات الريشة العريضة والسريعة، يحاول تمويهها وجعلها تتسم ببعض الغموض من اجل أن تكتسب معنى جماليا خاصا، لا يختصر على حالات الإدراك التي تؤثر على مشاعر اللذة والألم عند المتلقي، فهو يدرك بان المشاهد لأعماله يجد فيها بعض الجاذبية الجمالية، وقدرا من الارتياح الاثاري الفكري، وهو بهذا يؤكد على أن الفن يحمل صفات عاطفية تستمد قوتها من إثارة الانفعالات والتي لا تأتي إلا إذا انتزعت الأشياء من مواقعها وأشكالها المستقرة، لتتحول إلى مواقع وأشكال أخرى مختلفة ومغايرة، بل ومتضادة.

ونرى في أعماله الأخيرة التي تقترب إلى الواقعية، لونية جديدة أكثر تألقا وصفاء، وبملاحظة للطبيعة البشرية أكثر دقة ونفاذا كما هو الحال مع مجموعته الأخيرة التي خصصها عن المقاهي التي أعاد بنائها بتلك العفوية والاحساسات المباشرة،وجعلها موضوعا حيويا يلامس حياة الناس في كل مكان، وقد جسد بها الانتقال السريع من الإدراك إلى الحركة التصويرية ليسجل وجوه الناس التي ترتسم على وجوههم تجزئة الضربات اللونية ومجاوراتها لبعضها البعض بحسب تآلفها، وبحيث يتم مزج الألوان بصريا، فالألوان في هذه المجموعة تتفاعل في ما بينها حتى في اصغر الأجزاء من مساحة لونية، فالقيمة اللونية هنا تتحدد قيمها بواسطة الضوء الذي تتلقاه، فهي ليست ثابتة، بل تتبدل مع تبدت الضوء نفسه.