ثورة تموز 1958 والطبقات الكادحة.. مواقف تاريخية

ثورة تموز 1958 والطبقات الكادحة.. مواقف تاريخية

د.حيدر عطية

كان أمراً طبيعياً أن يبدي قادة الثورة مواقف ايجابية مبكرة إزاء طبقات المجتمع العراقي، لاسيما الكادحة والمتوسطة منها، كون أن أغلب الضباط الأحرار الذين قاموا بالثورة هم من أسر حضرية حرفية أومن الطبقة المتوسطة الدنيا، ولم يكن من بينهم من ينتمي إلى طبقة الملاك الكبار أو شيوخ العشائر، إذا ما استثنينا ناجي طالب، وعبد الوهاب الشواف، إذ كان الأول أبناً لأحد السراكيل، أما الآخر فكان انتماءه إلى طبقة الملاكين الدينيين ومن ذوي الدخول العالية.

مهما يكن من أمر، كان عبد السلام عارف من أوائل قادة الثورة الذين أبدوا مواقف لا غبار عليها تجاه طبقة الفلاحين، تعبيراً عمّا اتفق عليه «الضباط الأحرار» قبل الثورة على إنهاء الإقطاع وتوزيع الأراضي على الفلاحين وتحقيق نوع من العدالة الاجتماعية، فعندما كان في زيارة إلى لواء الديوانية يوم 27 تموز 1958، أي بعد ثلاثة عشرة يوماً من قيام الثورة، صرح هناك أمام جموع غفيرة من الفلاحين بعبارته الشهيرة «لا إقطاع بعد اليوم لا غني ولا فقير ولا أحمر ولا أبيض ولا أسود ولا استعباد نحن منكم وفي خدمتكم»، كما بشر عارف الفلاحين بحتمية زوال الإقطاعيين في ظل حكومة الثورة.

لم يكتفِ عبد السلام عارف عند هذا الحال بل، راح يتجول في ألوية العراق لإلقاء الخطب يطمئن أبناء الشعب العراقي، فكان يردد دائماً قول» لا طبقات بعد اليوم»، وكان دائماً يذكر أن الثورة جاءت لتحقيق العدالة الاجتماعية التي طالما أفتقدها الشعب العراقي طيلة العهد الملكي، ونادى عارف بضرورة التعايش السلمي بين العمال والفلاحين.

كانت مسألة إنصاف الفلاحين ومحاولة رفع الظلم والحيف عنهم الشغل الشاغل لحكومة الثورة، وعليه كان هديب الحاج حمود وزير الزراعة قد خرج للجمهور بأول تصريح صحفي يخص الفلاحين قال فيه: «إن الفلاح هو أكثرية هذا الشعب لذا فإن حركتنا الثورية لابد أن تكون في خدمة الفلاح ورعاية مصالحه» ومضى في القول «وبطبيعة الحال إن حالة الفلاح العامة لا تخص هذه الوزارة فقط بل، هناك مصالح تتصل بالوزارات الأخرى وإني أحاول جهدي التعاون مع بقية الوزارات» بعد ذلك يعترف بأن المشاكل التي تجابه الفلاح كبيرة، نترك أول وزير للزراعة في العهد الجمهوري يتحدث «إن مشاكل الفلاح مشاكل مزمنة معقدة طال عليها الزمن، وبعزمنا الثوري سيكون جهادنا في سبيل خدمته لينعم بطعم الحياة وحتى تكون الإنجازات عملية وعلمية»، كما بين الوزير المذكور أنه يسعى حالياً لوضع مشروع لتأمين مستوى معيشة مناسبة للفلاح بشكل يحفظ كرامته ويشعره بأنه إنسان، لأنه كان يعمل طوال العام تحت السياط مقابل عشرة دنانير فقط.

خطى هديب الحاج حمود وزير الزراعة خطوة مهمة باتجاه تلك الأهداف عندما أصدر البيان رقم 1 حول قسمة الحاصلات الزراعية، الذي حدد فيه حقوق الفلاح والملاك على حد سواء. إن أهم ما جاء في هذا البيان هو تقسيم الحاصلات الزراعية بين الفلاح والملاك مناصفة بينهما، إلا إذا جرى الاتفاق على أن تكون حصة الفلاح أكثر من ذلك فيؤخذ بها، ويتحمل الملاك رواتب وأجور وكلائه ومراقبيه وكافة أعمال المراقبة والإدارة. أما الأعمال الأخرى والتي تعود بالنفع على الطرفين كأجور الكيل فيتحملها الطرفان بنسبة حصتها. ومن الأمور المهمة التي جاء بها البيان، أن يكون الملاك مسؤولاً عن نصب المضخات وتوابعها وتشغيلها ونفقاتها، وأن وجود مضخة لغير صاحب الأرض لا يؤثر على نسبة حصة الفلاح المقررة بموجب هذا البيان.

لم يكن ناجي طالب وزير الشؤون الاجتماعية، بعيداً عن الفلاحين على الرغم من انتمائه إلى فئة السراكيل، فعند إطلالته الأولى عبر الصحف، أكد طالب على تخصيص أرض ومسكن للفلاحين، مبيناً أن هذا الأمر من شأنه أن يقف حائلاً دون استمرار الهجرة من الريف إلى بغداد، إذ ذكر ما نصه بهذا الشأن:” أعتقد أن الفلاح أذا ما أمتلك أرضاً ومسكناً وقدمت إليه المساعدات التي تمكنه من استثمار أرضه حتى يستطيع الوقوف على قدميه فإنه سوف لن يفكر بالهجرة من أرضه».

كانت من جملة ما اتخذته حكومة الثورة تجاه طبقة الفلاحين، هو إلغاء قانون دعاوى العشائر وذيوله وتعديلاته في 27 تموز 1958، وعليه أصبح هناك قانوناً واحداً تسري أحكامه في عموم العراق، هو قانون العقوبات البغدادي، وتجدر الإشارة أن الهدف من إلغاء قانون دعاوى العشائر، هو إلغاء التمييز الصارخ بين العراقيين في الخضوع للقانون. فقد حكم على الفلاحين الخنوع للعرف العشائري الذي كان يمثله الشيخ الذي غالباً ما يكون جاهلاً، وبين أبناء المدينة الذي كان الفيصل بينهم هو قانون العقوبات، لذلك عد إلغاء قانون دعاوى العشائر بمثابة تحطيم قاعدة الإقطاع القضائية في العراق. ويمكننا أن نفهم قرار تبديل أسم لواء (محافظة) المنتفك إلى الناصرية، ولواء الدليم إلى الرمادي، في هذا السياق.

كان الموقف الأهم لثورة 14 تموز تجاه الفلاحين هو إصدارها لقانون الإصلاح الزراعي رقم 30 الذي أصبح نافذ المفعول اعتباراً من 30 أيلول 1958، وبموجبه أصبح الحد الأعلى للملكية الزراعية ألف دونم من الأراضي المروية سيحاً وألفين دونم من الأراضي الديمية، وأعطى القانون، الذي يعد ثورة اجتماعية حقيقية، الجهاز الإداري مدة خمس سنوات لإكمال عمليات الاستيلاء والتمليك.

حاولت وزارة الصحة من جانبها التعويض عن حرمان القرى والأرياف من الخدمات الصحية في عهد ما قبل الثورة، فاستحدثت لذلك مديرية خاصة لصحة القرى والأرياف أنيطت بها مهمة رفع المستوى الصحي خارج المدن، وفي الوقت نفسه طلبت وزارة الصحة من مديريات صحة الألوية (المحافظات) تزويدها بالمواقع الريفية التي لا توجد فيها مراكز صحية ثابتة أو سيارة، بغية إدخالها في منهاج الإصلاح الصحي العام.

حظيت الطبقة العاملة بنصيب وافر من الاهتمام، إذ أصدرت الثورة عدة قرارات حاولت فيها رفع مستوى تلك الطبقة والتخفيف عن كاهلها بعض الشيء.كان باكورة هذه القرارات هو تخفيض ساعات العمل اليومية للعمال في المعامل الإنتاجية إلى 8 ساعات بعد أن كانت 9 ساعات.

ومما له مغزاه في هذا الصدد، أن محمد حديد وزير المالية، أعلن بعد مرور أسبوعين على حدوث الثورة، أنه بصدد إصدار نظام ضريبي جديد من شأنه أن يقيم بعض العدالة والمساواة، وعليه قدم محمد حديد مقترح بتأليف لجنة من وزراء المالية والداخلية والشؤون الاجتماعية لإعادة النظر في قانون رسوم البلديات، بغية تخفيف الرسوم على العمال والكسبة الفقراء وأصحاب المهن، والذي حظي بموافقة مجلس الوزراء.

كما أقدمت حكومة الثورة على زيادة رواتب المستخدمين على الملاك الدائم بمقدار دينارين شهرياً على أن يشمل ذلك جميع التوابع والفراشين، وجميع المستخدمين الآخرين في الخدمات المدنية والعسكرية، ممن يتقاضون راتباً أسمياً يقل عن عشرة دنانير في الشهر.

اعترفت الثورة بحق العمال في التنظيم النقابي وتشكيل نقابتهم واتحادهم العام. فقد وعد ناجي طالب وزير الشؤون الاجتماعية، وفداً من العمال بإجازة حكومة الثورة لنقابات العمال عند انتهائها من صياغة قانون العمال الجديد والذي وصفه بأنه يشتمل على امتيازات كثيرة للعمال وتضمن جميع حقوقهم.

عن رسالة (الموقف الرسمي والشعبي من سكان الأكواخ « دراسة تاريخية»)