يوم الثورة في بيت كامل الجادرجي

يوم الثورة في بيت كامل الجادرجي

بلقيس شرارة

أطلق سراح أبو رفعة(كامل الجادرجي) من السجن في شهر حزيران عام 1958، أي قبل انتهاء مدة المحكومية ببضعة أسابيع، و عادت معه بوابة الدار المؤدية للجناح الخاص به إلى نشاطها السابق. تفتح صباحاً و لا تغلق إلا ليلاً، و توالت زيارة الناس له بانتماءاتهم المختلفة، و عاد “سلمان” موظف الأمن إلى تواجده في شارع طه، يقوم بواجبه اليومي، مسجلاً أرقام السيارات الواقفة أمام باب الدار، ليبعث بها تقريراً يومياً إلى مديرية الأمن!

كانت مديرية التحقيقات الجنائية في العهد الملكي تقوم بحملة واسعة لتجنيد رجال شرطة الأمن السريين، من بين الطبقة الفقيرة العاطلة عن العمل، و التي لها معرفة و لو بسيطة بالكتابة و القراءة لمراقبة المعارضة في البلد. فجندت عدداً كبيراً منهم لمراقبة الناس و كتابة التقارير اليومية، و بثت عيونها عنهم في كل مكان، فلم تقتصر على مراقبة أعضاء الحزب الشيوعي الذين كانوا دائماً من المطاردين و المشردين، و إنما شملت جميع القوى المعارضة لسياسة النظام الملكي، من الديمقراطيين و اليساريين و البعثيين و القوميين. و قد وقع الاختيار بالصدفة على شخص اسمه سلمان لمراقبة دار كامل الجادرجي.

كان سلمان قميء المظهر، رث الثياب، يتجلى الذل على قسماته، و بؤس الفئة التي جند منها.امتهن هذا العمل البائس الذي يدر عليه راتباً بسيطاً، يقيه و عائلته من شظف العيش و الجوع التي تعاني منه تلك الطبقة التي ينحدر منها. نظرات الاحتقار لم تكن تُخفى عليه، من قبل أهالي الشارع لقيامه بهذا العمل الوضيع! فوظيفته تحتم عليه الوقوف في مدخل شارع طه، من الساعة التاسعة صباحاً حتى المساء، يتطلب واجبه اليومي تسجيل أرقام السيارات و أسماء الأشخاص الذين يزورون دار كامل الجادرجي. يقف على مقربة من الدار، يراقب الداخلين و الخارجين منها، صباحاً و مساءً، يضيف أسماء جديدة إلى قائمته، كلما شاهد وجوهاً جديدة!

تعامل معه أفراد العائلة باهمال، فالتجسس علنا كان أو سراً، لم يكن في يوم من الأيام عملاً محترماً في العراق.

و لكن اختفى سلمان فجأة من الشارع، عندما صدر الحكم بالسجن ثلاثة أعوام على أبي رفعة في عام 1956، و عاد ثانية عندما أفرج عنه في شهر حزيران من عام 1958، فاحتل سلمان ثانية مكانه المعين في الشارع، مواظباً في وظيفته، يسجل يومياً أرقام السيارات و أسماء أصحابها، ليضيفها إلى ملف مديرية التحقيقات! يكتب يومياً نفس التقارير، التي تضاف إلى ملف الجادرجي.

و دارت عجلة التاريخ دورتها المفاجئة، و جاء سلمان في صبيحة 14 تموز 1958، للقيام بعمله المعتاد، و وجد الشارع يموج بالناس، و يعج بوفود داخلة و أخرى خارجة، و تمر التظاهرات في الشارع لتحي أبو رفعة الذي أصبح رمز تلك الثورة،فاختفى سلمان عن الأنظار.

* * *

كنا ننوي رفعة و أنا، السهر في نادي المنصور ليلة الثورة. في المساء أتصل أبو رفعة تلفونياً، طالباً من رفعة آلا يتأخر في السهر تلك الليلة، لأن الوضع في العراق غير طبيعي، دون أن يضف شيئا على ذلك.

في الصباح الباكر رن جرس التلفون الداخلي ثانية، رفع السماعة رفعة، وإذا بوالده يقول: قامت الثورة من قبل الجيش و أطيح بالنظام الملكي والحكومة.

اتجهنا حالاً نحو غرفته، كان جالساً يستمع إلى الراديو يذيع بيانات الثورة. وأصغينا للبيان الأول الذي أذيع بصوت عبد السلام عارف، الذي كان يعاد بين قاطع من الموسيقى العسكرية. كان بيد أبو رفعة قلماً يسجل به الأسماء المذاعة من الراديو. لم تمض إلا ساعة حتى امتلأت غرف و حديقة الدار بالناس من كل حدب و صوب. فتركتُ غرفة أبو رفعة واتجهت نحو غرفة أم رفعة التي امتلأت بدورها بالنساء.

أمتلأت غرفته بأناس من مختلف الرتب والطبقات. شخصيات سياسية معارضة، منها ألبعثي و الشيوعي و الديمقراطي و القومي، مهنيون من جميع الاتجاهات و الملل، أكراد و شيعة و سنة و مسيحيين. كبار من الشيوخ و شباب متحمسون. أصبحت دار أبو رفعة في تلك الساعات المزار الذي يأوي إليه الناس، فهم يجهلون أسماء القائمين بالثورة من العسكريين من أمثال عبد السلام عارف أو عبد الكريم قاسم! و لكن الجميع يعرفون الجادرجي.

وغصت حتى الحديقة بحشود الناس، يتوافدون طيلة اليوم. وفد يدخل ليبارك أبو رفعة وآخر يخرج. حمزة القهوجي، مشغول في صنع القهوة العربية و تقديمها للوافدين، كراسي الحديقة لم تكف عن استيعاب الحشد الكبير منهم. فبعضهم واقف يتحدث مع مجموعة وآخرين جالسون. و امتزجت أحاديثهم بهتافات المتظاهرين الذين بدأوا يتجهون نحو الدار في شارع طه.

* * *

كان حمزة رجل وقور يحترمه الجميع، مرهف الحس، ثاقب النظر، له نظرته الخاصة، التي تعلمها من خلال تجربته التي عاشها في الجيش، إذ كان نائب عريف في الجيش العراقي و يتمتع بشخصية عسكرية محترمة. كان يراقب الداخلين و الخارجين من دار أبو رفعة، يحس بتقلبات الأوضاع السياسية و بالجزر و المدّ من خلال تلك البوابة! و كانت تعليقاته ذكية و أحياناً لاذعة، عن بعض الزوار الذين يتغيبون عن زيارة أبو رفعة، حتى يجدوا الظرف المناسب لزيارته.

كانت باب الدار هي الباروميتر بالنسبة له! فعندما ينحسر عدد الزّوار، يشعر أن الوضع السياسي في البلد متوتر، و إن السلطة الحاكمة بعيدة عن معالجة الأزمة التي تفاقمت في البلاد نتيجة احتدام الصراع السياسي الذي يبلغ الذروة أحياناً عندما تحاول السلطة حل الأزمة السياسية بإلغاء الأحزاب و تعطيل الصحف. و لكن عندما يتوافد عدد كبير من الزوّار، بما في ذلك أولئك الذين يشغلون مناصب مهمة في الدولة، يشعر حمزة عندئذ أن هناك انفراج في الوضع، و البلد بعيد عن الأزمات السياسية!

كان من واجبات حمزة إضافة للحراسة، طحن القهوة العربية و الإشراف على تخميرها بصورة صحيحة، و تقديمها للضيوف. فيجلس في الحديقة التابعة للمطبخ، أمامه الهاون الذي نستمع إلى طرقاته الموسيقية المتناوبة بين ارتفاع و انخفاض الصوت في طحن القهوة كما هي في المجالس العربية، و إلى جانبه المنقلة التي يضع فيها دلة القهوة الكبيرة على النار المشتعلة فيها، يحركها بين الفينة و الفينة، ثم يصفيها، و يسكبها في دلة الفضة الصغيرة قبل أن يقدمها إلى الضيوف بأقداح القهوة الصغيرة، يضعها بيده فوق بعضها البعض. أصبح صوت الهاون مقترن بنكهة القهوة التي تفوح رائحتها في أجواء الدار‍. أما في المساء، فقد كان سماور الشاي يحتل المركز الرئيس، فيطل شامخاً على طاولة الشاي، تحيطه باقة من الاستكانات الفارغة التي تنتظر ملأها.

عن كتاب (هكذا مرت الايام) الصادر عن دار المدى