في ذكرى إفتتاح شارع الرشيد 23 تموز 1917..خليل باشا وفتحه للشارع الجديد

في ذكرى إفتتاح شارع الرشيد 23 تموز 1917..خليل باشا وفتحه للشارع الجديد

حيدر كامل العبادي

لم تكن في بغداد طرق واسعة, إذ كانت عبارة عن أزقة ملتوية ومتشابكة ذات ممرات ضيقة تتناسبمع المشاة والعربات التي تجرها الحيوانات, للوصول إلى الأماكن المطلوبة, كالأسواق والجوامع والمناطق الأخرى,وشعر الوالي مدحت باشا(1869 – 1872) ضمن اهتماماته الاصلاحية بضرورة وجود طرق واسعة في المدينة, وحينها أمر مهندسي الولاية برسم مخطط للطريق(الشارع) المزمع شقه،

وتم إعداد ذلك المخطط,إلاَّ أنه لم ينفذ وبقى حبراً على الورق, بعد أن ترك ولايته وغادر بغداد الى الشام عام 1872,إذ في الوقت الذي كان في هي بذل جهوداً في التنظيم والأعمار كان خصومه في الأستانة يشوهون سمعته وينتقصون من شخصيته رافضين صرف الأموال على مشاريعه العمرانية والإصلاحية.

بعد تعيين حسين ناظم باشا والياً على العراق عام1910, تطلعت الأنظار تجاهه إلى ما سيعمل, سيما أنه كان مزوداً بصلاحيات واسعة من قبل الحكومة ,إذ خصصت في وقتها مبلغاً قدره(40,000)الف ليرة سنوياً للقيام بالإصلاحات في الولايات الثلاثة(بغداد والموصل والبصرة), فضلاً عن قيامه بإعطاء قرضاً وطنياً للبلدية للقيام بمشاريع عديدة, شملت الطرق, والأسواق, وتشيد المدارس, وبناء باب رئيسي للسراي، كما أمر في العام نفسهبفتح شارع النهر, الذي عد أول شارع في بغداد.

تزامن تعيين خليل باشا والياً على العراق في12كانون الثاني 1916, مع انتصارالجيش العثماني على الجيش البريطاني في معركة(سلمان باك) ومحاصرته في الكوت أواخر عام1915,ولاشتداد حدة معارك الحرب العالمية الأولى, وبروز الضعف فيطرق المواصلات بين الوحدات العسكرية, ما جعل الوالي خليل باشا يدرك ويفكر جدياً بأهمية العمل بالسرعة الممكنةلاستكمال شق الشارع الجديد لتسهيل نقل المعدات الحربية من بغداد إلى الجبهة, وكانت العرفةَ التي يعمل بموجبها الولاة في شق الشوارع اطلاق أسمائهم عليها رغبة في تخليد ذكراهم تاريخياً.أماما يتعلق بتعويض أصحاب الأملاك فإن ذلك يمكن تأجيله إلى مابعد الحرب،وقد استعان خليل باشا برئيس البلدية رؤوف بك الجادرجي وضباط الركن الألمانالذين كانواتحتإمرته لتنفيذ المشروع.

كانت أبرز الصعوبات التي واجهت الاستمرار في شق الشارع تعويض أصحاب الأملاك التي ستهدم جزئياًأو كلياً, وبعض من الصعوبات الهندسية التي تمثلت بالاختلاف في مستويات الشارع إذ بلغ من متر إلى ثلاثة أمتار, وكانت معارضة رجال الدين لفكرة هدم الأملاك الوقفية مثل سوق الحيدرخانة,وضعف الإمكانيات المالية لولاية بغداد عاملاً مضافاً إلى ذلك, سيما أن الكثير من أهالي بغداد اعتقدوا أن فوائد الشارع قد تكون قليلة, فضلاًعن عدم تصديقهم بمشاريع الولاة, وفي الأخير تقع عواقبه على كاهلهم.

استعانت بلدية بغداد بمهندسين فرنسيين لأجل حل مشكلة الاختلاف في مستويات الشارع, أما مشكلة التعويضاتفتم الاِتفاق مع أصحاب الأملاك على منح مبلغ أولي يعادل الإيجار لعام واحد وأن تُدفع لهم بقية المبالغ بعد انتهاء الحرب.

وذكر كامل الجادرجي أن شقيقه رؤوف بك الجادرجي رئيس البلدية قد غادر بغداد قبيل سقوطها بيد البريطانيين إلى الاستانة ومنها إلى برلين, بحجة الاطلاع على تنظيمات المدينة بصفته رئيساً لبلدية بغداد, وتخلصاً من الوضع الذي نشأ من جراء فتح الشارع الجديد, ولم تعوض البلدية أصحاب الأملاك أموالاً نقدية بل اكتفت بإعطائهم سندات بقيت إلى نهاية الحرب ديناً بذمتها, أما مشكلة هدم الأوقاف فقد تم هدم سوق الحيدرخانة ليلاً, بعد إن عجزت الإدارة العثمانية عن إيجاد حلاٍ له, وبعد تخطيط عرض الشارع وأستقامته ولتثبيت المساحة التي سيشملها الهدم استعملت الحبال لتأشير تلك المساحات, وقام بعض من أصحاب الأملاك المشمولة بالتهديم بدفع الرشوة إلى المشرفين على العمل لتقليل مساحة ما سيهدم من أملاكهم التي لا تدخل مساحتها بالكامل ضمن خطةالتهديم, وذكر أمين المميز أن المعاول عملت ليلاً على هدم دور وحوانيت الحيدرخانة على رؤوس ساكنيها في مشهد يدمي القلوب من دون الإصغاء إلى شكاواهم,وظلم الكثير منهم, كما جاروا على الضعيف, على عكس الذين تمكنوا من أن يرشوا من بيده الأمر في عدم تهديم منازلهم,وفي مدة وجيزة تم استكمال فتح الشارع بعرض 16 متراً, وجرى الاحتفال بافتتاحه في 23تموز 1916, يوم إعلان الدستور وحضره عدد من كبار الدولة.

أصبح الشارع ممراً عسكرياً للفيلق العثماني السادس على الرغم من عدم تبليطه,ومع دخول البريطانيين إلى العراق دخلت معهم الأفكار التخطيطية الغربية المتمثلة بشق الطرق وبناء الجسور, فأكملت فتح الشارع وأوصلته إلى الباب الشرقي، إذ قامت سلطات الاحتلال في وقتها بتسخير أعداد كبيرة من السجناء المحكومين بالأحكام الشاقة والمؤبدة لتبليط أرضية الشارع بالحجارة والصخور ثم دقها (بالمدقات) لرصفها وتعديل مستوياتها, وذلك لتسهيل تنقل السيارات العسكرية من قلعة السراي إلى القنصلية البريطانية.

يتضح لنا مما تقدم أن عدم تفكير الولاة الذين سبقوا الوالي خليل باشا في مسألة استكمال فتح الشارع, خوفاً من أن يلاقوا الصعوبات التي واجهها الوالي حسين ناظم باشا, إلاَّ أن ظروف الحرب العالمية الأولى, فضلاً عن الدور الذي قام به رئيس البلدية رؤوف بك الجادرجي بإقناعه اصحاب الاملاك في مسألة تعويض ممتلكاتهم التي ستهدم, مهدت الطريق أمام الوالي خليل باشا لاستكمال مشروع شق الشارع.

عد شارع الرشيد الشريان الحيوي لمدينة بغداد, ويقع في جانب الرصافة, ويبدأ مساره من منطقة باب المعظم ويمتد إلى منطقة باب الشرقي بطول يبلغ (3,120)متراً, وأطلق عليه تسميات عدة, ففي اثناء بدايات شقه سمي بـ(ناظم باشا جادة سي), ورفض الوالي حسين ناظم باشا تلك التسمية,وأمر أن يسمى بـ(مدحت باشا جادة سي)إكراماً للوالي مدحت باشا,وعندأفتتاحه في23تموز1916سمي بـ(خليل باشا جادة سي) وكتبت على قطعة من الكاشي المزجج وثبتت على جدار جامع السيد سلطان علي,فيما أطلق عليه البغداديون اسم(الجادة العمومية)أو(الشارع العام),كماسمي بشارع (هند نبرك) بمناسبة سقوط الكوت, وبعد أن احتل البريطانيون بغداد في 11 أذار 1917 أطلقوا عليه اسم (الشارع الجديد)و (الشارع الكبير) اقترح الجنرال مود(muod)إطلاق تسميات على بعض الشوارع والساحات في بغداد, وحملت بعض تلك التسميات أسماء للقادة البريطانيون ومن ضمنها:(شارع مود, وشارع مارشال, وشارع كوكس, وساحة أجيرتون) وغيرها, إلاَّ أنه قوبل بالرفض وجعلت مسألة تسمية الشوارع والساحات من مسؤولية البلديات المحلية..أما عن تسميته الاخيرة بـ(شارع الرشيد) فجاءت تيمناً بالخليفة العباسي هارون الرشيد وذلك عام 1932 بعد دخول العراق إلى عصبة الأمم,إذ شكلت أمانة العاصمة لجنة لإعاده تسمية الشوارع وكان من ضمنها شارع الرشيد وأطلقت عليه تلك التسمية الأخيرة, وفي 28نيسان 1932,قامت أمانة العاصمة بتعليق لوحات كتبت عليها أسماء الشوارع الجديدة,وشمل التغيير معظم محلات ومواقع شارع الرشيد, وأستبدلت من أسمائها التركية إلى العربية.

عن رسالة : شارع الرشيد 1916-1959( دراسة تاريخية )