محمد سبيلا: «فيلسوف الحداثة» يترجل عن جواده

محمد سبيلا: «فيلسوف الحداثة» يترجل عن جواده

سعيد منتسب

“ لم يكن من الذين يتعثرون في منحدرات الفكر وهم يواجهون الولادات المتعددة للأغلال، بل ظل بحركة واحدة متصلة يدافع من دون ارتباك، وبصوت عال، عن الحديقة غير المسورة للحداثة.

إنه المفكر والفيلسوف المغربي محمد سبيلا (1942 - 2021)، الذي اضطر المغاربة إلى توديعه الوداع الأخير يوم الثلاثاء الماضي، عقب إصابته بفيروس “كورونا».

قضى الراحل وقتاً طويلاً يمدد فكره عرضاً وارتفاعاً، وبكل الأبعاد الممكنة، من أجل أن يملأ المساحات الفارغة التي تؤرق مجايليه من المفكرين والفلاسفة والمثقفين، فرغم شبكة الطرق الكثيفة التي تفضي كلها بالعقل إلى الضياع، استطاع أن يوجد كل يوم في منطقة مختلفة.

لم يختبر سبيلا المقولات النظرية والمفاهيم الفلسفية من أي برج عاجي، بل كان لصيق الصلة بالأرض، يمشي في الأسواق، ويقدم تأملاته، محطماً تلك الصورة النمطية التي تجعل من الفيلسوف كائناً “ترانسانداليا” (يتخطى المكان والزمان والواقع المادي).

لقد أدرك محمد سبيلا مبكراً أن الفكر السديد لا يعني أن تخترع الغابة، وألا تجعل الآخرين يعتقدون أن الأشجار المثمرة تنبت فقط في الأعالي، وأن المنابع لا تجعل المياه ساكنة في مكانها. لم يكن من هؤلاء الذين يغتبطون أمام الإثارة التي تصنعها الذات حين تجد نفسها مجبرة على الاختلاء بنفسها من دون إمكانية فعل أي شيء.

لهذا، ظل سبيلا دائماً قوة اقتراحية، يُرى ضوءه بوضوح، ويُسمع صوته بهدوء، في الحزب الذي انتمى إليه، وفي الجامعة التي كان إحدى دعائمها، وفي مقالاته التي كانت تتميز بالاتقاد المعرفي الحاد، وفي كتبه المحجوزة للنقد والتنوير. وظل في كل هذه المحافل مهتماً بالدرس الفلسفي، وعلى وجه الخصوص بسؤال الحداثة والتحديث والدولة المدنية و”عقلنة” الخطاب الديني والعولمة وحقوق الإنسان.

علاوةً على عمله أستاذاً جامعياً في كلية الآداب بالرباط، ورئيساً لشعبة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس في كلية الآداب بفاس ما بين العامين 1972 و1980، ثم توليه رئاسة “الجمعية الفلسفية المغربية” ما بين عامي 1994 و2006، وإدارة مجلة”مدارات فلسفية” من العدد 1 إلى 18، وإسهامه في تحرير مجلة “المشروع” التي يديرها زميله المفكر كمال عبد اللطيف، علاوة على كل ذلك، كان مداد قلم محمد سبيلا سيالاً فياضاً، ذلك أنه نشر عدداً لا بأس به من المقالات والدراسات في صحف ومجلات مغربية وعربية، مثل “الاتحاد الاشتراكي” و”أقلام” و”الفكر العربي المعاصر” و”المستقبل العربي».

كما عرف بزاويته الشهيرة “مفارقات” في جريدة “الاتحاد الاشتراكي” المغربية، وأيضاً بعموده المهم في جريدة “الحياة” اللندنية، والذي جُمعت مواده ضمن كتاب يحمل عنوان: “ للسياسة، بالسياسة” الذي أصدرته دار “إفريقيا الشرق” في الدار البيضاء.

أما في التأليف، فلا يقل الأمر غزارة. وقد تراوحت كتبه بين البحث الفكري والفلسفي وكذا الترجمة، ومنها: “الإيديولوجيا: نحو نظرة متكاملة”، و”الأسس الفكرية لثقافة حقوق الإنسان”، و”زمن العولمة فيما وراء الوهم”، و”في الشرط الفلسفي المعاصر»...

كما ساهم في ترجمة أعمال فكرية مهمة، منها: “الفلسفة بين العلم والأيديولوجيا” للويس ألتوسير، و”التقنية - الحقيقة - الوجود” لمارتن هايدغر، و”التحليل النفسي” لبول لوران أسون، و”التحليل النفسي” لكاترين كليمان.

لقد صدق تلميذه ناصر السوسي حين قال: إن “محمد سبيلا كان يمثل أمام طلبته الدهشة الفلسفية الهادئة”. ألم يكن سبيلا سداً منيعاً أمام صُنّاع الظلام وزبانيته الأوفياء؟.

لقد مثّل سبيلا، بالنسبة إلى العاملين بالفكر في حقل الجامعة، رجفة الفكر الذي لا يستعمل اللغة التي تنم عن الحرج. كان “واضحاً كالماء وحاداً كالسكين”، وكان يحرص على إظهار ما لا يجوز إخفاؤه.

لا يبحث عن الرقاد في أي منخفض لينجو، لأنه يدرك، من منطلق التزاماته الفكرية والمهنية والسياسية، أنه منذور للخدمة، وأن المرح في الشمس أفضل بكثير من الارتقاء الاجتماعي خلف الحجب.

ظل الراحل الطريق السريع نحو الحداثة بالنسبة إلى المغاربة، إذ انشغل، على نحو حصري، بأسئلتها وإشكالياتها على مستوى المفهوم والتنزيل والتأثير، وكتب فيها مجموعة من المقالات والدراسات، وأفرد لها حيزاً مهماً من مؤلفاته منها: “مدارات الحداثة”، و”الأصولية والحداثة”، و”الحداثة وما بعد الحداثة”، و”دفاعاً عن العقل والحداثة”، و”مخاضات الحداثة».

إنَّ الحداثة، بالنسبة إلى سبيلا، تتميز “بتطوير طرق وأساليب جديدة في المعرفة، قوامها الانتقال التدريجي من “المعرفة” التأملية إلى المعرفة التقنية؛ فالمعرفة التقليدية تتسم بكونـها معرفة كيفية ذاتية وانطباعية وقيمية ـ فهي أقرب أشكـال المعرفة إلى النمط الشعري - الأسطوري القائم على تملي جماليات الأشياء وتقابلاتـها ومظاهر التناسق الأزلي القائم فيها. أما المعرفة التقنية، فهي نمط من المعرفة قائم على إعمال العقل بمعناه الحسابي، أي معرفة عمادها الملاحظة والتجريب والصياغة الرياضية والتكميم».

ويعتبر سبيلا أن النموذج الأمثل لهذه المعرفة هو العلم أو المعرفة العلمية التي أصبحت نموذج كل معرفة. هذا النمط من المعرفة تقني في أساسه، من حيث إن المعرفة العلمية استجابة للتقنية وخضوع لمتطلباتها، فالتقنية ليست مجرد تطبيق للعلم عبر إرادة الإنسان، بل هي ما يحدد للعلم نمط معرفته المطلوب؛ فالعلم الحديث علم تقني في جوهره، أي أنه خاضع لما تقتضيه التقنية في الدرجة الأولى».

لم يكن سبيلا معنياً بليّ عنق الحداثة، وسوقها منهجياً وإبستمولوجياً نحو متاهات التراث، وتكوين العقل العربي، كما فعل محمد عابد الجابري، الذي دعا إلى تبيئة التراث وعصرنته وتحديثه.

لم يتأثر الراحل بهذا الإغواء، ولا بجاذبية الاستغراق في النصوص التأسيسة الأولى. وبذلك، كان أقرب إلى المفكر المغربي عبد الله العروي، صاحب كتاب “الإيديولوجيا العربية المعاصرة”، الذي دعا إلى ضرورة القطيعة مع التراث والانخراط في العصر والانتماء إليه من دون إضاعة الوقت في استحضار الأرواح، وإجبارها على النطق بالأحكام بشأن ما يعتري العالم العربي والإسلامي من أزمات.

إن الحداثة هي العلم، ولا شي آخر أشد إغراء من المعرفة العلمية والتقنية لتحقيق الحداثة، لأنها وحدها من تملك السيطرة الداخلية والخارجية على الإنسان وعلى الطبيعـة. أما الاستمرار في الالتفات في التراث، والاستغراق في محاولات الفهم والتفسير من منظور ما أنجزه الفلاسفة والفقهاء السابقون، فلن يقود سوى إلى منزلق “الهويات القاتلة”، بتعبير الكاتب والروائي اللبناني أمين معلوف.

لقد انتصر محمد سبيلا، حتى ولو لم يصرح مطلقاً بذلك في حياته، للعروي على حساب الجابري، داعياً إلى إحلال ثقافة العلم محل الثقافة التقليدية وتكيفها بالتدريج، وتحويلها إلى مصدر للشرعية السياسية، وإلى نواة لـ”إيديولوجيا سياسية” واهبة للمعنى.

من هذا المنطلق، دعا محمد سبيلا، مثله مثل العروي، إلى إحداث تحول جذري على كل المستويات، واستدماج الحداثة في المعرفة، وفي فهم الإنسان وسلوكه وطرق تفكيره، وفي تصور الطبيعة، وفي التاريخ.

إنّها بنية فكرية كلية. هذه البنية عندما تلامس بنية اجتماعية تقليدية، فإنـها تصدمها وتكتسحها بالتدريج، ممارسة عليها ضرباً من التفكيك ورفع القدسية، لتجنب التلفيق والتمزقات والتشوهات على مستوى وضع البنيات وتنزيل البرامج.

لقد راهن محمد سبيلا على ركوب الحداثة للانتماء إلى العصر، وعلى مهام الفكر وأدوار المثقف في التنوير ومواجهة حراس الفكر الغيبي، وعلى السياسة الديمقراطية من أجل وجود مشترك آمن، وعلى التربية من أجل صناعة إنسان في مستوى التحديات، وعلى “عقلنة” الخطاب الديني، وعلى الانتقال الفكري نحو “ثقافة الحداثة” على المستوى السياسي والإيديولوجي. وبذلك، استحق لقب “فيلسوف الحداثة».

عن موقع الميادين