بدايات الفكر اليساري في مدينة النجف

بدايات الفكر اليساري في مدينة النجف

د . عدي حاتم المفرجي

ترجع الجذور التاريخية للوعي الشيوعي النجفي، الى أحداث (ثورة أكتوبر)تشرين الثاني1917ذات الأصداء الواسعة عند العراقيين. ولاسيما النجفيون منهم ،الذين استقبلوا أخبار الثورة الشيوعية، وأفكارها بوساطة زوار العتبات المقدسة من الإيرانيين،

وازدادت شعبية الثورة عند النجفيين بعد قيام الدولة السوفيتية الجديدة بفضح المعاهدات،والاتفاقيات السرية لدول الحلفاء، وتصل تلك الأفكار أيضا بوساطة الصحف الوافدة للعراق منها صحيفة ( حبل المتين) الصادرة بمدينة (كلكتا الهندية) والقادمة مع التجار النجفيين، وكانت تقرأ وتتداول بشكل واسع في المجتمع النجفي.

وكان النجفي الصحفي (محمد عبد الحسين) قد تأثر بالشيوعية اثر رجوعه من إيران عام 1918. إذ عاد وهو محمل بأفكارها، فطرح أفكار ثورة أكتوبر بكل صراحة في المجتمع النجفي ، وحتى الكتابة عنها في صحيفة (( الاستقلال )) النجفية وعكس فيها بعض الانطباعات الشخصية عن الثورة الاشتراكية ووصفها بأنها ((قوة لا تقاوم)) والجدير بالذكر أن الأفكار الشيوعية أخذت بالانتشار بشكل واسع في المجتمع العراقي بعد الحرب العالمية الاولى، بسبب دخول الكتب والصحف والمجلات العربية والأجنبية ذات الموضوعات المختلفة، فظهرت المكتبات العصرية في بغداد التي اختصت باستيراد المصادر المهمة بالفكر الشيوعي ومنها ((المكتبة العصرية)) والواقعة في سوق السراي لصاحبها (محمود حلمي) و ((المكتبة العربية)) لصاحبها (نعمان الاعظمي) و ((مكتبة مكنزي)) لصاحبها (دنون مكنزي) الاشتراكي النزعة والفكر،لهذه الأسباب اخذ العراقيون يتعرفون على أسماء وأفكار كتاب الاشتراكية بما فيهم(نقولا حداد و فرح انطوان و فليكس فارس وغيرهم).

وكانت نداءات (لينين) تقرأ وتسمع أيام اندلاع ثورة العشرين في العراق ومنها نداء يحمل روح الثورة والتحريض:((.. أيها المسلمون في روسيا أيها المسلمون في الشرق في هذا الطريق الذي نسير به نحو عالم جديد ننتظر منكم التأييد والمساعدة..)) بل ان البريطانيين اكدوا في تقاريرهم على تأثير ذلك التوجه على العتبات المقدسة ومنها مدينة النجف الاشرف، فقد ورد في تقرير 27 اذار1920التأكيد على أن : ((الأدبيات البلشفية وأنباء الأحداث الجارية في روسيا تناقش في العتبات المقدسة ..وبوساطة الحجاج (الزوار)القادمين عن طريق حلب وقع كتاب ( مبادئ البلشفية) بيد محمد رضا بن محمد تقي الشيرازي)) وجزم ذلك التقرير أن (محمد رضا الشيرازي) أفتى بان البلاشفة هم((أصدقاء الإسلام)) وهو يعكس حال ثورة العشرين التي كان للنجفيين نصيب كبير في شرارتها.

أرسل المتأثرون بالشيوعية من النجفيين برقية استغاثة للحكومة الشيوعية السوفيتية بتاريخ 15 تشرين الثاني 1921 سمي بـ (نداء النجف) بوساطة القنصلية الروسية في طهران، وكان نداء استغاثة يحث السوفيت على الوقوف إلى جانب العراقيين في مواجهة الاحتلال البريطاني وتوجهاته السياسية في المنطقة، فضلا عن الشكوى من اعتداءات الحركة الوهابية ، وهذا النداء يوضح نمو الشيوعية في مدينة النجف الاشرف .

أصبحت المدن العراقية في أواخر عشرينات القرن العشرين ذا تمايز طبقي واضح وبسيط ،وأثمرت التطورات الاجتماعية عن حركة اجتماعية تبلورت عنها ((الطبقة العاملة)و(النخبة المثقفة)) اللتان أكسبتا المدن العراقية قوة في وزنها الاجتماعي، وتفوقا» على المؤسسات التقليدية (الدولة والمؤسسة العشائرية) وظهر الشباب المثقف في المدن العراقية، ومنها النجف الاشرف، فكانوا يتساءلون عن أمور غير معروفة وجديدة منها ( ما التقدم العلمي الاجتماعي؟ والصراع الطبقي؟ والعقلانية؟ والحرية وقضايا الابداع؟ وإنصاف المرأة وحقوقها) وكانوا محتاجين دوما إلى الجديد من الأفكار هذا العوز الفكري قد دفع الشباب إلى تقبل الأفكار الجديدة الطارئة، كالشيوعية ، وعلى سبيل المثال قام مجموعة من الشبان النجفيين بتأسيس ( العاصفة الحمراء) في أوائل عام 1930وهي منظمة سياسية ذات ميول شيوعية ومن مؤسسيها (علي محمد الشبيبي وهادي الجبوري ومرتضى فرج الله) وكانوا يتبادلون الكراسات الاشتراكية الماركسية القادمة من بغداد بوساطة (احمد جمال الدين وصادق كمونة) اللذين كانا على علاقة بالشيوعيين (يوسف إسماعيل يوسف وعبد القادر إسماعيل) وهما اللذان يزودان الجماعات الشيوعية في بقية المدن العراقية بالأدبيات، والمطبوعات الشيوعية المختلفة.

وكانت البدايات الأولى لتكوين (الحزب الشيوعي العراقي) تعود الى قيام( يوسف سلمان يوسف) الملقب بـ (فهد) عام 1933 بالعمل الجاد لتشكيل الخلايا الحزبية في العراق ألا انه قد اعتقل، واتهم بالعمل في الحركة الشيوعية المحظورة، وعلى اثر ذلك قرر بقية الشيوعيين توحيد جهودهم فعقدوا اجتماعا» تأسيسيا» في 31 آذار 1934 وأعلنوا فيه تشكيل منظمة شيوعية أطلقوا عليها – للتضليل- ((لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار)) وانتمى اليها الشيوعي النجفي ( مهدي هاشم) الذي ولد في مدينة النجف الاشرف عام ( 1908 ) من ام عربية واب تركي، عمل كمعلم ابتدائية، ثم عامل لاسلكي، ومساعد رئيس محطة في السكك الحديدية العراقية، وتحصيله الدراسي ثانوي، فضلا عن حصوله على دوره في التشغيل اللاسلكي ، كان والده فلاحا» بسيطا»، ويعد من مؤسسي( الحزب الشيوعي العراقي) تعرض إلى فقدان الجنسية العراقية عام 1937 حكم غيابيا بالإعدام، وهرب إلى موسكو ، وعمل في المحطة الإذاعية موسكو 1953- 1958 .وهي منظمة تطورت عام 1935 إلى (الحزب الشيوعي العراقي) وبعدها ازداد النشاط الفكري السياسي من القومية والشيوعية،ولاسيما بعد ظهور هذا الحزب وأصبح صورة ((جديدة للوعي السياسي في العراق)).

وكان البيان الأول (للحزب الشيوعي العراقي) في 21 آذار 1935 يحمل عنوان ((ماذا نريد))اذ وجد منتشرا» في شوارع مدينة النجف الاشرف، وهو - دليل على وجود نشاط متميز للفكر الشيوعي في المدينة- ومما جاء فيه: ((... ونحن دافعو الضرائب الجياع إنما هي ثورة من الصميم علة قوامها في صدورنا سنين عديدة وهي ألا تتفجر لترضي وتشبع جشع أشخاص معدودين الهاشمي والمدفعي والسعيد والأيوبي والعسكري وغيرهم، كلهم جربوا وكلهم جاءوا إلى الحكم فلم يحدث أي تبديل ملموس..)).

وبسبب ذلك النشاط الشيوعي المتميز،والمبكر، عمدت الحكومة العراقية إلى تشديد الضغط على رجالات الوعي الشيوعي في مدينة النجف الاشرف العراقي، فهرب النجفي الشيوعي (مهدي هاشم) إلى إيران عام1937.

عن رسالة ( الاتجاهات السياسية في مدينة النجف المقدسة 1954-1963 )