الأرض اليباب

الأرض اليباب

سلام خياط

بعض الكتب تنوشها الشيخوخة ، بلى،، بعدما أتخمت قراءة أو عرضاً .. إستهجاناً، او إستحساناً.. من بين تلك الكتب التي أودعتها الكيس الذي ذهبت به لمخزن ( الإحسان )

كتاب طيف ملون ،، لمؤلفته ( كارول سيمور )،، عن سيرة الشاعر : تي .إس .إليوت .

أودع الكتاب بتصفح أوراقه ، وقراءة الحواشي المرسومة على صفحاته،،، آجتزئ منها بعض النفثات قبل ان يفارقني الكتاب ـ أو أفارقه ـ دونما رجعة !

كتاب مختلف منذ صفحاته الآولى .فقد تعرض بشكل تفصيلي لعلاقة الشاعر بزوجته (فيفيان وود ) وعلاقة الزوجة بالفيلسوف (برتراند راسل ) غض الشاعر عنها الطرف ظاهرياً ووجدها تنبع في قصائده كنافورة ماء .

إذا كان الشاعر في غنى عن التعريف لكثير من المثقفين في أوروبا وأميركا ..فهو أيضاً في غنى عن التعريف لجمهرة كبيرة من المثقفين العرب ،، سواء منهم الذين جاهروا بغموضه .أو الفئة التي وصمت بالتأثر الفاضح به بإستعارة صوره كبدر شاكر السياب في العراق ، أو صلاح عبد الصبور في مصر .

تعزي مؤلفة الكتاب برودة العاطفة لدى الشاعر إزاء زوجته كنتيجة لتجربة تعرض لها .. والتي ستدمغ ببصمتها العميقة على مشاعره وسلوكه … بعد تعرفه على شاب يشاركه النزل وإسمه (جان فرديناند )،، والذي قضى نحبه في إحدى الغارات .. حل موت فرديناند كالصاعقة على إليوت .. فكتب أشهر قصاائده ( الأرض اليباب )من وحي ذاك الغياب . اما زوجته ( فيفيان وود )المليحة فقد تعرفت على الشاعر حين إنتسب لجامعة اوكسفورد لدراسة الفلسفة كانا في السادسة والعشرين من العمر …. بعد أسبوع من زواجه ، دعا الشاعر أستاذه ( راسيل ) لزيارته في شقته والتعرف على عروسه .. تلك الزيارة ، قلبت حياة الزوجين رأسا على عقب ..فعلى الرغم من ضآلة حجم ( راسيل ) وقصر قامته وذقنه المتدلي ، وأسنانه المنخورة الصفراء . إلا أن سحره كان طاغياًعلى كل من عرف من النساء.

منذ الأيام الأولى ، شجع (راسيل) الزوجة الشابة لإقامة علاقة عاطفية معه ، ووجدها(إليوت ) فرصة سانحة للتخلص من أعبائه الزرجية …ثم ابتهلها منة من السماء حين دعاه ( راسيل ) للإقامة معه في شقته الضيقة التي لا تتسع إلا لسرير أحادي تعتليه الزوجة فيما يتمدد ( إليوت ) قرب السلم في المدخل الصغير …

الضائقة المالية التي حاقت بالشاعر ، جعلته يتقبل عطايا راسيل بإمتنان ، ويرتضي إغراق( فيفيان )بالهدايا ، ويغض الطرف عن العلاقة التي توطدت بين الزوجة والمضيف.

السؤال الذي لا يحتاج لإجابة : هل كان ( إليوت ) يجهل ما يجري تحت سمعه وبصره ؟ أم إنه كان يعلم ويغض الطرف ؟؟

هذا ال “”غض الطرف “” كان يتفصد رموزاً ودلالات في العديد من قصائده في تلك الفترة وما تلاها ،، وقد يكون سكوت (إليوت ) يحمل أسبابه معه : أولاً — كان راسيل مرشده ،،وبمستطاعه تقديمه للمحافل الأدبية والصحافة ودور النشر ، سيما وإن تزكية الأديب للشاعر في تلك الأوساط لا يمكن أن تخيب ،، السبب الثاني : نجاح راسيل في إرضاء الزوجة المتطلبة فيما أخفق فيه الزوج .. والسبب الثالث مورد معلوم للرزق …… لم تجر الرياح بالسفينة بما يشتهي الربابنة ،، فقد تعرف البروفيسور أثناء إستجوابه — لتمزيقه الدعوة للتجنيد الإلزامي والدعوة للسلام والحض على التمرد — على إمرأة داعية مثله ، إسمها (( كوليت أونيل )) ومنذ ذلك الحين لم يعد في حياته إلاها ،، لتوضع فيفيان على الرف ،، مما جعلها تحس بالدونية ، ولتتفاقم حالتها النفسية سوءا … بعد همود الرغبة بالزوجة ، إتسع الجفاء بين الشاعر والداعية .

رغم التباعد الفيزياوي بين الزوجين .. فقد لعبت (( فيفيان )) دوراً مهما في حياة الشاعر بعدما بدأ يلمع نجمه في سماء الثقافة ،، ولطالما شوهدت في إجتماعات زمرة ٬”بلومز باري “” — ذلك التجمع الثقافي الذى ضم النخبة من مثقفي تلك الحقبة — متأبطة مسودات القصائد أو محاضرات (إليوت).

على الرغم من قطع العلاقة مع ( راسيل ) إلا أن الشعور بالغضاضة - ربما من تأنيب الضمير كونه لم يوقف تلك العلاقة الآثمة ،، بل شجعها ، مستمتعاً بما كان يغدقه راسيل من عطايا وما يعد به لنوال الشهرة .. عندما أيقن ( إليوت ) إن زوجته بسورات هياجها وكآبتها ستكون عائقاً أمام صعوده المتوثب وشهرته المتعاظمة قرر الإنفصال ،، لكنها لم تستسلم بسهولة ،، كانت تلاحقه في أي مكان يلقي شعره فيه وتجلس في الصفوف الأمامية لتشاهد مسرحياته مرتين وعشرة دونما ملل … حين يئست من أسترجاعه أغرقت نفسها بالشراب وبجرعات الدواء حتى توفيت وحيدة عام ( ١٩٤٧) وظلت حتى أخر أيامها تردد - ليس الذنب ذنبه ـ .

بعد أعوام (الدعة ) وحتى وفاته عام ( ١٩٦٥ ) لم يكتب قصيدة واحدة عصماء ولا ألف مسرحية خالدة ،، وهو ما أنجزه طيلة سنوات شقائه مع (( فيفيان )) والتي قاربت السبعة عشر عاماً…

على الرغم من ضخامة حجم الكتاب (( ٦٨٠ ))صفحة ، ورغم إنحسار عدد قراء الكتب الورقية أمام إكتساح الإنترنيت ،، فإن العجب حقاً أن يقبل القراء على إقتناء الكتاب بنهم .وتسجل مبيعاته ضمن قائمة الكتب الأكثر مبيعاً … ولاعجب ،،إنه : (تي إس إليوت) شاعراً و ناقداً خادعاً ومخدوعاً ، حياً وميتاً ،، وممعناً في الحضور .

سبق ان نشر في صحيفة المدى