«الأرض اليباب” ت. إس. إليوت:لماذا هذه الترجمة؟

«الأرض اليباب” ت. إس. إليوت:لماذا هذه الترجمة؟

فاضل السلطاني

لماذا هذه الترجمة لقصيدة “ الأرض اليباب”؟ سؤال لا بد أن يخطر في ذهن أي قارىء حين يقرأ ترجمة جديدة لعمل ما. وقبل القارىء، هو سؤال يقلق المترجم نفسه، وقد يدفعه لترك المحاولة برمتها، ويريح رأسه ورأس القارئ أيضاً، الذي قد لا يكلف نفسه قراءة عمل مترجم سابقاً، تعرف عليه وألفه مهما كان مستوى الترجمة التي اطلع عليها. ويزداد الأمر تعقيداً،

إذا كان العمل قد ترجم عدة مرات من قبل، وليس مرة واحدة، على أيدي كتاب ونقاد وشعراء معروفين، قد تكفي اسماؤهم لتزكي عند القارئ ما يفعلون وما ينتجون.

لقد قال بول ريكور مرة أن الأعمال العظيمة قد شكلت على مر العصور موضوع ترجمات عديدة.

وعبر التاريخ الأدبي، نجد أمثلة كثيرة على ذلك. فقد ترجمت “ الأوديسة” لهوميروس، التي كتبت حوالى 700 سنة قبل الميلاد، عشرات المرات إلى اللغة الانجليزية منذ أن ترجمها جورج شابمان، معاصر شكسبير، سنة 1615؛ منها 27 ترجمة صدرت منذ 2000 لحد الآن بأشكال مختلفة، نثراً وشعراَ، وضمنها ترجمة إيميلي ويلسون عام 2017، وهي أول امرأة تترجم الملحمة، وترجمة بيتر غرين عام 2018. وينطبق الأمر أيضاً على الإلياذة،التي ترجمها توماس هوبز عام 1676، وإنيادة فيرجيل، وكذلك ملحمة كلكامش، التي ترجمها جورج سميث عام 1870، وتوالت الترجمات لها. وفي بداية هذا القرن، 2001، ترجمها بنجامين فوستر، المختص بالبابليات في جامعة ييل الإميركية، ثم صدرت ترجمة جديدة لها عام 2007 ، أنجزها أندرو جورج، وصدرت عن مطبعة جامعة اوكسفورد، بعد العثور على ألواح جديدة لها في سوريا تتضمن أبياتها الافتتاحية، تم تهريبها من العراق بعد 2003. ونحن نذكر الملاحم هنا دون غيرها، لأننا نعتبر، مثل كثيرين، عرباً وأجانب، “ الأرض اليباب” ملحمة القرن العشرين فعلاً، وربما تكون الملحمة الوحيدة في ذلك القرن الشقي، بالإضافة إلى الأعمال الادبية التي ترجمت أكثر من مرة إلى هذه اللغة او تلك والتي لا يمكن حصرها.

ولكن، مع ذلك، ليس هذا هو الدافع الأساسي لهذه الترجمة الجديدة لـ” الأرض اليباب”. لقد قرأنا في أوقات مختلفة منذ الستينات عدة ترجمات عربية لهذه القصيدة، ووجدنا للأسف أنها تحتوي على أخطاء كثيرة في فهم النص الأصلي وفي مواضع مهمة إلى الدرجة التي تعكس المعنى إلى نقيضه، كما سنبين في الدارسة المرفقة.

وهذا الكلام ليس المقصود منه التقليل من شأن هذه الترجمات، ولا من الجهد الكبير الذي بذله المترجمون الذين نناقش ترجماتهم هنا، وهم

:

1. يوسف الخال وأدونيس

2.لويس عوض2

3.د.عبد الواحد لؤلؤة3

4. يوسف اليوسف

5. د.ماهر شفيق فريد

6.توفيق صايغ.

لقد قدم هؤلاء جميعاً خدمة كبيرة للثقافة العربية، وللشعر تحديداً، حين ترجموا منذ وقت مبكر “ الأرض اليباب”- كما نترجمها بهذا العنوان للأسباب التي سنذكرها لاحقا، والتي ترجمها الجميع، ما عدا د. عبد الواحد لؤلؤة ويوسف اليوسف ،

بـ” الأرض الخراب”- مساهمين بذلك في إغناء تجربة الشعر الحديث، التي شكلت هذه القصيدة بشكل خاص، عنصرا ً أساسياً في تشكله وتطوره اللاحقين، كما حصل مع التجارب الشعرية الجديدة في أجزاء كثيرة من العالم.

وقد فعلوا ذلك في وقت لم تتوفر دراسات نقدية كافية عن هذه القصيدة وعالم إليوت الشعري عموماً، أو لم يتح لهم الاطلاع عليها، كما في وقتنا الحالي- يوسف اليوسف مثلا استند إلى كتاب مدرسي بسيط هو” مرشد الطالب إلى قصائد مختارة من إليوت» .

ومن هنا، يمكن تفهم الصعوبات التي صادفها المترجمون المذكورون وغيرهم في ترجمة هذه القصيدة المركبة التي هي عبارة عن قطع يبدو أن لا علاقة ظاهرية بينها، ولا نمواً عضوياً ينتظمها، لكن يوحدها، في النهاية، الموضوع العام الذي توحي به عبر استخدام ما أسماه إليوت نفسه بـ«المعادل الموضوعي»، ويعني به أنه لا ينبغي على الشاعر الحديث، بعكس الشاعر الكلاسيكي والرومانتيكي، التعبير عن عواطفه بشكل مباشر، بل عبر إيجاد مجموعة من الأشياء، ووضع سلسلة من الأحداث التي ينبغي أن تكوّن الصيغة الفنية لهذه العواطف. ولذلك لا بد من فهم القصيدة ككل فهماً دقيقاً، خاصة أنها تستند في بنيتها إلى مصادر انثروبولوجية وفلسفية وثقافية وشعرية من التراث الإنساني كله في كل سطر منها تقريباً، وتتناص مع الأساطير القديمة، اليونانية والرومانية والشرقية، مع إدخالها في النص مفردات من لغات أخرى، كالإغريقية واللاتينية والإيطالية والألمانية والفرنسية. ولهذا السبب أرفقنا بهذا الكتاب ترجمة لمعظم الفصل المتعلق بالقصيدة من كتاب” قصائد تي.أس. إليوت” لكريستوفر ريكس وجيم ماكيو. وهو سفر ضخم صدر بمجلدين عام 2015 في أكثر من 2000 صفحة، ونفد من الأسواق خلال أقل من شهر مما يدل على أن قارئ القرن الواحد والعشرين، ابن التحولات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية الهائلة، ما يزال متلهفاً لمعرفة المزيد عن عالم إليوت الشعري، وقصيدة” الأرض اليباب” بالذات، بالرغم من مرور ما يقرب من قرن على صدورها، ومئات الدراسات التي صدرت خلال هذه الفترة الزمنية الطويلة. ومن الملاحظ، حسب بيانات دور النشر البريطانية، أن الإقبال على قراءة هذه القصيدة قد ازداد بعد الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي، إلى جانب رواية” 1984” لجورج آرويل، وكأن الظروف التي يمر بها البلد الآن هي تقريبا الظروف نفسها التي مر بها في بداية القرن العشرين، وقت نشر القصيدة عام 1922: القلق، وعدم الشعور باليقين تجاه أي شيء، والمستقبل الغامض، وأخيراً صعود التيار الشعبوي، الذي لا يمكن أن ينتج سوى العنصرية والفاشية، كما تعلمنا تجربة الحرب العالمية الثانية.

في كتابهما الجديد عن إليوت، وهو كتاب عمر فعلاً، لم يبق المحرران ريكس وماكيو سطراً من القصيدة، إلا وأحالاه إلى مصادره الأسطورية والدينية ، والشعرية والنثرية، في كل التراث الإنساني وليس الغربي فقط، حتى لتتصور أن إليوت لم يفعل شيئاً من عنده سوى تجميع هذه المصادر مع بعضها البعض، على طريقة القطع واللصق الحديثة. وهو في حقيقة الأمر لم يفعل سوى ذلك، ولكن بطريقة خلاقة أصبح فيها النص نصه، نص إليوتي بامتياز. هو لا ينكر ذلك، فلطالما ردد بأن الشاعر الجيد هو من يعرف كيف يسرق، أما الشاعر الرديء فهو الذي يقلد. والسرقة التي يعنيها إليوت هنا هي استيعاب التراث الإنساني وهضمه فكرياً وروحياً إلى الدرجة التي يصبح فيها تراثك الخاص، وهنا عظمة الموهبة الفردية، سواء عند إليوت أو غيره من الشعراء. والتراث عند إليوت يعني أوروبا، الحضارة القديمة التي وصلت إلى أجزاء من أمريكا، حيث تحدر إليوت، وطقوس العيش التي كان يتوق إليها كما ظهرت في التراث الكاثوليكي القروسطي، مع أن جذورها موجودة في روما القديمة واليونان الكلاسيكية. وهو عكس إزرا باوند، ودي.أتش. لورنس،و إي. أم. فورستر، لا يشعر بالحنين إلى الطقوس الوثنية، فهو يعتبر الإغريق والرومان هم أساساً منبع الميثولوجيا، ومصدر الأدب الإنجليزي والآداب الاوروبية الأخرى”.8

من هنا يتبين لنا أن أية ترجمة لهذه القصيدة إلى أية لغة أخرى لهي مهمة شاقة حقاً، وتحد كبير بحد ذاته، لكن هذا لا يبرر، في الترجمات الني نناقشها هنا، اقتراف أخطاء عكست، وحرفت المعنى في مواضع كثيرة أشرنا إليها، وكان من الممكن تجنبها.

لقد تتبعنا ما نراه أخطاء، أو تفسيرات خاطئة، وثبتنا النص الأصلي وما يقابله من الترجمات الست، ومواطن الخلل فيها، ليأخذ القارئ فكرة كاملة عن طبيعة عملنا ودوافعه، وهو فهم القصيدة بصورة أفضل وأقرب للنص الأصلي ومعناه، كما قدمنا مقارنة لكل ترجمة مع الترجمات الأخرى، مشيرين للخلل فيها، مثبتين ما نراه دقيقاً، أو أقرب للدقة مع تقديم التفسيرات والشروحات، إضافة للنص الأصلي، التي تدعم ما ندعي أنه خطأ أو صواب. وثبتنا أيضاَ هوامش إليوت على القصيدة، بالرغم من أنه أبدى أسفه لاحقأ على ذلك، مفضلاً أن تقدم القصيدة نفسها، أو يتولى النقاد المهمة. ويبدو أنه فعل ذلك بناء على طلب ناشريه الاميركيين، اللذين أبلغاه بأن القصيدة المكونة من 434 بيتاَ لا يمكن أن تشكل كتاباً. وأتبعنا ذلك بهوامشنا الخاصة عن مواضع وشخصيات وأحداث وجدناها ضرورية لفهم النص.

وكان إليوت قد نشر القصيدة في مجلة” دايل”في نوفمبر/ تشرين الثاني/ من عام 1922 بلا هوامش. ولكن في العام نفسه نشرتها “ بوني وليفررايت” بألف نسخة مرفقة بهوامشه. والمسألة الأخرى التي لا تقل أهمية، إن لم تكن الأهم، هي مدى شعرية الترجمات التي قرأناها، ومدى شعرية الترجمة الجديدة. الحكم بهذا الأمر نتركه للقارىء بالطبع. وعموماً، نرجو أن توفر هذه الترجمة فهماً أفضل للقصيدة، “فكلما عرفنا إليوت أكثر كلما كان ذلك أفضل”، كما قال إزرا باوند مرة.

وأخيراً ارتأينا، أخذاً بنصيحة إليوت، أن تقدم القصيدة نفسها، وأن يقرأها القارىء العربي اولاً ككل، ويكتشف عوالمها الخاصة بنفسه. ومع ذلك، ألحقنا بها تلخيصاً عاماَ لمضامين أجزائها الخمسة قد تساعد على كشف شيء من غموضها، وبالتالي فهمها وتذوقها أكثر، بالإضافة إلى فصل مترجم، كما أسلفنا، عن تناص قصيدة إليوت مع النص التراثي الإنساني، شعراً ونثراً وفلسفة، ليتعرف القارئ العربي على مصادر القصيدة الأساسية، وأرفقنا ذلك بهوامش وإيضاحات عما نعتقده مجهولاَ عند القارئ، وكذلك التعريف بالشخصيات التاريخية والثقافية المشار إليها في النص.

 

الأرض اليباب

ترجمة فاضل السلطاني

بأم عينيّ هاتين رأيت سيبل في كيوماي

معلقة في قفص

وعندما كان الأطفال يسألونها:” سيبل، ماذا تريدين؟»

كانت تجيب:” أريد أن أموت».

إلى إزرا باوند

الصانع الأمهر

دفن الموتى

نيسان أقسى الشهور

يستولد الليلك من الأرض الموات،

مازجا الرغبة والذكرى ،

محركاً الجذور الخاملة

بمطر الربيع.

الشتاء أدفأنا، وهو يغطي الأرض

بثلج نسّاء، مغذياً حياة قصيرة بدرنات يابسة.

الصيف فاجأنا، وهو يهبط فوق “ شتارنبيرغرسي

بوابلٍ من المطر؛ توقفنا تحت أعمدة

ثم مضينا مع ضوء الشمس إلى “ هوفغاردن

شربنا قهوة، وتحدثنا لساعة.

أنا لست بروسية، بل من ليتوانيا، ألمانية أصيلة.

وعندما كنا صغاراً، نقيم في منزل الأرشيدوق

أخذني ابن عمي على زلاجة.

خفت كثيراً، فقال: ميري..ميري

شدّي بقوة... وانحدرنا.

تشعر أنك حر في الجبال.

أنا أقرأ معظم الليل، وأذهب إلى الجنوب في الشتاء.

ما هذه الجذورّ المتشبثة بالأرض، وأية أغصان تنمو

من هذه النفايات الحجرية؟ يا ابن آدم

أنت لا تملك أن تقول أو تخمن شيئاَ، أنت لا تعرف

غير كومة من الصور المهشمة، حيث تسفعك الشمس،

والشجرة الميتة لا تمنح ظلا، ولا الجندب راحة،

ولا الصخرةُ الجافة صوت ماء.

ليس سوى الظل تحت هذه الصخرة الحمراء

( تعال تحت ظل هذه الصخرة الحمراء)

لأريك شيئاً مختلفاً عن ظلك المسرع

خلفك في الصباح،

أو ظلك الذي ينهض في المساء ليلاقيك.

سأريك الخوفَ في حفنةٍ من تراب.

عليلةٌ تهب الريح

باتجاه الوطن

يا طفلتي الايرلندية

أين تهيمين الآن؟

« العام الماضي، أهديتني زنابق للمرة الأولى

« فسموني فتاة الزنبق”،

- لكن حين عدنا متأخرين من حديقة الزنبق

وذراعاكَ ممتلئتان، وشعركَ مبتلّ.. لم أستطع الكلام،

وخانتني عيناي، لم أكن

حيةً أو ميتةً، لم أعرف شيئاً

وأنا أحدّق في قلب الضياء، والصمت.كن

مقفر وخال هو البحر.

 

مدام سوسوتريس، العرافة الشهيرة،

أصيبت ببرد شديد، لكنها

اشتهرت أنها أحكم امرأة في اوروبا،

وهي تملك أوراق لعب بارعة. قالت:

هنا ورقتك، هنا البحّار الفينيقي الغريق،

(تلكما لؤلؤتان كانتا عينيه. انظر!)،

هنا بيلادونا، سيدة الصخور،

سيدة المواقف.

هنا الرجل ذو العصي الثلاث، هنا العجلة،

هنا التاجر الأعور، فارغة هذه الورقة،

شيء يحمله فوق ظهره،

ممنوع علي أن أراه. لا أرى

الرجل المعلّق. احذر من الموتِ بالماء.

إني أرى جموعاً من البشر، يدورون في حلقة.

شكراً. إذا رأيت العزيزة السيدة إكويتون،

أخبرها إني ساًجلب خريطة البروج بنفسي:

على المرء أن يكون حذراً كثيراً هذه الأيام.

مدينة وهمية

تحت الضباب الأسمر لفجر شتائي،

تدفق جمع غفير على جسر لندن، غفير جداً،

ما كنت أحسب أن الموت حصد كل هذا العدد،

كانوا ينفثون حسرات، قصيرة متقطعة،

الكلّ مسمّرعينيه على قدميه.

تدفقوا على التل ثم انحدروا إلى شارع “الملك وليم”،

حيث “ سنت ميري وولنوث” أوقفت الساعات

بصوت مكتوم عند الدقة التاسعة الأخيرة.

هناك رأيت شخصاً أعرفه، فأوقفته صائحا: “ ستتسون»

أنت يا من كنت معي في السفينة في” مايلي”!

«تلك الجثة التي زرعتها في حديقتك العام الماضي..

« ألم تتبرعم بعد؟ هل ستزهر هذا العام؟

« أم الصقيع المفاجئ أقلق مضجعها؟

« أوه، دع الكلب بعيداً من هنا، فهو صديق البشر،

« وإلا سينبشها بأظافره مرة أخرى

« أنت أيها القارىء المنافق!- يا شبيهي- يا أخي!

من مقدمة الكتاب