رائدة الفن التجريدي في العراق

رائدة الفن التجريدي في العراق

كريمة مهدي

ابتدأت الفنانة العراقية تجربتها مع التجارب المبكرة المقدمة من لدن جواد سليم وشاكر حسن وخالد الجادر وعطا صبري ونوري الراوي وإسماعيل الشيخلي وسواهم من الفنانين المبدعين .ولكن النمط الأسلوبي الذي اختارته هذه الفنانة هو الذي ميزها عن اقرأنها واكسبها هويتها الشخصية ،فلفنانة مديحة عمر تعد واحدة من الرموز العراقية التي يؤشر عليها دائما بالثناء والتقدير .

 لقد أخطت هذه الفنانة لنفسها طريقا منفتحا يسمح بمرور الأفكار والتقنيات ،وكل عناصر العمل الفني وحين اختارت التجريد بوصفه لغة تعبيرية إنما اختارت اللغة المشفرة التي تستطيع بها النطق بما لا يستطيع الآخرون ، فما هي طبيعة اللغة التجريدية عند هذه الفنانة ؟

    - إن الفنانة اختارت بعض الوحدات الصورية والإشارات المتشابهة مع الحروف في الأنساق الكتابية، فالحرف العربي يسمح بالتشاكل والتغاير كما يسمح ببناء الشكل بمعنى انه يقع ضمن احتمالات عديدة لا حصر لها ،ولكن الفنانة لا تأخذ بصورة الحرف كما هو بل تحاول إقصاء مقروئيته فتجعله تارة يشبه فوهة بوق وأخرى يشبه صورة النغمة في التونات الموسيقية .لقد أعطتنا الفنانة مديحة عمر مفتاحا كي ندخل به إلى فضاءتها وتبدو مثل هذه التشكيلات بأنها تنتسب إلى عالم الموسيقى فكيف يستطيع الفنان إحاطة اللون إلى نغمه ؟

     - هذا السؤال أجاب عنه الفنان ((فاسلي كاندنسكي )) الذي يعد من اخطر الفنانين في القرن العشرين .

لقد كان فاسلي كاندنسكي يرسم بطريقة الإصغاء إلى الموسيقى وان جل اهتمامه ينصب على جعل اللون متوافقا مع النغمة الموسيقية وفي كتابه( الروحي في الفن ) وهو عبارة عن مدونات ليومياته ونظرته الجديدة للفنون ،يقول الفنان إن اللوحة تتكون من ثلاث طبقات الطبقة الأولى هي طبقة اللوحة والطبقة الثانية طبقة الفنان والطبقة الثالثة هي طبقة المتلقي ومن خلال هذا النص يستطيع الباحث الخوض في أفرع الفنون التجريدية فالذي في اللوحة يعني هو للتاريخ وللمتحف والذي للفنان يعني التحدي البصري في الأداء الفني المتقن وإظهار الملكات المتميزة ،والذي يكون من حصة المتلقي يكون نوعا من الحيادية والوسطية التي تؤمن للمتلقي حقا في الجمال التشكيلي .ومن هذا المنطلق نرى إن اغلب لوحات الفنانة مديحة عمر تمثل نزوعا باتجاه تمجيد الصمت ووضع لغة له فالحروف العربية حين تتصل مع بعضها البعض تؤلف نصوصا لها مقرؤئية محددة وبالنتيجة ستفضي إلى وضوح القصد كما هو ،ولكن حين تتشاكل الحروف في يد مديحة عمر فان الأمر سيختلف تماما لان الفنانة تحاول حذف حق المقروئية فتكون الحروف معلقة أشبه بغسيل الثياب الموضوعة على الحبل فمقروئية النصوص بشكلها الواضح تمس قوانين اللغة ولكن استخدامها مع الألوان ومع وضع مغايرات في الترتيب سيعني خوضا بما يعتمر في سر هذه الفنانة ،وبالحقيقة إن مثل هذه التشكيلات وعلى وفق حساب سنوات انجازها الممتد إلى أكثر من نصف قرن تمثل ريادة حقيقية لا على مستوى الريادة الزمنية ولكن على صعيد ريادة الإبداع .