هكذا جمعنا قصاصات قصيدة الجواهري في الطبيب الوتري

هكذا جمعنا قصاصات قصيدة الجواهري في الطبيب الوتري

كريم مروة

كانت الأشهر الستة الأولى من عام 1949 في بغداد قبل ان أغادرها عائداَ إلى لبنان في شهر تموز تعيش تحت تأثيرات نكبة فلسطين والنكسة التي منيت بها “الوثبة». 

وتابعت في الآن ذاته علاقاتي مع المثقفين الذين كانت قد تكونت لي علاقات صداقة معهم، وكان من ضمنهم الشعراء بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وبلند الحيدري وأكرم الوتري والفنانون التشكيليون خالد الرحال ونزار سليم ونوري الراوي والأدباء عبد القادر البراك وعبد الملك نوري وذو النون أيوب وابراهيم اليتيم وناجي جواد الساعاتي.  وتابعت علاقاتي مع عائلة الأديب اللبناني العراقي محمد شرارة الذي كان قد تم اعتقاله، ومع اللبناني العراقي محمد حسن الصوري مؤسس مجلة “الحضارة”، ومع بعض الإعلاميين ممن كانوا يشرفون على جريدة “الأهالي” لسان حال الحزب الوطني الديمقراطي الذي كان يرأسه كامل الجادرجي، وجريدة “الأخبار” لصاحبها عبد الهادي الجلبي التي كنت أنشر فيها بعض مقالاتي الأدبية.  لكن علاقتي بالجواهري كانت لها منذ البداية نكهتها الخاصة.  وكان يتعامل معي أنا ابن التاسعة عشرة عاماً في ذلك التاريخ كما لو كنت واحداً من جيله.  وهو ما جعلني شديد الاعتزاز بتلك العلاقة. 

وأذكر أنني لبيت دعوة لحضور حفل تكريم عميد كلية الطب الدكتور هاشم الوتري في نادي “المسبح” في كرادة مريم جنوب شرق بغداد الذي أقيم في مطالع شهر تموز.  ذهبت برفقة الجواهري مع صديقي عزيز أبو التمن ابن جعفر أبو التمن أحد زعماء ثورة العشرين في سيارته البويك التي كان يقودها، وكان رابعنا الأديب العصامي اجي جواد الساعاتي.  أخذنا مقاعدنا نحن الأربعة في المكان المخصص لنا في النادي.  وكان الجواهري أحد الذين كانوا مدعوين للتكلم في حفل التكريم.  وكان النادي يغص بعلية القوم من كبار المسؤولين وفي مقدمتهم الوصي على عرش العراق الأمير عبد الإله ورئيس الحكومة آنذاك أرشد العمري، كما أذكر، ونوري السعيد والعديد من الوزراء.  وعندما جاء دور الجواهري للكلام ذهب شامخ الرأس وألقى قصيدة رنانة مدح فيها المكرّم وتهجم على أركان الحكم بكلام حاد وصريح لا يقبل التأويل.  وعاد إلى حيث كان في مقعده معنا نحن الأربعة.  وفور وصوله إلينا متوتراً سارع إلى تمزيق الأوراق التي تحوي القصيدة وألقاها تحت الطاولة.  وبعد لحظات انحنيت ولملمت القصاصات وووضعتها في جيبي من دون أن ألفت الأنظار.  وعدنا بعد انتهاء الاحتفال كما جئنا إليه وأوصلنا الجواهري إلى منزله، وجلسنا نحن الثلاثة في منزل عزيز أبو التمن الكائن في شارع أبي نواس نتداول في ما يمكن أن تؤول إليه الأمور بالنسبة للجواهري بعد قصيدته، ثم خرجنا كلّ منا إلى منزله.  وكنت أقيم مع عائلة حسين مروة في مدينة الكاظمية الواقعة في ضاحية بغداد الجنوبية على ضفاف نهر دجلة.

علمنا في الصباح أن الجواهري اقتيد في تلك الليلة بالذات إلى أحد المراكز الأمنية معتقلاً.  فرتّب عزيز أبو الثمن على الفور، بحكم العلاقات التي كانت تربطه بالعديد من المسؤولين، زيارة للجواهري بأمر من مدير التحقيقات الجنائية بهجت عطية.  فزرناه نحن الثلاثة عزيز وناجي جواد وأنا  في مكان اعتقاله.  وكان ذلك المكان غرفة بكاملها مخصصة له بكل ما يحتاجه من أمور حياته اليومية.  لكن الجواهري لم يبق في الاعتقال إلا أياماً معدودات لأنه لم يعترف بما اتهم به.  ولم تكن القصيدة بين يديه، ولم تحصل المخابرات على نصها.  وقمنا نحن الثلاثة بزيارة أحد المعتقلات التي كان يقيم فيها الأديب محمد شرارة وعدد من المثقفين والمناضلين الشيوعيين.  وغادرت بعد الزيارتين بغداد إلى لبنان.  وفور وصولي مع العائلة جلست مع حسين مروة وابنه نزار نرمم قصاصات الورقة التي كتبت فيها القصيدة.  وعندما أكملنا مهمة تركيبها وترتيبها ذهبت إلى جريدة «التلغراف» وقدمت لرئيس تحريرها نسيب المتني القصيدة للنشر.  وأفقنا صباح اليوم التالي على القصيدة منشورة على صدر الصفحة الأولى بنصها الكامل.  وعلمنا بعد يومين من نشر القصيدة أن الجواهري أعيد إلى الإعتقال بالجرم الذي هو القصيدة.  وهكذا كنت بالنسبة إليه المسؤول عن إعادة اعتقاله.  وهو ما اعترفت له به عندما التقينا في آخر العام ذاته لدى عودته من رحلة قادته إلى فرنسا التي أغرم بها وبإحدى حسناواتها ونظم بالإثنتين قصيدتين من أجمل قصائده.