الشعراء في سوح القضاء..عندما دافع شعراء العراق عن شاعر مجهول !

الشعراء في سوح القضاء..عندما دافع شعراء العراق عن شاعر مجهول !

رفعة عبد الرزاق محمد

يذكر الاستاذ حسين جميل في مقال له عن الحريات الصحفية في العهد الملكي:

في عهد وزارة نوري السعيد الاولى سنة 1930 تمت العديد من المحاكمات السياسية وكانت السادسة منها لكامل الجادرجي المدير المسؤول لجريدة الإخاء الوطني لسان حال حزب الإخاء لوطني، وهذه المحاكمة والتي كانت قد جرت بعد تصديق مجلس الأمة على المعاهدة، فلم تكن جزءاً من الجو الذي عملت على خلقه وزارة نوري السعيد وسيلة من وسائل لضغط لتصديق المعاهدة.

إلا أن المحاكمة لما كانت سياسية والقصيدة موضوع المحاكمة وهي بعنوان “جرس الحرس” كانت بمضامين معبرة عن المناخ السياسي الذي ساهمت المعاهدة في تكوينه وردود الفعل ضدها، اشير الى هذه المحاكمة وانا اكتب عن المحاكمات الصحفية في عهد وزارة نوري السعيد. والقصيدة وان كانت جميعها جميلة الا اني سوف اقتبس منها ما اعتبره المدعى العام في المحاكمة مكوناً لجريمة الطعن في الحكومة والتحريض على كراهيتها.

نشرت جريدة الإخاء الوطني هذه القصيدة في عدد 11 ايلول 1931 فأقامت الحكومة الدعوى على كامل الجادرجي المدير المسؤول للجريدة،  ولم ينشر مع القصيدة اسم ناظمها الصريح إنما كان التوقيع حسين، وقد قيل في الأوساط الأدبية والسياسية في حينه إن القصيدة للشاعر باقر الشبيبي، غير انها في الحقيقة لأخيه محمد حسين الشبيبي وقد سئل كامل الجادرجي في الحاكمة عن اسم الشاعر، فأبى أن يبوح باسمه وقال إن ذلك من أسرار المهنة.

في 22/10/1931 كانت الجلسة الأولى للمحاكمة أمام حاكم جزاء بغداد الأول السيد شهاب الدين الكيلاني، قال المدعى العام إن الأبيات التالية من القصيدة تنطوي على جريمة الطعن بالحكومة والتحريض على كراهيتها، الأبيات هي:

في ذمة المجد ضحايا الفراق

وفي سبيل الحق تلك الدما

بغداد يا قبلة كل الجهات

كيف استباحوك وأنت الحمى

ابعد هرون وبعد الكفاة

تلوح في أفقك هذى الدمى

********

غطت على حق البلاد الصريح

سياسة الكيد وغمط الحقوق

قالوا لنا الحلف فقلنا صحيح

مع المساواة ونبذ الفروق

لكنه صيغ بشكل قبيح

ياايها الصائغ ما هذا العقوق

فالويل من وضع هزيل طليح

ولعنة الدهر لأهل المروق

ان خمدت حرب فذي الثانية

يوقدها الإثم والمذنب

سوف نراها في الدنى حامية

يصلى بها المشرق والمغرب

فالأمة الساهرة الواعية

تلعب بالنار ولا تغلب

إياكم والنعمة البالية

والفرصة العرضية بلا رقب

( انتهى حديث الاستاذ حسين جميل ) .

ان تفاصيل هذه المحاكمة التي اعدها من صور الصراع من اجل الديمقراطية في العراق في فترة مبكرة من الحياة السياسية في العراق الحديث ، كانت كالآتي :

نشرت جريدة الاخاء الوطني العدد (36) الصادر في 11/ ايلول 1931 قصيدة عنوانها “جرس الحرس» بتوقيع مستعار هو «حسين» فاستشاطت السلطة التنفيذية غضبا ومما ضاعف غضبها انها نشرت في جريدة تنطق بلسان الحزب المعارض الذي يتزعمه ياسين الهاشمي فاوعزت الى المدعي لاقامة الدعوى ضد الاستاذ كامل الجادرجي المدير المسؤول للجريدة لنشره قصيدة فيها طعن وذم للحكومة القائمة يومئذ.

وحين عرضت الدعوى امام محكمة جزاء بغداد طلب حاكمها السيد شهاب الدين الكيلاني تعيين خبير لذلك فهو يكلف المدعي العام والمدير المسؤول ان يتفقا مع الخبراء فذكر الاستاذ كامل الجادرجي اسم الاستاذ جميل صدقي الزهاوي والشيخ محمد رضا الشبيبي فاعترض المدعي العام على ان يكون الخبير من المنتمين الى الاحزاب السياسية ورغب في تعيين الشاعر معروف الرصافي فاعترض الجادرجي على ترشيح الرصافي بصيغة كونه من “حزب العهد” فابان المدعي العام بان الرصافي لا ينتمي الى حزب فاجابه الجادرجي اذا كان الرصافي غير منتم الى حزب فهو بلا مؤيد للوزارة الحاضرة وقد بلغني ان الحكومة اسلفته مبلغا من المال لطبع ديوانه واني اعد هذه منفعة تمنع الشهادة.

والحقيقة ان الجادرجي اخطأ حين قال ان الرصافي منتم لحزب العهد ومؤيد للوزارة القائمة وهل فاته ان الرصافي كان اول من عارض المعاهدة التي عقدها نوري السعيد مع الحكومة الانكليزية في حزيران 1930. واذا كانت بين الرجلين مودة قديمة فلا يعني هذا بالضرورة ان يكون مؤيدا له في مواقفه السياسية فالولاء السياسي شيء والعلاقة الشخصية شيء اخر.

وبعد نقاشات اتفق الطرفان على تعيين الشاعر جميل صدقي الزهاوي . ولما ازف موعد الجلسة الثالثة حضر الخبير جميل صدقي الزهاوي ووضع له كرسي نظرا لضعف جسمه وبعد اداء اليمين القانونية والاجراءات الشكلية سأله الحاكم :

هل وجدتم في هذه القصيدة طعنا وذما ،فاجاب الزهاوي: لم اجد. فقال له :الحاكم هل تقدرون ان تبينوا مطالعتكم الشخصية في هذه القصيدة فشرع الزهاوي بالقاء مطالعته الشخصية ممهدا بتوطئة عن الشعر وانه لغة الروح كما ان النثر لغة العقل وطريقته في الافهام غير طريقته واسلوبه غير اسلوبه وهو اكبر مرب للنشء على الاخلاق الفاضلة والخصال الحميدة كالشجاعة والمروءة وعزة النفس والشاعر لن يستطيع ان يؤدي وظيفته الاصلاحية الا اذا كان حرا طليقا في ضمن حدوده والنشء الذي لا تغرس فيه منذ نعومة اظفاره الخصال المطلوبة يشب وليس فيه من الشجاعة ما ينهض به للدفاع عندما يكون الوطن العزيز محتاجا اليه وفي فقدان هذه الخصال من الكوارث التي تثبط العزائم في الامم التي تريد لتحيا مستقلة. فالشعر للسجايا كالعلم للعقول ولما كان الشعر مقيدا بالوزن والقافية كان مجاله ضيقا لذلك يكتفي في الغالب بالاشارة وهي ابلغ من التصريح.

ولما كانت قصيدة “جرس الحرس” تتكون من ثلاثة عشر مقطعا وكل مقطع يتألف من اربعة ابيات فقد اعترض المدعي العام على اربعة مقاطع منها كسبب للادانة وهي المقاطع: الثاني والثالث والثاني عشر والثالث عشر، وبعد ان شرح الزهاوي هذه المقاطع وبين خلوها من كل طعن او ذم يوقع المدير المسؤول تحت طائلة المادة 89 من قانون العقوبات البغدادي فاصدرت المحكمة حكمها الاتي برد الدعوى والذي جاء فيه.

«بعد ان نظرت المحكمة في طلب المدعي العام واستمعت الى اقواله وبيانات كامل (بك) الجادرجي ودفاع محاميه السيد سلمان الشيخ داود وكذلك استمعت الى شهادة حضرة الاستاذ الزهاوي فتبين لها نتيجة هذا التدقيق ان القصيدة لم ينشرها المدير المسؤول ولا اذاعها ناظمها بقصد اثارة الكره والبغضاء ضد الحكومة ولما كانت المحكمة تعتقد ذلك فقد قررت رد الدعوى وقررت الافراج عن المشتكى عليه “(جريدة الاخبار، العدد 82، الاحد 8 تشرين الثاني 1931) .

وهكذا افرج عن هذه القصيدة التي احدثت دويا كبيرا في البلاد وقد ذكروا ان العدد الذي تضمنها من جريدة الاخاء الوطني قد طبع ثلاث مرات . وقد تبين فيما بعد ان الشاعر احد افراد الاسرة الشبيبية الكريمة وهو المرحوم محمد حسين الشبيبي ، بعد ان اعتقد الكثيرون ان الشاعر هو الشيخ محمد باقر الشبيبي ( شقيق الشاعر الحقيقي ) .