حياة ثوري ارتقت الى مصاف أسطورة

حياة ثوري ارتقت الى مصاف أسطورة

ترجمة: عباس المفرجي

اسم الكتاب: ليون تروتسكي: حياة ثوري

المؤلف: جوشوا روبنستاين

((تفسير للقرن الحادي والعشرين)) يقول التعريف على غلاف الكتاب الورقي. كان رد فعلي الأول تساؤلا عمّا إذا كان القرن الحادي والعشرين يحتاج الى تفسير جديد لتروتسكي، أو حتى إن كان تروتسكي بحاجة الى سيرة جديدة عنه. لدينا مسبقا المجلد الكلاسيكي الثلاثي الأجزاء لإسحق دويتشر، ووجهة نظر روسية (سوفييتية سابقة).

من ديمتري فولكوغونوف، وفقط قبل بضع سنوات، كتاب عن قاتله من تأليف برتراند بانيود وسيرة روبرت سيرفز، متوسطة الحيوية، ربما، لكنها بحث غني وأكبر مرتين من هذا الكتاب الجديد لروبنستاين.

مع رحيل الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة، السؤال القديم ما إذا كان تروتسكي سيؤدي وظيفته أفضل من ستالين، لو قُدِّر له النصر في صراع الزعامة في العشرينات، فقدَ بعضا من بريقه ؛ على كل حال، الدليل على ان تروتسكي، كذلك، كان سيمارس عنفا متطرفا، يبدو غامرا. في المشهد العالمي، حلّ الإرهاب الاسلامي محل التهديد الشيوعي، بحيث انه شغل بال العالم الغربي، خصوصا الولايات المتحدة، في فترة مابعد الحرب الباردة. في روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي، حالة تروتسكي كعدو للشعب رقم واحد تم نسيانها تماما. حين تقصّيت عن تروتسكي في غوغل الروسية، الشيء الرئيسي الذي وجدته عنه كان بأنه كعشيق فريدا كالو لفترة وجيزة في المكسيك، فهو واحد من شخصيات فلم”فريدا”(2002)).

بنظرة أكثر قربا الى كتاب روبنستاين، لاحظت شيئا يبعث على الاستغراب: إنه نُشِر في سلسلة”حيوات يهودية”، الى جانب كتب عن الملك سليمان وموسز مندلسون. ربما هذا هو التفسير الجديد للقرن الحادي والعشرين، كما تحزرت: قد يكون هذا عسيرا على تروتسكي، بما انه كان يعبّر باستمرار عن كرهه لتصنيفه كونه يهوديا، لكنه بلا شك متفق مع نزوع هذا القرن الى الرؤية بموشور يهودي للتاريخ والشخصيات التاريخية.

يثبت في النهاية، بأي حال، أن روبنستاين لم يمش حقا في درب”حيوات يهودية”. مع مزيج دقيق من الاحترام والندم، يسلّم بعناد تروتسكي وثباته على رفض اليهودية كهوية ولا يحاول الضغط عليه في هذا الموضوع. كي لا ينسى، يومئ بين الحين والآخر الى موضوع”حيوات يهودية”، مشيرا الى مناسبات مختلفة كان تروتسكي يكف فيها عن تعريف نفسه كيهودي، لكنه يفعل ما بوسعه لتحديد شيء ما يهودي في تعليقاته الغاضبة على محاكمة القاتل اليهودي لبيليس (التي اثارت غضب الجميع في اليسار)، ومسلكه في مطعم يهودي في البرونكس (رفض أن يمنح الساقي بقشيشا، لكن ذلك كان يبدو مسألة مبدا أكثر ما هو إقرار بالتضامن الإثني). عموما، يترجم روبنستاين، على كل حال، حياة تروتسكي كحياة يهودية فقط من ناحية أنه ينحدر من ابوين يهوديين وان الاخرين ــ بوجه خاص النازيين ــ كانوا يرونه يهوديا ويؤمنون أن العرق دسّاس، مهما يكن.

بدأتُ بكتاب السيرة هذا بمزاج من الشك، بفضل تأطير الناشر له، لكنه في الواقع مقروء ومتوازن معا، فهو تفسير معقول ظاهريا للرجل في زمانه. روبنستاين ليس مواليا لأي جانب في حروب تروتسكي. إنه يرى الأشياء التي تعجبه في تروتسكي والأشياء التي يأسى لها. بسعيه الى فهم كيف كان تروتسكي يرى العالم، بينما هو لا يشارك هذه الرؤية، يبلغ مزيجا من التعاطف والبعد النقدي اللذين يحتاجهما كل كاتب سيرة جيد.

يعرض لنا كتابه تروتسكي في شبابه، متألقا ومتغطرسا،الثائر، على نحو مذهل، في المناسبة الثورية في عام 1905، ثم ثانية في عام 1917. إنه يعرض لنا تروتسكي مهندس الانتصار في الحرب الأهلية، مع التقدير لصلابته وحجم إنجازه كقائد حرب. وهو يعرض لنا تروتسكي السياسي قليل الكفاءة في الصراع من أجل الخلافة، مكبوحا، بسبب الكبرياء أو شيء آخر، من التحرك للمطالبة بعرش لينين، والذي يبخس قدر ستالين لأنه لم يكن من نوع تروتسكي المثقف. (بالطبع، هذه التفسيرات ليست جديدة لكنها معقولة ومطروحة للنقاش بأفضل صورة). نرى تروتسكي، المفعم بالسخط الشديد، أول من يُنفى الى آلما- آتا، ثم يُطرد من الاتحاد السوفييتي، ليواجه الصدّ من نظام ديمقراطي اوروبي بعد الآخر حين قدّم طلبا للإقامة.

الحدث الأخير تمّ في المكسيك، فبعد مطاردته لسنوات، اقدم واحد من عملاء ستالين على قتله بمعول ثلج في عام 1940. في كتابه، يقلل روبنستاين من شأن الصدمة من خلال تضمينه اكتشافا جديدا: أمنية تروتسكي اليائسة في الحصول على تأشيرة دخول الى امريكا، التي قادته الى اقتراح القيام بمحادثات، ليس فقط مع السفارة الامريكية في مكسيكو، بل أيضا مع مارتن ديس من إدارة لجنة النشاطات غير الامريكية. (الاكتشاف لوليام تشايس، كما ينسبه اليه روبنستاين).

لكن روبنستاين لم يكن يرغب في الحط من شخصية تروتسكي: بالأحرى، أنه يرى في حياته تراجيديا بالمعنى الكلاسيكي ــ شيء نشأ على نحو متصلب من نوع الشخص الذي كان عليه. لم يمكنه أبدا أن يعلن ارتداده عن الثورة، و ((هذا الولاء الذي لا يقبل الشك، رغم كل المعاناة التي ابتلي بها، وتحمّلها، يشكّل جوهر المأساة في واقع حياته)).

انتهى بي الأمر الى الموافقة تقريبا على الزعم بأن هذه السيرة هي ترجمة عن تروتسكي للقرن الحادي والعشرين ــ بمعنى ــ تفسير لعالم ما بعد الحرب الباردة الذي كان تروتسكي فيه جزءا من التاريخ، لا السياسة. ربما روبنستاين نفسه هو رجل القرن الحادي والعشرين الذي لازالت الثورة الروسية تعني بالنسبة اليه الكثير، لكن سيرته المتوازنة وغير المتحزبة تخبرنا بأننا جميعا في عالم ما بعد القرن العشرين، الذي انتهى فيه الاتحاد السوفييتي والشيوعية العالمية (في عبارة تروتسكي) الى كومة رماد في التاريخ، مخلفة فقط بضعة شخصيات عظيمة، تحوّلت الى اسطورة، محلّقة فوق الحطام.

منهيا هذا الكتاب، رأيت مستقبلا لتروتسكي في سيرة حياة رائجة كسيرة نابوليون في القرن العشرين، البطل المتصدّع الذي يحلّق وفي النهاية يتحطم. نابوليون لا يُنسى، ولو فقط بمزية هروبه من إلبا ؛ نفس الأمر يجري على تروتسكي ولو فقط بسبب معول الثلج. بالارتقاء الى مصاف اسطورة على مرّ العصور، تجاوزت حياة تروتسكي زمنه. هذا ربما كان سيرضي غروره، لكنني أميل الى الاعتقاد بأنه كان سيزعجه، كماركسي جدّي، بالقدر الذي سيزعجه تضمينه في”حيوات يهودية».

عن صحيفة الغارديان