كاظم سعد الدين والأدب الشعبي قراءات حصيفة.. وجهد دؤوب

كاظم سعد الدين والأدب الشعبي قراءات حصيفة.. وجهد دؤوب

د. علي حدادد. علي حداد

تثير تجربة الأستاذ (كاظم سعد الدين)(1)في الاشتغال على التراث الشعبي وسواه من آفاق الثقافة الاهتمام ورغبة التأمل المعجب، فهي مثال ناضج لمشروع ثقافي خصيب أنجزته شخصية متسعة المعارف والإمكانات والعطاء، شخصية تهيأ لها أن تضع في أفق التلقي جهدها السخي في مجالات التراث الشعبي والترجمة، وفي أدب الأطفال وثقافتهم، وبعطاء موسوعي متواتر، بدا فيه وكأنه من إنجاز مؤسسة ثقافية أكثر منه جهد شخص واحد.

ولعله من غير المتيسر لنا في هذه الحيز أن نذكر جميع مؤلفات الأستاذ (كاظم سعد

الدين)، ولذا نكتفي بالقول أن كتبه المطبوعة نافت على مئة وخمسة كتب،في تلك

المجالات مارة الذكر، فضلاً عن أخرى لما تزل تنتظر النشر.

لقد تبوّب نشاطه الكتابي والتأليفي منذ البدء ـ وبخطوط ثقافية متوازية ـ بين هذه الحقول الثلاثة، وهي خطوط معرفية تكاد تكون متواشجة عنده. ويبدو أن دراسته المبكرة للأدب الانكليزي ـ قبل أن يتبناها مساحة اشتغاله الثرّ في الترجمة(2)ـ هي التي جعلته يتنبه لمضامين الأدب الشعبي، وفي ذلك يقول:» لم تكن الترجمة هي التي لفتت انتباهي إلى الأدب الشعبي بل دراسة الأدب الأجنبي كله حين كنت في دار المعلمين العالية قسم اللغات الأجنبية، حيث كان من مواد دراسة الأدب العالمي أساطير يونانية ورومانية وأساطير من الدول الاسكندنافية وبريطانيا «(3). ولعل ما تخبر عنه تلك الأساطير هو الذي فتحت عينه على ماحوله من مضامين تراثية محلية تبدو قريبة ـ في عوالمها ـ من ذلك الذي درسه، فسعى إلى جمع ما يتناهى إليه منها وتدوينه في دفاتر خاصة وفي ذلك يقول:» في سنة 1956م واتتني فكرة تبويب مواد التراث الشعبي العراقي وتسجيلها على أمل إصدارها في كتاب «(4).

وإذا كان مصب حديثنا هنا سيكون عن جهوده في التراث الشعبي ـ جمعاً وتوثيقاً ودراسة ـ فلعل المتأمل لما أنجزه سيجد مؤلفاته قد استوعبت مجمل قضايا هذا التراث وموضوعاته ومضامينه من خلال عشرات الكتب المؤلفة والمترجمة ضمن عطائه المعرفي المتسع.

لقد أنجز هذا الباحث الموسوعي ـ وفي مجال التراث الشعبي وحده ـ المؤلفات الآتية:

ـ الحكاية الشعبية العراقية- دراسة عامة 1972م.

ـ موتيفات (جزيئيات) الحكاية الشعبية العراقية 1974م.

ـ الحكاية الشعبية العراقية وعلاقتها بالحكايات الأجنبية 1977م.

ـ الحكاية الشعبية العراقية، دراسة ونصوص 1978م.

ـ الحكاية الشعبية العربية وأثرها في الحكاية الأجنبية 1980م.

ـ فهرسة الحكاية الشعبية العراقية وجزيئاتها 1985م.

ـ أغاني الأطفال الشعبية في العراق 1988 م.

ـ الوسائل المعنية والمحيطة للبطل في الحكاية الشعبية 1989م.

ـ الياس والياسمين (حكايات شعبية عراقية) 1995م.

ـ القصاص والمذكرون في الجاهلية والإسلام 1996م.

ـ أنواع الغناء البدوي في العراق 1997م.

ـ معالم التراث الشعبي (20) بحثا (سجلت في الانترنت)مترجم).

وبمجرد تأمل المؤلفات أعلاه سنجد أن مرتكز اشتغاله الأساس انصب منذ البدء ـ وتواصل لاحقاً ـ على (الحكاية الشعبية)(5) أكثر من سواها من الأنواع الشعبية الأخرى، وهو توجه عززته عنده عوامل بيئية واجتماعية، فقد كان لمحيطه الاجتماعي الشعبي الذي عاش فيه ـ وفي أكثر من بيئة ـ ووجود كثيرين ممن يهتمون بالحكاية الشعبية ويرونها ـ ولاسيما النساء وكبيرات السن منهن خاصة ـ مصدر انشغال له بالإصغاء إلى ما يحكينه، ثم تدوينه بنية إصداره في كتاب خاص، وهو ما تحقق له، ولكن بعد سنوات، حين أنجز كتابه (الحكاية الشعبية البغدادية ـ دراسة ونصوص)سنة 1961م(6).

ولاشك في أن الأستاذ (كاظم سعد الدين) على بينة من وجهته المنشغلة بالحكايات الشعبية أكثر من سواها،ليبررها بالقول: « أنا لا أبخس الأجناس الأخرى من التراث الشعبي حقها ولكن لها دارسوها المتمكنون». ويضيف:» أما الحكاية الشعبية فقد وجدت أنها لم يدرسها أحد دراسة متأنية ودقيقة ومستفيضة بحسب أصنافها العلمية. فضلاً عن أن نصوصها أسهل تسجيلاً وأقل تطلباً للدقة الأسلوبية من الشعر الشعبي الذي لا يمكن إغفال ألفاظه وأوزانه وقوافيه وأموره الفنية الأخرى، لذلك أستطيع أن أقول إن الحكاية الشعبية نالت مني نصيباً كبيراً في تتبعها، وفي مناطق مختلفة من العراق والبلاد العربية والعالم فجمعت معظم أصناف الحكاية الشعبية العراقية بعدة نصوص متقاربة أو متباعدة، حسب بيئتها ومكانها وزمانها. وبذلك يمكن أن أقول إنني وضعت الحكاية الشعبية العراقية على خارطة الحكاية العالمية»(7).

لعل مضامين كتاب الأستاذ (كاظم سعد الدين) الموسوم (معالم مضيئة من التراث الشعبي) ـ بأجزائه الثلاثة التي صدرت العام 2008م ـ تفصح عن طبيعة الرؤى والاشتغالات التي تبناها في الكتابة التراثية التي امتدت لأكثر من ستين عاماً قبل صدور هذا الكتاب، حيث قدم تبويباً تفصيلياً لمجالات التراث الشعبي، كان مثاله فيها ما تهيأ له من رصد دائب واشتغال لعقود طويلة على المادة التراثية عالمياً عبر جهده الخصيب في الترجمة، ومحلياً من خلال متابعته واستقرائه لكثير من أمثلته وفنونه(8).

وهذا الكتاب ـ بما استعاده من موضوعات تلك العقود ـ موسوعة قرائية تناولت كل المجالات المتعلقة بالتراث الشعبي، كان أولها فيه تاريخية مصطلح (الفولكلور) المتداول عالمياً ذلك الذي اقترحه الأديب والباحث الانكليزي (وليم تومز) في العام 1846م، ورفعه إلى الأثانيوم (The Athanaeum) ـ أي المجمع الأدبي ـ برسالة قام الأستاذ (كاظم سعد الدين) بترجمتها إلى العربية، وضمنها بحثه هذا.

ويقف الأستاذ سعد الدين ـ في استفاضة جانبية طريفة ـ عند النطق والكتابة العربيين لمصطلح (فولكلور) فيرى أن صحيحه هو (فوكلور)، كون اللام لا تلفظ في أصل نطق المفردة الإنكليزي.

وبعد تأمل دقيق لما قيل عن مصطلح (الفولكلور) ـ غربياً وعربياً ـ وما اقترح من بدائل من قبل بعض الكتاب والأدباء العراقيين ـ يبدي الباحث تبنيه لمصطلح (التراث الشعبي) الذي كان من بين أوائل العراقيين المنادين به، حين نشر مقالتين في مجلة (المثقف) الصادرة ببغداد عام 1962م، منادياً بهذا المصطلح. ومن خلال هذه الرؤية لايفوته التأكيد على الدور العراقي لتكريس هذا المصطلح في التداول” فلعل مجلة التراث الشعبي ـ الصادرة ببغداد في أيلول 1963م ـ لها الفضل في ترسيخ مصطلح التراث الشعبي مقابل المصطلح الفولكلوري”(9)

يذهب الأستاذ كاظم سعد الدين مذهب العادّين التراث الشعبي فرعاً من فروع العلوم الاجتماعية. ومن هذا المنطلق فقد وضعه في أربعة أقسام تنضوي تحتها تفرعات نوعية كثيرة،هي: الحياة الشعبية المادية، العادات والتقاليد، فنون الأداء الشعبي، الأدب الشعبي.

يقدم الأستاذ (كاظم سعد الدين) ـ وفي باب لاحق من الكتاب ـ تبويباً تفصيلياً لمجالات التراث الشعبي، أقام أسسه على ما تهيأ له من رصد دائب واشتغال لعقود طويلة على المادة التراثية عالمياً،عبر جهده الخصيب في الترجمة، ومحلياً من خلال متابعته واستقرائه لكثير من أمثلته وفنونه.

جاء هذا التبويب في أربعة أقسام تنضوي تحتها تفرعات نوعية كثيرة، وهذه الأقسام هي: الحياة الشعبية المادية، العادات والتقاليد، فنون الأداء الشعبي، الأدب الشعبي.

وكان مرتكز اشتغاله على القسم الأخير(الأدب الشعبي)، فوضع له مسرداً تفصيلياً لكل ما وجده منضوياً تحت مضامينه، وجاء على النحو الآتي:

ـ معجم الألفاظ الشعبية

ـ الأساطير

ـ الحكايات، وتشمل: حكايات الجان، حكاية الحيوان، الحكاية الخرافية،

المرحة، النكتة والطرفة، الحكاية الهزلية،الحكاية الماجنة،

المقالب، العبر، الاجتماعية،البدوية، حكايات اللصوص

والشطار والعيارين وسواهم، حكايات الكرامات والمعجزات،

حكايات الأبطال، الحكاية الرمزية، حكايات الألغاز والمسائل،

حكايات الأمثال، السير والأنساب،الحكايات الشعرية.

ـ الأمثال، الحكم، الأقوال المأثورة.

ـ الشعر الشعبي: وأشار فيه إلى أنواع شعرية قديمة عرفتها البيئة العراقية

منذ العصر العباسي كـ: الكان كان والمواليا والموشح.

أما الحديثة فمنها(الموال)، فضلاًعن أنواع وألوان شعرية

شعبية عراقية فيها المؤدى والغنائي.

ويبدو أن توجيه الأستاذ كاظم سعد الدين لمعظم جهده نحو الحكاية الشعبية ودراساته المتواترة عنها هي التي أوحت له بهذه التقسيمات الكثيرة والمتداخلة التي انفرد في ذكر بعضها، في حين لم يفعل ذلك مع (الأمثال، الحكم، الأقوال المأثورة) التي يمكن أن يخضع بعضها لمثل تلك التقسيمات التي أوردها للحكايات فيقال: أمثال وحكم حيوانية (على لسان الحيوان)، وأمثال وهزلية، وأمثال وحكم اجتماعية... الخ

أما الشعر الشعبي فقد استوقفه مثاله العراقي الذي قدم عنه جرداً تفصيلياً موثقاً بالأمثلة من نصوص كل نوع فيه، سواء ما كان منها بأداء فردي أو على نحو جماعي، وما يؤدى بطرائق الإلقاء المعتادة أو مايؤدى بمصاحبة الموسيقى.

ولاشك في أن هذا المسرد التفصيلي الذي بوّب الأستاذ (كاظم سعد الدين) أجناس التراث الشعبي فيه تفصيلياً يصلح أن يكون منهجاً أكاديمياً تعززه مباحث الكتاب اللاحقة، وهي تتناول كل ما يحتاجه الدارس لهذا التراث، وفي بعديه النظري والتطبيقي.

هوامش وإحالات:

(1) ولد الأستاذ (كاظم سعد الدين) في مدينة (بعقوبة) سنة 1932م. وبعد تخرجه من

الدراسة الثانوية دخل دار المعلمين العالية – قسم اللغات الأجنبية وبتخصص اللغة

الإنكليزية، وتخرج فيها سنة 1953م، ليشتغل بسلك التدريس في العراق وخارجه

لسنوات طويلة. وخلال السبعينات عمل محرراً في مجلة (التراث الشعبي) التي

أصبح رئيس تحريرها في الأعوام 2004ـ 2006م.

(2) يقول الأستاذ (كاظم سعد الدين): « ابتدأت الترجمة من الإنكليزية إلى العربية في 17/1/1953بمقالة بعنوان (تمثيلية الفصل الواحد)، اختبار وتحرير ومقدمة جون هامبدن. ونشرت المقالة في مجلة (الأسبوع) لصاحبها الأستاذ خالص عزمي، وكنت آنذاك في المرحلة الرابعة من قسم اللغات الأجنبية (الإنكليزية). وابتدأت الترجمة من العربية إلى الإنكليزية بسلسلة مقالات سنة 1996 في جريدة بغداد نيوز. أما أول كتاب ترجمته فهو (المدخل في الأدب العربي) للمستشرق الإنكليزي (هاملتن جب)، ونشرته سنة 1969م.(حواري الشخصي المدون معه في 1/6/2013م).

(3) حواري الشخصي المدون معه.

(4) المصدر نفسه.

(5) يرى الأستاذ (كاظم سعد الدين) أن (الحكاية) سميت كذلك لأنها « من المحاكاة،

و قصة من قص الأثر، و(سالفه) أو (سالوفه) ـ كما هو شائع في العراق ـ والجمع

(سوالف) أو (سواليف) أو (سالفات) أي الحديث عن الأمور والأحداث السالفة”.

وفي استقراء منه لمكانة الحكاية الشعبية العراقية في المتحقق التاريخي للحكاية

عالمياً فإنه يراها “ من أعرق الحكايات في العالم، ولعلها النبع الأول لأغلب

الحكايات. وقد مرت بتطورات عديدة نتيجة للأحداث التي مرت على هذه البقعة

، والشعوب التي تداولتها منذ أيام السومريين والبابليين والأكديين” وسواهم من

الأقوام التي مرت على أرض العراق غازية أو مستقرة بها.

(6) عن ذلك يقول:” شارك كتابي (الحكاية الشعبية البغدادية ـ دراسة ونصوص) في الاحتفال بذكرى الكندي سنة 1961م،.... وقيض للكتاب ألا ينشر إلا في سنة 1978م مع دراسات أخرى وعشرين نصاً لحكايات عراقية، وخرج بعنوان (الحكاية الشعبية العراقية ـ دراسات ونصوص). (حواري الشخصي معه).

(7) تناول الكتاب ـ بأجزائه الثلاثة ـ المحاور الرئيسة الآتية: مصطلح التراث الشعبي/ الوطنية ومقاومة الاستعمار في الأدب الشعبي/ من الغناء الشعبي/ الحكاية الشعبية/ دراسات في التراث الشعبي المقارن/ الأمثال / معتقدات شعبية / وسائل الحياة الشعبية ومظاهرها القديمة والراهنة / عادات وتقاليد / فنون شعبية/ تاريخ بعض المدن العراقية وتراثها / مراجعات لكتب في التراث / مقالات أجنبية مترجمة عن التراث الشعبي العراقي والعالمي.

(8) حواري الشخصي معه.

(9) المصدر نفسه.