التنافس على عرش العراق سنة 1921..التنافس على عرش العراق سنة 1921

التنافس على عرش العراق سنة 1921..التنافس على عرش العراق سنة 1921

صباح كريم الفتلاوي

عبد العظيم عباس نصار

سار مؤتمر القاهرة( ١٢ آذار ١٩٢١ ) في الاتجاه المرسوم له في أروقة لندن السیاسیة، وقرر فیما یخص الموضوع الذي نحن بصدد الموافقة على اختیار فیصل لعرش العراق، ورفض بقیة المرشحین بما فیهم طالب النقیب الذي تقرر إبعاده عن العراق خوفاً من سعیه لإفشال ما تم الاتفاق علیه، وخشیة من أن یفسد خطط الانجلیز الاستراتیجیة لا سیما أن أخبار نشاطاته في هذا المجال ، وبغیاب كوكس كانت قد وجدت طریقها إلى القاهرة.

 

وبعد انفضاض مؤتمر القاهرة، وعودة الوفد العراقي في بدایة نیسان انتشرت إشاعة تؤكد بأن اختیار فیصل بن الحسین للعرش أصبح محسوماً الأمر الذي جعل السید النقیب یفقد أعصابه ویخسر الكثیر من إتزانه. إذ لم یكد یحضر أطراف الحفلة التي أقامها في داره في الرابع عشر من نیسان ،وهو بمثل هذه الحال المضطربة حتى فقد أعصابه وأخذ یهدد الانجلیز بثورة على غرار ثورة العشرین مؤكداً :»عندما یتبین عدم تنفیذ سیاسة الحكومة البریطانیة المصرح بها سیكون كل من أمیر ربیعة الذي یوجد تحت تصرفه عشرون ألفاً من حملة البنادق والشیخ سالم الخیون بجمیع قبائله مستعداً لتنفیذها وإن النقیب - عبد الرحمن- سوف لا یتردد في أن یبعث شاكیاً إلى الهند والقاهرة واسطنبول وباریس، وكانت الحصیلة أن استفز هذا الموقف الانجلیز ولم یهدأ لهم بال إلاّ بعد إبعاد السید النقیب في ١٦ نیسان بعملیة غادرة یمكن إیجازها بما یأتي :

كانت اللیدي كوكس قد التقت بطالب في إحدى الحفلات وعاتبته لعدم زیارتها من وقت لآخر وهكذا وافق

على تناول الشاي معها، في ١٧ نیسان حضر طالب إلى دار الاعتماد في الوقت المحدد بینما كان كوكس

قد دبر خطته بالإحكام بما في ذلك قطع جمیع الخطوط التلفونیة ومنها تلیفون فلبي وتوجه إلى سباق

الخیل، وبینما كان الحاضرون یرتشفون الشاي حضر المیجر بوفیل والكابتن كوكس، صدفة كما

یقال وتناولا الشاي ثم غادرا المكان، بعد عشر دقائق نهض طالب للانصراف ورافقته المس بیل حتى

الباب الأمامي لدار الاعتماد وظلت واقفة إلى أن استقل سیارته فانسحبت إلى الداخل وعندما أسرع

السائق بتشغیل السیارة اكتشف أن الطریق مسدود بعدد من اللوریات .كان السید طالب على وشك

الاعتراض على هذا التصرف عندما برز بوفیل والكابتن كوكس من خلف أحد اللوریات معتذرین لهذه

العرقلة ثم أبلغاه بأنهما مكلفان باعتقاله وسجنه لدیهما، ونقل بسیارة مدرعة إلى قارب بخاري كان

بانتظاره حیث انطلق به إلى البصرة ثم للاحتجاز في سیلان . ومن أجل أن یضفي كوكس على

اعتقال النقیب طابعاً أكثر تقبلاً نشر في التاسع عشر من نیسان بیاناً مطولاً في الصحف المحلیة استهله

بقوله :» یرى فخامة المندوب السامي من المناسب، أن یوقف الرأي العام على الأسباب التي اقتضت

إقالة النقیب من الحكومة وإخراجه من بغداد»، ثم تطرق إلى ما بدر من السید طالب في ١٤ نیسان ،فعدّه

إشهارا للسلاح بوجه الحكومة وختم بعد ذلك بیانه بالقول :» وبناءً على ما تقدم وحباً بمصلحة القانون

والنظام والحكومة الصالحة رأى فخامته بأن من واجبه الطلب من القائد العام اتخاذ الإجراءات اللازمة

لأبعاد السید طالب حالاً وقد غادر النقیب بغداد في مساء السادس عشر من الشهر الحالي ، وبهذا

انطوت صفحة مهمة من صفحات الصراع السیاسي من أجل تاج العراق فخلا الجو من أقوى وأجرأ

منافس لفیصل .

طالب النقیب وأسباب إبعاده عن عرش العراق ونهایته :

یعد بیان كوكس الذي نشر في ١٩ نیسان، أي بعد نفي النقیب بثلاثة أیام فقط، التفسیر الرسمي الذي تولى

شرح بعض أسباب نفي وحرمان النقیب من التاج، لهذا لا مناص من الرجوع لهذا البیان بحثاً عن

الجواب المطلوب : فما هو جوهر هذا البیان ؟ إن أهم ما جاء فیه هو أنه یتهم السید طالب بأنه قد تفوه

في ١٤ نیسان «بكلام ینم عن تهدید شائن بإشهار السلاح بوجه الحكومة البریطانیة « أي أن البیان قد

عزى سبب النفي ومن ثم الحرمان إلى ما حدث في الرابع عشر من نیسان ،ولكن الرجوع إلى حیثیات

مؤتمر القاهرة وما سبقها من استقرار رأي الانجلیز على تتویج فیصل وما تلته من دلائل أخرى

تؤكد بأن مصیر النقیب كان قد تقرر قبل نفیه بوقت لیس بالقصیر وأن ما حدث في الرابع عشر من

نیسان ذریعة بید الانجلیز للقضاء على أقوى منافس لمرشحهم فیصل، وبمعنى آخر إن ما جرى للنقیب

كان بفعل عوامل أخرى أدت إلى حرمانه من التاج فما هي هذه العوامل یا ترى ؟

اتبع السید طالب في مجمل علاقاته مع الانجلیز وغیرهم سیاسة استقرت عند التاج أولاً وأخیراً . وإن

نشاطه في هذا المجال یشبه من هذه الجهة فحسب نشاط عبد الرحمن النقیب إلاّ أنه اختلف عنه هذا

الأخیر بحدته في معاملة خصومه وفي تهوره وغروره وطیشه، وإن سیاسته في البصرة في أواخر العهد

التركي وما انطوت علیه من بطش واستغلال وما أنتجت من خصوم وحاقدین فضلا عن عدم استقراره

الشخصي . ومن جهة أخرى كان له أتباع كثیرون یعلنون عن عزمهم الموت من أجله كما كان

الوطنیون في كثیر من المحافل یعدونه المرشح الوحید القوي الذي بوسعه معارضة البریطانیین إذا

مادعت الحاجة إلى ذلك. أي أن مسببات التقاء السید طالب بالشعب - على الرغم من كل ما قیل عنه

كانت أكبر من مسببات التقاء فیصل بالشعب الأمر الذي كان یخیف الانجلیز.

وبعد أن قضى النقیب في الأسر ما یقارب السنتین سمح له بالذهاب إلى أوربا ومن ثم عاد في الأول من

مایس ١٩٢٥ إلى العراق وانزوى في مسقط رأسه البصرة. ولعل الأستاذ خیري العمري یعد خیر من

وصف أوضاع النقیب في البصرة بقوله :»وقد تحطمت آماله وتلاشت أحلامه فاستقر في دار متواضعة

تقع في منطقة (السبیلیات) في البصرة یتجرع مرارة خیبة الیمة، تركت في نفسه عقدة دفعته إلى

الاعتزال ، وساقته إلى انتهاج سبل شتى یتهرب من مواجهة الناس حینا فیمتنع عن حضور الحفلات

خشیة ألاّ یكون مقعده مناسباً ویسلك إذا توجه للبصرة طرقاً خالیة لیتقي نظرات المارة علیه حیناً آخر

ویتحرج من مواجهة الملك فیصل - طوراً فیفر كلما سمع بمجیئه إلى البصرة نحو الكویت ویشرب

الویسكي لینعى آماله الضائعة تارة أخرى» .

إن الوضع الذي انحدر إلیه السید طالب لم یبق على هذه الحال، لأنه وجد أن الرایة التي طواها أمام الانجلیز لا یمكن أن تقوم لها قائمة طالما أن مرشحهم لا یزال على دست الحكم وطالما أنه أي النقیب قد تعهد بعدم تعرضه للسیاسة بعد عودته للعراق، لهذا ارتضى أن یكون بعد هذا عند حسن ظن الملك فیصل، فقبل أن یتمثل أمامه في بغداد ولو أنه لم یلبث فیها أكثر من أسبوع عاد عقبه إلى البصرة . وبالرغم من تراجع النقیب أمام خصمه السابق فیصل وقبوله بالأمر الواقع فقد مات وحسرة العرش لم تفارق مخیلته . ففي خریف سنة ١٩٢٤ فكر وهو في جدة بالعودة إلى العراق والى السیاسة معتقداً بأنه - لا یغلب- وفي ذلك الوقت خاطب أمین الریحاني بقوله :»الأمور مرهونة بأوقاتها وستسمعون عندما أعود ما یدهش ویسر إن شاء الله .وسأطلبك یومئذ یا أستاذ وأعینك وزیرا للمعارف .

وأخیراً وفي أیار / ١٩٢٩ اشتدت علیه وطأة المرض فسافر إلى ألمانیا مستشفیاً ووافته منیته في میونخ

عاصمة بافاریا في حزیران ١٩٢٩ ونقل جثمانه إلى البصرة ودفن فیها في ١٦ آب 1929 .

عن بحث : طالب النقيب وطموحاته لاعتلاء عرش العراق. مجلة دراسات الكوفة2012.