معلومات جديدة عن :قصة لقاء الملك فيصل الاول بالرصافي وكيف عرفتها الصحف!؟

معلومات جديدة عن :قصة لقاء الملك فيصل الاول بالرصافي وكيف عرفتها الصحف!؟

رفعة عبد الرزاق محمد

اثبت الاستاذ عبود الشالجي في كتابه الكبير (موسوعة الكنايات العامية البغدادية) الذي صدر بثلاث مجلدات كبيرة، انه من المؤرخين الفولكلوريين الكبار، لاحاطته الواسعة بالتراث البغدادي الاجتماعي، ووصفه لجوانب طريفة من الحياة في بغداد خلال النصف الاول من هذا القرن،

وبما يقابلها من تراثنا القديم – وكان مصيبا عندما اعتمد على ديوان الملا عبود الكرخي في اثراء موسوعته، فالديوان كنز كبير من الالفاظ البغدادية (الخاصة)، والمستعملة في اوساط معينة، استخدمها الكرخي في قصائده الذائعة بما وهب من قابلية شعرية فائقة جعلته امير الشعر الشعبي بلا منازع.

ومن استطرادات الاستاذ الشالجي،– ما ذكره عن الشاعر الكبير معروف الرصافي، عندما اورد ابيات الكرخي عن علة المصائب التي ميزت سيرة الرصافي وموقفه من الملك فيصل الاول. يقول الشالجي (ح2 ص 640) “ولعمري ان الرصافي لم ينصف الملك فيصل رحمه الله في جميع ما هجاه به” ومازالت الاشراف تهجى وتمدح، ومما يؤثر ان الرصافي لما عاد الى بغداد واسند اليه ان يقابل الملك ليشكره على هذا التعيين، واستقبله الملك فيصل وعاتبه على ما سبق منه، وقال له: يا معروف انا الذي يعدد اياما ويقبض راتبا ؟، فلم يعتذر الرصافي ولم يتنصل بل اطرق وقال: هكذا يقولون يامولاي».

ومع ايماني بحسن نية الاستاذ الشالجي فيما ذكره، فان الرواية التي ساقها تدل بشكل قاطع على الصفة الاصيلة التي رافقت الرصافي، وهي الاعتداد بالنفس، وهي الصفة التي جلبت عليه غضب المسيطرين على مقاليد الحكم من سفارة وبلاط، وحكمت عليه بالفاقة والعوز . والمهم هنا هو بيان حقيقة اللقاء المثير بين الملك والشاعر ، وتصحيح ما اورده الاستاذ الشالجي كما انها من الوقائع الطريفة التي تستاهل تذكير القراء بها.

الشيخ عبد العزيز الثعالبي، شخصية تونسية مجاهدة في سبيل الحرية والاستقلال وصل الى بغداد سنة 1925، على عهد وزارة ياسين الهاشمي، وكان الثعالبي على معرفة سابقة بالملك فيصل، فما ان وصل حتى عين مدرسا في جامعة (آل البيت)، كما انه كان على صلة طيبة بالرصافي منذ اقامتهما في اسطنبول قبل الحرب العاليمة الاولى.

وعندما استقر الثعالبي في بغداد ووقف على العلاقة السيئة بين الرصافي والملك قرر اصلاح ذات البين، ففاتح الملك اولا بضرورة رعاية الشاعر الرصافي واللطف به، واستحسن الملك الاجتماع به، ولم تكن دار الرصافي بعيدة عن دار الثعالبي، فقد سكن الاخير في الدار التي اتخذتها مطبعة (الزمان) في محلة الميدان الان اما الرصافي فقد كان يسكن في الزقاق الضيق المبتديء من سوق الهرج والمفضي الى الاعدادية المركزية، فاستدعى الثعالبي شاعرنا واخذه الى قصر الملك القرييب من داريهما، وهو اليوم قصر الثقافة والفنون، واجتمع الثلاثة اجتماعا وديا وكان الملك بشرا سرورا فقال:

- يا معروف اني اعتبرك من الان احد افراد اسرتنا ولا اريد لك الا الخير.

وعند انصرافهما قال الملك لهما: اذا لم يكن احد سوانا حاضرا، ارجو ان تكون هذه الزيارة وهذا الحديث سرا مكتوما بيننا لايذاع لاحد، وبعد عشرة ايام استدعي الرصافي الى البلاد الملكي وقاده رئيس التشريفات الى غرفة الملك، وقبل ان يصافح الرصافي الملك، قال الاخير: لماذا يا معروف؟ اهذا هو السر وقدم لي مجلة عربية؟ لصاحبها محمد علي الطاهر، وكان الثعالبي مراسلها!! وذهل الرصافي عندما قرأ مقالا طويلا في وصف اجتماعه بالملك، فاقسم بانه لم يذع منه كلمة لاي بشر، ونبه الملك الى ان المقال قد كتب بشكل يفهم ان صاحبه، يقصد به الدعاية للشيخ الثعالبي. وقبل الملك اعتذار الرصافي وهو متاثر، ويقول الرصافي – في رواية الاستاذ سعيد البدري – انه عاد الى داره وهو بحالة عصبية وفي ثورة نفسية، وفي عصر اليوم نفسه زاره الثعالبي فعاتبه على فعلته ولم يقبل اعتذاره لقناعته الكاملة بانه هو الذي افشر سر الاجتماع.

ومما يروى عن هذا الاجتماع ان الملك عاتب الرصافي قائلا:

-  أنا يا معروف من يعدد اياما وياخذ راتبا.

- ارجو ان لا تكون كذلك يامولاي..!!!

وكان الملك يقصد ما قاله في قصيدته (تجاه الريحاني) :

لهم ملك تأبى عصابة رأسه لها غير سيف (التيمسيين) عاصبا

وليس له من امرهم غير أنه يعدد اياما ويقبض راتبــــــــــا

هذه الثقة التي اوردها في مواضع اخرى مثل رسالته الى الملك سنة 1923، وقد نشرت لاول مرة ضمن رسائل الرصافي التي حققها الاستاذ عبد الحميد الرشودي ونشرها .ويعتقد ان هذه الرسالة لم تقدم للملك، وبقيت لدى عبدا للطيف المنديل (المتوفي سنة 1941) وذلك لاسلوبها الشديد وعدم لياقتها في مخاطبة الملك.

وحسبنا ان نشير الى ان الرصافي قال فيها: “.. فاستمراركم في الغضب علي على ما اعتقد من سوء الحالة هو الذي دعاني الى سلوك هذا المسلك الوعر مع جلالتكم ويجوز ان اكون على خطأ، ولكن يجب ان تقام الحجة على خطئي حتى يتبين لي الصواب ان كنت مخطئاً...».