خسارة للشعر وللتّقَدّمِيّين

خسارة للشعر وللتّقَدّمِيّين

الطاهر المعز

رحل يوم الثاني والعشرين من آب/أغسطس 2021 المُثقّف الثوري، الشاعر الأميركي، والمناضل الشيوعي، الأُمَمِي، “جاك هيرشمان”، عن 87 سنة، إذ كان أحد مشاهير الشعراء الأمريكيين، فضلا عن ترجمة أشعار عديدة إلى اللغة الإنغليزية، وعن مواقفه ومساندته لحركات التحرّر وللقضية الفلسطينية، ونشره للثقافة الثورية، عبر “كتائب الشعراء الثوريين”، ضمن سلسلة “الأنطولوجيات».

كان هيرشمان رسّامًا ومترجما وشاعرًا غزير الإنتاج، إذ نشر نحو مائة كتاب شعر، منذ سنة 1953، تُرْجِمَ نصفُها لتسع لغات، وتَرْجَمَ “هيرشمان” عشرات الكتب عن الروسية والفرنسية والألمانية واليونانية والإيطالية والإسبانية والفييتنامية وغيرها.

منذ سنة 1988 سهر جاك هيرشمان على إدارة مهرجان سان فرانسيسكو العالمي للشعر، بداية من سنة 1988، رفقة مجموعة من أصدقائهع ورفاقه الشُّعراء من “كتائب الشعراء الثوريين” (أصدر سلسلة من الأنطولوجيات تحت هذا العنوان) .

وقع اختياره، من قِبَلِ بلدية المدينة، “شاعراً متوَّجاً” لمدينة سان فرانسيسكو (2006-2009) المدينة التي أسس وأشرف بها على مهرجان للشعر العالمي، وكان عضواً مؤسساً في حركة الشعر العالمية لمدينة “ميدلين” الكولومبية، و”كتائب الشعراء الثوريين” في سان فرانسيسكو، والمنظمة الشيوعية، ورابطة الثوار من أجل أميركا الجديدة. كما يعتبره البعض آخر شعراء “جيل البيت”، رغم اختلاف بعض خياراته الشعرية والسياسية.

ترك هيرشمان مدينته نيويورك باكراً، ووصفها بأنها واحدة من أهم المراكز الرأسمالية والإستلاب، وذهب لدراسة الأدب في جامعة “أنديانا”، حيث نال شهادة الدّكتوراه سنة 1961، وعمل أثناء دراسته مُراسلاً لوكالة “أسوشيتد برس”، ثم أصبح أستاذا في جامعات كاليفورنيا ولوس أنجلس وفنيسيا، وواحدًا من أهم أعضاء “اتحاد شعراء الشارع اليساري”، واستقر، منذ سبعينيات القرن العشرين، في “سان فرانسيسكو”، مع رفيقته الشاعرة والفنانة السويدية “أنيتا فالك”، في غُرفة مُؤجّرة فوق “مقهى تريستِه” الذي تَحَوّل بفضلهما إلى مركز للمناظرات ولمباريات الشعر والثقافة والمناقشات السياسية...

شارك “هيرشمان” في الإحتجاجات وتظاهرات الدّعم لحركات التحرر وللقضية الفلسطينية، وكان يُلْقِي الشعرَ على أرصفة الشوارع، ، ويُنظّم مناظرات في المقاهي، يُدافع من خلالها عن ضرورة تغيير الوضع السياسي بالولايات المتحدة والعالم، وسَدّد ثمنًا مُرتفعًا لمواقفه، حيث تم طرده من وظيفته كأستاذ للأدب في “جامعة كاليفورنيا” سنة 1965، بسبب تحريضه طلبته لرفض التجنيد العسكري ورفض المُشاركة في العدوان على شعب فيتنام، كما تمّت مُحاصرة إنتاجه، وقاطعتْهُ المؤسسات الثقافية الأمريكية، ودور النّشر التي رفضت مؤلّفاته، بينما كانت قصائده تنتشر خارج الولايات المتحدة.

تحمّل نتائج مواقفه، ورَفَضَ التّنازل، رغم التّكلفة الباهظة والمُضايقات، والطّرد من العمل، والصعوبات التي لاقاها لنَشْر مؤلفاته، والحصار الذي فرضته عليه المهرجانات والمؤتمرات، فبقي يقرأ شعره في المقاهي والأرصفة والمظاهرات، حتى عندما أصبح معروفًا وضيفًا لبعض التّظاهرات الثقافية العالمية، وكانت مدينة “سان فرانسيسكو” قد اختارته “شاعِرَها”، سنة 2006، ويتمثل دور “شاعر المدينة” في قراءة مُداخلة حول حالة الشِعر في الولاية، كما يلقي قصائد في المهرجان الأدبي السنوي للمدينة “لِتْ كوِيك”، وأن يعمل في برنامج لتشجيع الشعر لدي عموم الناس.

لم يَفْصل “هيرشمان” بين الشعر وهموم الحياة اليومية للناس البُسَطاء، ومُعاناتهم من هيمنة رأس المال، أو بين الشعر والسياسات الخارجية العدوانية الأمريكية، ولا بين الولايات المتحدة (الدّاخل) والعالم (الخارج)، وتُلَخّصُ إحدى تصريحاته موقفه الذي عبّر عنه (ربما سنة 2010) كالتالي (ترجمة تقريبية، غير مُحترفة): “يجب أن تفهم بوضوح شديد وبدقّة، أن العالم الرأسمالي قادنا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ثم أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001، إلى الدّمار، وفق إرادته، بناءً على منظومة من الأكاذيب، إذا رَوّج الإعلام الرأسمالي والسياسيون الحاكمون لوجود أسلحة دمار شامل (قبل العدوان على العراق واحتلاله سنة 2003)، وكانت تلك كذبة كبيرة. نحن نعلم الآن أن الذين يحكمون هذا البلد لا يتورّعون عن اختلاق الأكاذيب التي تنشر فينا الرّعب والخَوف، لنسْتَكِين كشعب مُخَدَّر وخائف في نفس الوقت... إن الشعر سلاح حقيقي. انه سلاح روحي لتغيير العالم. وطبيعي أن تكون قصائدي قصائد حب. أجمل الأشياء قاطبة في العالم هي أن تثقّف للحب، بدل الحرب” (لحسن الحظ أننا في اللغة العربية نحذف حرفا واحدا، لتغيير لفظ الحرب إلى لفظ الحب)، كما أشارت إحدى قصائده إلى بُؤْس الأمريكيين السود الذين يدفعهم الفَقْر إلى الإنخراط بالجيش، فهم يشكلون نحو 12% من العدد الإجمالي للسكان، لكن نسبتهم في القوات المسلحة تتجاوز 20%، ليحاربوا شعوبًا مُسْتَضْعَفَة، دفاعًا عن مصالح الشركات التي تُسَدّد بعض الرّشاوى لنواب الكونغرس، ودفاعًا عن بنات وأبناء الأثرياء، الذين لا يموتون في فيتنام أو العراق أو في أفغانستان، بل يتعلّمون فنون المُضاربة والصّفقات...

من أبرز مؤلفاته الشعرية: “يود” (1966)، و”الألف السوداء”، سنة 1969، و ديوان ( HNYC ) الذي نُشِرَ سنة 1971، و”حريق لوس أنجلس” (1971)، و”الخطوط الأمامية” و”قصائد مختارة” (1976) و”خطوط مواجهة” (2002)، و”كل ما تَبَقّى” (2008) و”عاطفة، إثارة”، و”نبوءة” (2015)، وتَضَمَّن كتابه المُهِم بعنوان “الأسرار” 126 قصيدة، وأكثر من ألف صفحة، توزعت على أكثر من ألف صفحة...

كتب هيرشمان، سنة 1960، في مقدمة مجموعاته الشعرية الأولى بعنوان “مراسلات الأميركيين”: “الشعر ليس مجرّد وسيلة لقول شيء ما، إنه طريقة ننظر بها إلى الأشياء... فالشاعر الحقيقي يهتم باللغة وباستخدام الأسلوب والتّراكيب، من خلال نظرته للعالم وللأشياء وللبشر... “، وشكّل كتابه بعنوان “عتبة لا نهاية لها”، مرْجَعًا مُهمًّا لمعرفة مرجعياته التاريخية والشّعرية وتوجّهاته الفكرية والسياسية، كما أظْهَر اطلاعًا عميقًا على التاريخ والحضارات، فأنْتَجَ قصائد حب رائعة، حب الإنسان وحب الفُقراء والكادحين والمُضْطَهَدِين في العالم، بأسلوب شعري جميل، ولم تُلَيِّن لُغته العاطفية، مواقفه المُعارضة للرأسمالية وللأثرياء، والتي دفعته لمواجهة المنظومة الرّأسمالية برُمّتها، بهدف تغيير العالم.

لم يفصل جاك هيرشمان صاحب كتاب “كلّ ما تبقى” والمجموعة الشعرية “مراسلات الأمريكيين”، الذي نشرته جامعة “أنديانا”، حيث كان طالبًا، وكتاب “عتبة لا نهاية لها”، بين الشعر والحياة اليومية، بين الهَمّ الخاص وهموم الأغلبية من الفُقراء والكادحين، وظَهَر ذلك جليًّا في الشّريط الوثائقي الذي أعدّه المخرج “ماثيو فيوري”، سنة 2010، بعنوان “الشاعر الأحمر”، حيث يتحدّث الشاعر ببساطة وعَفْوِيّة عن انحيازه للفُقراء، وتتضَمَّنُ جميع قصائده روحَ التمرّد والمقاومة، ورفض أيّة وصاية أو سلطة، وكان يشارك في الاحتجاجات والتظاهرات السياسية، وتضمّن الشريط الوثائقي توضيحًا لفهم الشاعر للمركسية، حيث قال: “لم أولد شيوعياً، بل أنا لست شيوعيًا. لقد شكّلتني الأشياء التي رأيتها، وتلك التي درستها، والأشياء التي شعرت بها بشكل طبيعي، لأُدْرِك الطريق التي توصلني إلى جوهر الإنسانية... هذا ما جعلني أُرِيد الإستماع إلى العالم كلّه، والإنحياز إلى قضايا المحرومين فيه، وهو ما دفعني كذلك إلى تعلّم تسع لغات وترجمة عدد من الكتب عنها...”، وكان هو نفسه مُترجمًا، ترجَمَ أشْعارَ فلاديمير ماياكوفسكي، وأنطونين أرتو، وستيفان مالارميه، كما عاش مناضلاً شيوعيا، غزير الإنتاج، إذ نشر مائة كتاب شعر، تُرجم حوالي نصفها إلى ما لا يقل عن تسع لغات، واختير “شاعراً متوَّجاً” لمدينة سان فرانسيسكو (2006-2009)، وكان عضواً مؤسساً في حركة الشعر العالمية لمدينة “ميدلين” الكولومبية، و”كتائب الشعراء الثوريين” في سان فرانسيسكو، والمنظمة الشيوعية، ورابطة الثوار من أجل أميركا الجديدة، وكتب في قصيدته “وَطَن”: “وطن واحدٌ، مرةً واحدةً، وإلى الأبد. ليس صرخةً عرجاء تتكئ على عكاز في رصيف أغرقه المطر. كلا، إنه الوطن للجميع”، وهذه مقتطفات من القصيدة التي ترجمها إلى العربية الشاعر العراقي الرّاحل “سعدي يوسف” ( 1934 – 16 حزيران/يونيو 2021 ):

...أمّا أنا، فالمفترَض فيَّ أن أكون وطنياً

أؤيِّـدُ اندفاعةَ السيطرةِ على العالَم من قِبَلِ عصابة رؤوس الموت

الطافية يومياً مع كل فسادها الأخلاقي، على قنوات يأسنا.

الرعبُ النووي أيقظَ الإله من موته، والحروبُ المقدسةُ تتلاحظُ في خضمّ أكاذيبها

بينما الأطفالُ هنا، والأطفالُ هناك، مطحونون حتى عروقِ ابتساماتهم البريئة التي لا تزال ممكنةً

وفي رؤوسهم الصغيرة، في عتباتهم، وفراشهم

يتمنون لو دفنوك أيها القاتل الخسيس، جزاءَ ما ارتكبتَه بحقّ الأطفال الذين آذيتَهم

ولسوف يُهيلون وسَخاً سعيداً على جثتك.

أيها السيد الرئيس. أنت تُدْرِكُ ماأقول! أنت تُدْرِكُ ما أقول

تعرّف أثناء النضال ضد العدوان على شعب فيتنام على الشاعر الأميركي “لورانس فيرلينجيتي” وصارا صديقَيْن، كما رَبَط علاقة صداقة، قوامها المُراسلات مع الشاعر “ألن غينسبرغ”، وكثَّفَ نشاطه السياسي بعد إبعادِهِ من العمل الأكاديمي، وانضمّ سنة 1980 إلى حزب العمل الشيوعي، وأصبح عضواً في اتحاد الكتاب اليساريين، وتجوّل في أوروبا، خلال العقدَيْن الأخيرَيْن من القرن العشرين، وشارك في العديد من التظاهرات الثقافية، وترجم قصائد عدد من الشّعراء الذين التقاهم، كما ترجم أشعار العُظماء مثل “بابلو نيرودا” و “فريدريكو غارسيا لوركا” وغيرهم من عظماء الشّعر العالمي...

كان الشاعر الأميركي جاك هيرشمان (نيويورك 1933 - سان فرانسيسكو 22 آب/أغسطس 2021)، أحد أقطاب الشعر العالمي، ومن أهم المُثَقّفين المُقاومين لهيمنة الرّأسمالية، والمُناهضين للإستغلال الطّبقي، ولاضطهاد الشُّعُوب. تُوفّيَ بشكل مُفاجئ، قُبيل اجتماع هيئة التنسيق لـ”الحركة الشعرية العالمية” التي يتولّى بها مُهمّة “المُنَسِّق العام”، حيث انسحب “جاك هيرشمان”، قُبيل الإجتماع، ثم أخبرت زوجتُه الشاعرة والفنانة السُّوَيْديّة “أغنيتا فالك” الحاضرين بوفاته، بعد مسيرة أدبية امتدّت من 1953، عندما نَشَر كُرّاسًا شعريا صغيرًا، أردفه بديوان شعري بعنوان “مراسلات الأميركيين”، سنة 1960، وتَمَيَّزَ بمواقفه السياسية المناهضة للعدوان على شعب فيتنام، وشعب العراق، والدّاعمة لنضال الشعب الفلسطيني، وللثورة في كوبا، وللأنظمة التّقدّمية في فنزويلا وبوليفيا...

يعتبر “جاك هيرشمان” أن “علاقات السوق هي تراجع لحقوق المواطن، وهي تتجاوز حدود البيع، لتصل درجة الإستعباد... لقد وَرَّطَ النظامُ الرّأسماليُّ الانسانَ العاديَّ في سباق متوحش تجني أرباحه كبريات الشركات الرأسمالية»

شارك مع زوجته الشاعرة والرّسّامة السُّويدية “أغنيتا فالك”، سنة 2019 في مهرجان الشعر بهانوي، عاصمة فيتنام، كما شارك بالدّورة السّادسة لمهرجان الشعر بسيدي بوسعيد (ضواحي العاصمة تونس) سنة 2019، وعَبَّرَ بالمناسبة عن أسفه لعدم تعريف مُثَقَّفِي “الغرب” بالثقافة العربية التي تتضمّن الشعر والموسيقى وفنون الخَطّ العربي، وتركيز وسائل الإعلام “الغربية” على الإنتماء الدّيني المُفْتَرَض للأغلبية من سُكّان الوطن العربي، وندّد بالحصار الذي تتعرض له الثقافة العربية بأمريكا الشمالية وأوروبا...

نشرت صحيفة “العرب” ( 09 حزيران/يونيو 2019 ) حوارًا معه، تَضَمّنَ بعض الآراء والأقوال حول السياسة والشعر، وساهم مع شُعراء آخرين في مواجهة الدّكتاتوريات وتيارات اليمين الرأسمالي في أوروبا وأمريكا، واعتبرها امتدادًا لحركة “شعراء البيت” (كاليفورنيا) ويعتبرها بدورها امتدادًا للحركة الشيوعية، رغم طابعها الفَوْضَوِي، ويُؤَكّد “هيرشمان” على اختلاف الفوضوية، عن الشيوعية التي انتمى لها، فهو يعتبر الشعر وسيلة للعمل النضالي، وكان من مؤسسي حركة الشعر العالمية التي تطمح إلى تَبَنِّي مواقف تقدّمية من القضايا السياسية العالمية، من مُطْلِقِي الحركة الشعرية التي تدعو إلى “عالم بلا جدران”، بلا حُدُود وبدون مَيْز عُنصري أو ثقافي أو تفرقة بين الشُّعُوب...

من قصائده الثورية:

ثوري يصعد من القواعد

حيث ترسّخت جذور الشجرة

من النجوم التي تتفتح أغصانها

في السماء

والتي، في الأخير، ستكون ملكًا لنا جميعًا.

عن القضية الفلسطينية:

تُشير قصيدة “ولا مَرّةً بعد الآن”، إلى أحداث الحرب العالمية الثانية، حيث أنشأ النظام النّازي بألمانيا مُحتشدات للمُعتقَلِين، ومن ضمنهم اليهود (لمُجرّد يهوديتهم)، حصلت بها عمليات إبادة جماعية، قبل أن يُحرّرها الجيش السوفييتي الذي دَحَرَ جيش الإحتلال النّازي (الألماني) من ستالنغراد، وحتى برلين، حيث توقُّف الحرب. كان شعار أوروبا الغربية (الرأسمالية) آنذاك “ولا مرة أخرى أبدًا بعد الآن» (Never again now ) أي لن يحدث مثل هذا الأمر أبدًا في المُستقبل، وكانت تلك ذريعة لإنجاز المشروع الصهيوني (الذي بدأ قبل النازية بخمسة عُقُود) وإنشاء دولة دخيلة ولقيطة، على وطن وأرض الشعب الفلسطيني...

تعكس هذه القصيدة العقلية “الغربية” في أحد جوانبها (أحداث الحرب العالمية الثانية) ولكنها تُعيد الأموار إلى نصابها بخصوص تشريد الشعب الفلسطيني، رغم الغُمُوض الذي يكتنف نهاية القصيدة، فما هي “إسرائيل الجديدة”؟

ولا مرة أبداً بعد الآن!

تم قَتْلُهُم بالغاز، أُحْرِقوا

بالملايين، فقط لكونهم في الوجود.

الذين نجوا قالوا: ولا مرة أبداً بعد الآن!

طلبوا منهم أن يأتوا إلى هانوي

من أجل أن يواصلوا الثورة الاشتراكية.

فأجابوا: ولا مرة أخرى أبداً بعد الآن!

ولا مرة أبداً بعد الآن سوف نثق بأي حكومة.

سوف نبني بيتنا في فلسطين،

سوف نهزم العرب الذين هناك وسنشتتهم

أو سوف نسمح لهم بأن يعيشوا مثل ظلال رثة بالية

في حقول مجالات احتلالنا.

سوف نعيش من وفي عاصمة الولايات المتحدة

كأمة يهودية، باسم إسرائيل،

ولن نستسلم أبدا لهولوكست

بسبب جريمة الوجود لذاته.

لكن بينما كانت إسرائيل تنمو وتزدهر،

أولئك الذين شردتهم واعتقلتهم

كانوا يهمسون: ولا مرة أبداً بعد الآن!

فقراء وبلا أرضٍ، شيدوا مقاومتهم

وقاتلوا وخسروا مرات ومرات

أمام الجيش الصهيوني بالأسلحة الأميركية.

لغة الاشتراكية ولغة الصداقة

والتناغم بين شعوب ثقافات مختلفة

مات من الاستنزاف في الشرق الأوسط، من أجل

المال، والعقود، والحفلات الباذخة للمراحيض. البغال الكئيبة.

الواشون السخفاء. التعويضات عن الموت. نجمة

داود المشرعة على الأرض.

لكن وجوه داود الحقيقية كانت في الشوارع

ترمي الحجارة على جالوت.

آه يا للسخرية الفلسطينية، المتعارضة مع تلك للعبريين.

الأشد فقرا، أولئك الذين ليست لديهم دولة،

الذين حولوا كراهيتهم إلى قبول خاضع

للعبودية في كتائب شهداء الأسلحة

البشرية الانتحارية والذين نادوا إخوتهم

للتوحد معهم في هجومهم ضد المستعمرة الشرسة

للولايات المتحدة في الاستغلال.

هم، الأشد فقرا، بلا مأوى، الذين فيهم

بعد لا يزال يتنفس الحل الأوحد، الوحيد الأوحد

حل غير إبادة جماعية ولا قتل للأشقاء،

لا “الحل النهائي”، حيث ضغوط

الأيدي والكلمات لا يزال بإمكانها أن تفتح الأبواب

للغة اشتراكية المستقبل لإسرائيل جديدة

وفلسطين جديدة،

- ولا مرة أبداً بعد الآن!

ستكون صرخة موحدة

لكليهما موجهة إلى

أرض الاحتيال و

إلى مأوى الجشع.

عن الحوار المتمدن