جان لوك نانسي قال كل شيء ومضى

جان لوك نانسي قال كل شيء ومضى

علي حسين

كان يحتفل قبل عام ببلوغه الـ ” 80 ” عاما عندما سألة مراسل صحيفة اللوموند الفرنسية ، هل يخشى الاصابة بفايروس كورونا وهو بهذا العمر؟ ، لكن اجابة ”جان لوك نانسي” كانت واضحة : ” لقد عشتُ وفعلتُ ما كان ينبغي عليّ أن أعيشه وأن أفعله” .

اكد لمحاوره انه لن يتوقف عن الموت يوميا ، مثلما لم يتوقف عن الولادة ، فهو يستمد منهما شكلا من اشكال الحكمة ، يقول نانسي ان عمر الثمانين كان بالنسبة اليه يرمز إلى ذروة الحياة .. الفيلسوف الفرنسي الذي غادر عالمنا قبل ايام – توفي 23 آب عام 2021 – عاش وهو يراوغ الموت ، وفي كل مرة كان ينتصر. في طفولته تعرض لحادث كاد ان يؤدي بحياته، خضع لعملية زرع قلب في عام 1992، بعدها خاض معركة طويلة ضد مرض السرطان ، قال انه التقى بالموت وحاوره وهو في الخمسين من عمره ، يعترف ان عملية زرع القلب منحته شبابا جديدا ، لكنها بالمقابل جعلته يعرف قيمة الوقت ليتفرغ للكتابة والدراسة لتكون المحصلة النهائية اكثر من مئة كتاب في الفلسفة والسياسة وعلم النفس والفن والسينما والآداب .

يؤمن ان مهمة الكاتب في تسليط الضوء على لحظات الأزمة في حياة الناس ، وأن يتماهى معها واصفا نفسه بالرجل المحظوظ الذي يكتشف ما يريده متن الحياة. يرفض ان يطلق عليه لقب فيلسوف ، فهو يرى ان مهنته هي نقل الفلسفة ، وممارستها على اي موضوع ” يمكن أن نتعثر به ” : ” يجب أن أكرر دائما مع كانط أنه لا يحق لأحد أن يطلق على نفسه اسم فيلسوف” ، لكن المقربين منه يعتبرونه فيلسوفا خالصا مهمته إتقان فن التفكير ، وكان نانسي يصف الفيلسوف بانه :” موظف كمارك مهمته التفتيش على الكلمات ليحدد المسموح باستخدامه وغير المسموح، ويكشف وسائل التهريب الخفية الكامنة خلف الاستخدام البرىء للغة ” سيتفق مع زميل الدراسة آلان باديو من أن الفلاسفة هم ثمار عصرهم، فهم لا يسقطون من السماء، ومهمتهم تكمن في التفكير بزمنهم . يلخص مفهومه للحياة في مذكراته التي ترجم للعربية فصل منها حيث يخبرنا انه منذ طفولته شعر بالحاجة الى العزلة :” انسحبت إلى نفسي لأطرح على نفسي أسئلة. على سبيل المثال ، أتذكر أنني كنت في السادسة من عمري عندما كنت في الجزء الخلفي من سيارة والدي ، أثناء رحلة ليلية ، تساءلت عما حل بالأشجار عندما اختفت ، ولم تعد تضيء بالمصابيح الأمامية. بعد ذلك بوقت طويل ، صادفت عبارة ماركس ( الطبيعة بدون الإنسان لا شيء للإنسان ) . وهناك تقول لنفسك (آه ..!) بالنسبة لي ، الفلسفة مثل القيادة. إنه دافع يأتي من مكان لا يمكن توطينه ، قبل الجميع جدًا ، والذي يعبر عن هذه الحاجة إلى أن يكون منطقيا وأن يسأل نفسه تحت أي ظروف يحدث هذا ” . تلميذ جاك دريدا ظل يعشق الصمت ، لم تكن بينه وبين وسائل الاعلام مودة ، سخر من الفلاسفة الذين يصرفون وقتهم في خدمة الشهرة ، قضى عقوده الأخيرة داخل مكتبته ، يمارس الشك ، ويعيد قراءة الواقع ويتواصل مع العالم من خلال كتبه التي كانت تجد رواجا في المكتبات .يقول لقرائه إنه معهم في القارب نفسه الذي يطارده فايروس كورونا ، في كتابه الذي صدر عام 2020 بعنوان ” فايروس بشري جدا ” ، طالب بثورة عقلية ، معتبرا عدم المساواة الذي تتسم بها المجتمعات الراسمالية ادت الى تعرض الإنسانية إلى الخطر . يرى ان بلوغه الثمانين اهم بكثير من خطر الفايروس الذي كان يطارده :” لأنه يجبرك على أن تسأل نفسك: ماذا يعني ذلك؟ لقد انتهى بي الأمر إلى التفكير في أن هذه السن ترمز إلى ذروة الحياة . وبمعنى آخر ، من الآن فصاعداً ، يمكن اعتبار أن المرء قد عاش وفعل ما كان عليه أن يعيشه ويفعله ” – حوار مع جان لوك نانسي ترجمته عدوية الهلالي –

في مقال نشر له قبل رحيله باشهر قليلة يحلل جان نانسي ما جرى في العالم بعد ظهور فايروس كورونا مؤكدا على ان هذه الجائجة هي :” نتاج للعولمة. فهي تسلّط الضوء على خصائص الأخيرة واتجاهاتها. فهي عامل تجاري مؤثر ونشط وفعال. اذ أنها تشارك في العملية الأوسع التي تصبح فيها الثقافة متراجعة، ليحل محلها شيء ما ينطوي على ثقافة أقل ومنظوماتٍ أكثر من قوىً فنية أو اقتصادية أو استبدادية لا يمكن تمييزها وأحياناً نفسية أو جسدية ” .

ولد جان لوك نانسي في بلدة كوديران القريبة من مدينة بوردو في السادس والعشرين من تموز عام 1940 لعائلة تتكون من ثلاثة ابناء كان اصغرهم ، ولهذا نال رعاية متميزة من امه التي كانت تعمل مشرفة تربوية ، فيما الاب متفرغ لعمله في مجال الصيرفة ، تعلم من أمه الشغف بقراءة الأدب ، وخصوصا الشعر الذي ظل يرافقة حتى اللحظة الاخيرة من حياته ، ونجده يكتب في ” مقاومة الشعر ” – ترجمه الى العربية يوسف ناوري – ان :” الشعر هو الذي جمع أساسيات التاريخ ، وهو الاسم الرومانسي للفن ” وهو يرى ان الفيلسوف لا بد ان يكون شاعرا مزعجا . قضى نانسي جزءا من طفولته في المانيا حيث اكمل دراسته الابتدائية ، وانهى المرحلة الاعدادية في بوردو ، تخرج عام 1962 من قسم الفلسفة وكان تلميذا لجاك دريدا الذي مارس تاثيرا كبيرا على افكاره ، وسيكرس كتابا خاصا عن استاذه ، حاول من خلاله تطبيق المنهج التفكيكي على فلسفة دريدا ، ينشغل بدراسة اللاهوت والفلسفة الألمانية ، يتتبع اعمال هيغل وكانط وشيلنغ وماركس ونيتشه .الطالب الذي كان يمتاز بالصمت والانشغال بالقراءة اثار اهتمام استاذه بول ريكور الذي سيشرف على رسالته للماجستير عام 1968 والتي تناول فيها فلسفة هيغل الدينية ، وسيكمل الدكتوراه تحت اشراف ريكور ايضا ، وكان موضوع رسالته عن خطاب كانط ، منذ عام 1970 وحتى تقاعده عام 20002 سيعيش جان لوك نانسي في مدينة ستراسبورغ التي تقع على الحدود مع المانيا ، حيث يمارس مهنة مدرس للفلسفة في جامعة ستراسبورغ ، وسيكتب عن هذه المدينة التي شكلت له رمزا من رموز اوربا الحديثة .

في السبعينيات، شكّل نانسي مع زميله ” فيليب لاكو لابارت ” ثنائيا برز باعماله التي دعت الى تجديد الفكر الفلسفي ، وكان يجمعهما التدريس في جامعة واحدة ستراسبورغ ، واصدار عدد من الكتب المشتركة ، وايضا طرح سؤال فكرة المجتمع ودور الأساطير والفلسفات والسياسات التي أسست المجتمعات البشرية. والاهم ارتباطهما باستاذهما جاك دريدا ومحاولتها ترسيخ مفهوم التفكيكية عبر برنامج علمي يتجاوز الفلسفة نحو حقول اخرى كالدراسات الأدبية والقانون واللاهوت والحركة النسائية وكذلك مباحث الجنس والنوع ، ولكن اهم ما ميز تجربة الثنائي جان لوك نانسي و لاكو لا بارت هو اصرارهما على ابقاء الفلسفة خارج دوائر التدريس الجامعي ، حيث رفضا العمل في كبرى الجامعات الباريسية وعاشا حياتهما في ستراسبورغ ، بالقرب من الحدود الالمانية حيث هناك تسكن الفلسفة الحقيقية على حد تعبير لاكو لا بارت .

يوصف جان لوك نانسي بالفيلسوف الذي حقق منجزه الفكري دون ضجيج ، ظل مهتما بالحاضر ، يعتبره حياتنا كلها التي نعيشها والتي ننقدها ، فكل شيء جزء من الحاضر :” يمكننا أن نتذكر الماضي ، ويمكننا أن نأمل في مستقبل معين ، لكن الذكريات والتوقعات هي نفسها جزء من الحاضر “

بعد ان اجتاح فايروس كورونا العالم، خرج نانسي من صمته ليصرح ” : ان الانسان كائن غير مكتمل” ، وان الاوبئة التي كانت تعد في الماضي عقوبات إلهية ، اصبحت اليوم انسانية المنشأ ، وهو يستشهد بمقولة نيتشه ” ما كان إلهيا أصبح بشريا ” . يطلق على كورونا وصف ” تاجر حر نشط ، مشاكس ، وفعال ” ويناقش ما وصلت اليه الراسمالية في العقود الاخيرة ، حيث امتازت بطابع اللامساواة والذي عرض التنوع البيولوجي للخطر ، ويرى ان الحاضر بدأ قاصرا ان لم يكن كارثيا امام الوباء ، ويقول ان الموت، الذي قمنا بتصديره مع الحروب والمجاعات والدمار، هو الآن يتربّص بنا . يناقش نانسي كيف ان فايروس كورونا اعاد انتاج الاختلافات والانقسامات الاجتماعية والاقتصادية وحتى الوطنية ، وبالنسبة له فان وباء كورونا كان اجتماعيا ، لانه في النهاية اثر على قدراتنا وعلاقتنا بالآخرين . ويعرض نانسي وجهة نظره في اهمية ان ” نحترم الحياة البشرية ” ، وان ندرك أن ثورة العقل لا غنى عنها ، لاننا بدونها لا نتمكن السعي وراء التنمية والعدالة الاجتماعية والتقدم . :” لم يعد المرض ما هو عليه في كثير من الأحيان: معاناة فردية وتجربة خاصة. ماذا يحدث عندما يكون المرض مصدر قلق الجميع ، أو حالة طوارئ اجتماعية للمجتمع: هل سرعان ما يصبح حقيقة سياسية ؟” ، يستعير لوك نانسي عبارة فوكو التي يقول فيها ان السياسة والبيولوجيا اصبحتا متشابكتين لتنتجا في النهاية إشكالية مأساوية .

من الموضوعات التي اثارت اهتمام نانسي موضوعة الديمقراطية التي وضع لها اكثر من كتاب ابرزها “حقيقة الديمقراطية ” – ترجمه الى العربية عز الدين الخطابي – وفيه يناقش مبادئ مختلفة كانت تستخدم لتوجيه الديمقراطية ، حيث يوضح أنه ان كان مبدأ الديمقراطية صحيحا ، فهو صحيح دوما بدوره ، ولا بد ان المبادئ الآخرى خاطئة ولا يمكن أخذها بعين الاعتبار إلا عندما توضع على المحك امام مبدأ الديمقراطية .ولهذا يرى جان لوك نانسي ان الديمقراطية تنشأ من صلب التعدد والتنوع البشريين، ويرجع ذلك إلى كون الديمقراطية ليست مفهوما معرفيا ، بل هي مسألة حرية إنسانية، وشراكة في عالم يبنيه الاحرار سوية .

ويتساءل نانسي : هل نحتاج فلسفة في الديمقراطية أم فلسفة ديمقراطية ؟. فهو يجد ان الديمقراطية وجدت داخل الفلسفة ، وتجسدت عبر مسارها ألتفكيري وهو الأمر الذي يدعونا لان نطرح سؤالا اكثر شمولية : لماذا تبقى الديمقراطية على اهميتها بعد 2600 عاما ، ولماذا لا يزال الكتاب والمفكرون والفلاسفة يتكبدون عناء الكتابة عنها او قراءة تواريخ جديدة لحياة الديمقراطية ؟ ، ويرى نانسي ان الديمقراطية لا تتحقق ، إلا بتحقق ما تعد به السياسة . ولعل أعظم وعد تعد به هو الحرية بما هي قيمة فلسفية:” لقد ولدت الحرية في رحم الفلسفة”، وأن لا قيمة فعلية للفلسفة، ما لم تكن نشاطا تفكريا حول الحرية، ويشير نانسي الى ان الهجمات التي تتعرض لها الديمقراطية ، يجعلنا نطلب من الفلسفة ابتكار وسائل للدفاع عن قيمة الديمقراطية ، وفي حوار معه – ترجمه الى العربية أحمد حسان ” ياخذ نانسي حركة الطلاب عام 1968 باعتبارها ابرز مؤشر على المطالبة بابتكار وسائل جديدة :” حصل تحول عميق للفكر في معناه الأوسع والأعمق والأكثر نشاطا وإجرائية أيضا، للفكر بوصفه خطة تأمل في الحضارة والوجود وأشكال التقويم. ومما لا شك فيه، أن المطلب النيتشويّ ( لقلب جميع القيم) أصبح فعّالا في هذه الحقبة، وذلك بشكل مغاير للنمط البهلواني والكارثي المميز للرايخ الثالث ” .. ويوضح الفيلسوف الفرنسي أن الديمقراطية الحقيقية تفتح المجال أمام هويات متعددة من دون أن تصطف بجانب هذه دون تلك، ولهذا على الديمقراطية ان تتجاوز الحالة السياسية ، وان تحقق مفهوم ” فن للعيش المشترك ” ، لان الديمقراطية ليست شكلا من اشكال الحكم ، وانما شكلا من أشكال الإنسانية :” لا الموت ولا الحياة، يقدَّرانِ لذاتهما، فما يقدَّر فقط هو الوجود المشترك ” . ورغم ما سببه الوباء وما فعلته العولمة من المآسي وإنهيار المجتمعات والثقافات من كل نوع . فان نانسي يؤمن بان المجتمعات قادرة على على تجاوز التحديات الصعبة .

يغيب جان لوك نانسي لكن اعماله وكتبه لن تغيب ، وستظل كلمات استاذه جاك دريدا ترافقه حتى اليوم الأخير من حياته :” في المستقبل ، لن ننتهي أبدا ، من القراءة والتفكير ومراقبة الحياة أيضا. ” ، ولهذا لم يتوقف جان لوك عن الكتابه ، حيث نشر نهاية عام 2020 كتابه ” فايروس بشري جدا ” تحدث فيه عن الموت والحياة قائلا : “أنا في الثمانين من عمري. إنه امتداد فائق للحياة . هل إطالة العمر ، خير في حد ذاته؟ لا! وأنا لا أقولها من أجل حياتي ، عندما تكون حياة صعبة ، مع المعاناة ، قد لا تكون حياة جيدة. لكن النقطة المهمة هي أننا نصل اليوم إلى اعتبار أن مجرد طول العمر هو معيار الحياة الجيدة بالطبع ، كان هذا دائما حلما للبشرية.