نشأة مدينة الديوانية..صراع عشائري ينشيء المدينة الجديدة

نشأة مدينة الديوانية..صراع عشائري ينشيء المدينة الجديدة

د. محمد صالح الزيادي

جاء في أصل تسمية الديوانية أن الخزاعل ورئيسهم حمود الحمد آل عباس ( ١١٦٠ - ١١٩٢ ه) وولده حمد آل حمود ( ١١٩٢ــ ١٧٧٩ م ) كانوا على خلاف دائم مع قبائل الاكرع بزعامة محمد آل حمد آل كروش وولده شبيب وعفك بزعامة غانم آل سلمان آل عبد عون آل هرموش آل عقاب وجليحة بزعامة خليل وولده مشكور .

تحول هذا الخلاف إلى نزاع بين الطرفين ، مما دفع الأكرع إلى بناء قلعة على الجانب الأيسر من نهر اليوسفية إلى الشمال الغربي من الحسكة ، وفي الوقت نفسه أمر شيخ الخزاعل حمود آل حمد آل عباس ببناء قلعة على الجانب الأيمن للفرات في موقع الثكنة العسكرية ، وأسكن أتباعه حول القلعة ، وبنى دارًا للضيافة ليقيم فيها كاتبهم الذي يعهدون إليه أمور الجباية ، ولينزلها ضيوفهم المدنيون الذين كانوا يترددون عليهم ، ثم صار الناس ينشئون الصرائف والأكواخ فالبيوت حول القلعة والدار ،وأصبح البعض يتردد عليها بسبب بذل الطعام وقضاء حوائجهم ولاسيما عندما يزورها زعيم خزاعة المذكور وولده حمد آل حمود من بعده ويمكث فيها أيامًا .

جرى العرف العشائري على إطلاق كلمة ديوانية على المضيف المبني من الطين والآجر ، أما المبني من القصب فهو مضيف ، فكانت كلمة ديوانية مترادفة مع خزاعل، فيقال (ديوانية الخزاعل) وبمرور الزمن أصبحت (ديوانية) تذكر من دون خزاعة لشيوع اسمها حتى غلب اسمها على الحسكة .

الواضح أن تردي أنظمة الري والترسبات التي حدثت من جراء ذلك أدى إلى ظهور بلدة الديوانية ، وكذلك انتقال مقر الحاكم إلى الديوانية والنمو والتوسع الذي ساد البلدة ، وازدياد نفوذ الخزاعل الذين أسسوها ، فضلا عن الهجرة التي انتشرت بين سكان الحسكة ، كل ذلك أدى إلى أفول نجم بلدة الحسكة ومن ثم انقراضها واندراسها ، أما فيما يخص نشأة هذه المدينة فقد قدر للظروف الطبيعية التي أوجدت الحسكة أن تعمل على اندثارها وظل اسمها ملاصقًا لبلدة الديوانية التي ظهرت تدريجيًا حتى عام ١٨٢٠، فمن الباحثين من يرى أن الديوانية هي ابنة الحسكة الشرعية التي نمت في رحمها وقامت على أنقاضها ، وأنهم ا اسمان لموضع واحد تداولتهما الألسن للدلالة على هذه المدينة ، ويبدو أن المؤرخ الحاج وداي العطية أول القائلين بهذا الرأي في كتابه تاريخ الديوانية ، إلا أن هذا الرأي تعارضه المصادر التاريخية التي أوردت الحسكة مجردة من ذكر الديوانية ، فأقدم إشارة إلى الحسكة تعود إلى عا م ( ١١١٧ ه ــ ١٧٠٥ م ) ، ذكرها السويدي في كتابه (حديقة الزوراء في تاريخ الوزراء) ، أما أقدم إشارة إلى الديوانية فقد أوردها الرحالة أدورد ايفز ، في رحلته التي تمت عام ١٧٥٤ م ، تلاه السائح الدنماركي (نيبور) الذي زارها عام ١٧٦٦ وقال عنها :

«وأخيرًا جاء سليمان الكهية إلى السماوة بقطعاته المسماة ليج اغاسي وقد أمره الباشا القائم في بغداد آنذاك أن يعود إلا أنه استمر في تقدمه حتى بلغ الديوانية وكان فيها قائد اسمه علي آغ ا « ثم السائح ابراهام بارستز في كتابه عن رحلته من الحلة إلى البصرة عام ١٧٧٤ م، كما جاء ذكرها من ، ثم الرحالة الملازم صاموئيل ايفرز عام ١٧٧٩ ، تلاه الرحالة الإيطالي سيستيني عام ١٧٨١ م( .

ومنها إشارة صاحب كتاب (مطالع السعود في أخبار الوالي داود ) للقضاء على تمرد الخزاعل وأفخاذه امن آل سلمان وآل حمد الذين كانوا يقطنون جنوب الديوانية على الفرات الأوس ط ، إذ استغلت هذه العشيرة فرصة الاضطرابات التي كانت تعم العراق بسبب احتلال الإيرانيين مدينة البصرة ورفضت دفع الضرائب وأخذت تعيش على قطع الطرق وسلب القوافل التي تسلك الطريقين النهري والبري وبسبب طبيعة المنطقة التي يقطنونها فقد كان من الصعب الوصول إليها وإخضاعها ، لذلك كان من أول أعمال الوالي الجديد سليمان باشا الكبير هو التوجه إليه اوإخضاعها عام ( ١١٩٥ ه- ١٧٨٠ م) فجمع الجند والقبائل الموالية وكون جيشًا كبيرًا قاده بنفسه إلى الديوانية وقضى على انتفاضتهم ، وإشارة أخرى للمؤلف نفسه عام ( ١٢٢٩ ه/ ١٨١٣ م) حين تصدى الوالي المذكور لتمرد آخر قام به الخزاعل وبعض القبائل الأخرى، وكل هذه الإشارا ت تتعلق بالديوانية البلدة الواقعة على الجانب الأيمن الغربي من نهر الفرات إلى جانب الشامية حيث كانت السيطرة للخزاعل التي تمتد من نهر المهناوية الحالي إلى منطقة العرجاء القريبة من الرميثة .

وعلى أية حال يمكن القول إنه منذ عام ١١٦٠ ه/ ١٧٤٧ م برزت الديوانية في التاريخ المحلي على إثر نزاعات عشائرية محلية طغت على الساحة السياسية خلال القرن الثامن عشر، هذا فيما يخص الديوانية في الجانب الأيمن الغربي من نهر الفرات . أما في الجانب الأيسر (الشرقي) للنهر المذكور فقد نمت مدينة الديوانية ، في موضع تتداخل حدوده مع موضع بلدة الحسكة في طرفها الجنوبي سرعان ما تحول إليها سكان الجانب الغربي هاربين بأنفسهم وأموالهم تخلصًا من الصراع الدامي الذي ثار بين الخزاعل أنفسهم لمدة ربع قرن من ١٨٣٠ــ م١٨٠٢ . وخلال المدة المذكورة برزت الديوانية الشرقية كبلدة ذات سور يمتد من ضفة الفرات شمال البلدة في موضع هو اليوم الإدارة المحلية يمتد شرقا بشكل نصف دائرة تتوسطها بوابة هي باب الدغارة، في موضع هو الآن في آخر سوق التجار ومن ملك يعود إلى ورثة الحاج صلال الموح، ويتجه باستقامة حتى ماكنة الثلج العائدة لأسرة آلبوحاچم بحيث يخترق الجدار الفاصل بين ماكنة الثلج والمجرشة والمحلات العائدة للأسر ة المذكورة ، ثم ينعطف داخل هذا البناء نحو الجنوب الشرقي حتى يصل باب الفوار قرب محلات أبي إحسان مقابل الكرفت حاليًا لينتهي عند النهر بعد أن يقطع المحكمة الحالية وقد أقيم على هذا السور عدد من الأبراج ، وخلال أعوام قليلة نزح جميع سكان الديوانية الغربيين إلى الجانب الشرقي تاركين دورهم ومحلاتهم ليجدوا في موطنهم الجديد الأمن والاستقرار بعيدًا عن خصومات العشائر المتنفذة ونزاعاتها المتكررة( .

عن بحث : لمحات من الحياة السياسية في مدينة الديوانية حتى أوائل القرن العشرين ، م . القادسية في الاداب والعلوم التربوية 2011