نـزار عـباس :العمل الـمـفرد..والذات المفردة

نـزار عـباس :العمل الـمـفرد..والذات المفردة

فاروق سلوم

كان نزار عباس من جيل آخر ..لكننا عرفناه في السبعينات يوم أبتدأنا ننشر نتاجنا ألأدبي..وربما عرفناه أكثر يوم صدرت مجموعته الوحيدة / زقاق الفئران / وكان معنا أليفا مباركا ألأسماء الجديدة محاورا طيبا يأنس حين يسمعنا نتحدث عن الوجودية من خلال ألبير كامو..

ولكنه يلفت نظرنا الى سارتر كمفكر أكثر تاثيرا كما كان يبتهج حين يعرف أن قراءاتنا تشمل كولن ولسن ووليم فوكنر وكافكا ودستويفسكي..ودون صعوبات أحسسنا ببساطة الرجل وحميميته..واتردد هنا أن أقول كان صديقا لأنه رغم فارق التجربة كان يمنحنا مكانة الصديق بضحكته ودماثته ..فقد كان يمثل ثقافة الخمسينات بكل إمكانات التأسيس التي أنطوت عليها ..وكان مدينيا إبن بغداد بكل ماتعني الكلمة من رفعة الثقافة والمجايلة والتقاليد وألأخلاقية

وأظن أن تلك أخذت من فنه الكثير فهو مقل ملول ..نافذ الصبر..متبرم وفي أحيان كثيرة..يائس.. كنا نميل الى عبد الملك نوري ..بسبب التكنيك والكثافة التي تنطوي عليها قصصه ..ولكننا لم نكن نميل الى فؤاد التكرلي بسبب أجواءه الشعبية ..وحين قرانا لنزار عباس قصص الخمسينات التي نشرها / قادر/ ألأطفال/مياه جديدة / السرير رقم 3 /وغيرها أقبلنا على قراءة مجموعته الوحيدة التي صدرت أوائل السبعينات ( زقاق الفئران ) لنكتشف عوالم..وشخصيات تعبر عن موقفه الوجودي ..وموقفه السياسي وألأجتماعي ..في حركة ألأبطال وحواراتهم..والحقيقة انني أميل للحديث عن ( نزار)كشخصية أساسية في سيرته كقاص ..وفي حياتنا كمتلقين ..أمـا هو وقد غاب وسط ضباب ألأيام ألأسمنتية ..والمدينةالساقطة ..وألأيادي الغريبة وهي تستل نصلها..فأننا لانمتلك عزاء غير ذكريات وأوراق ..ومواقف..ومحاولة أستذكار متأخرة..لقد كانت تداعيات شخوصه ..تداعياته هو..لأنه وإن كان فاعلا في علاقاته ألأجتماعية إلاّ إنه كان منقطعا في الحوار مع الذات في تداع حر يشي بيئسه من ألآخر ..كما كان في تناوله لهموم كونية ذات طابع فلسفي يعبر عن تقاطعه مع السائد ..أو الواقعي وتبرمه منهما ..وكان ميالا للتعويض عن ذلك والتخفيف منه في تناول كأسه ألأثير دون توقيتات أو تقاليد أو مقدمات

كان هو ( نزار ) بطل قصصه ..ألأنطوائي اليائس الذي تأكله وساوسه وتتسلقه همومه ..ويأخذه كأسه الى لحظة نسيان ..كان مؤرخا لسيرة شخصية يرى أنها تشكل مركزا لتوازن الحياة أمامه ..ورغم ذلك التكثيف الذاتي في سيرته وقصصه إلاّ إنه لم يكن نرجسيا موغلا في الذاتية ..بل إنه كان في ذاتيته المنعكسة على فنه متماهيا في ذات الخراب الخارجي الذي يمثل موقفه من ألأحداث اليومية ..وألأجتماعية والسياسية..كانت ضحكة الطفل فيه خليطا من السخرية المرةّ وعدم أكتراثه بألممكن ..ولذلك فقد أنصرف الى مراجعه االخاصة : التداعيات التي تشكل حواراته الذاتية وتلخص مواقفه من الصورة الخارجية..لم يكن يعتبر النشر إلاّ لعبة لاتستحق العناء مادامت الحياة تمضي بهذا السياق الذي يرفضه أبطاله ..من ألألم والضياع وألأسى..كما في قصصه : فيء

ـ مياه جديدة ـ وذلك المساء الجميل..ولم يكن يرى في النشاط العام إلاّ خرافة كاذبة ضمن لعبة الحياة ..نعم تلك اللعبة اللانهائية من الأحداث المتكررة في صورة الوقت ..عدا ألأبطال المختلفون ..وألأبطال اللذين نفتقدهم..

ألم يمضي صديقه الشاعر المتمرّد حسين مـردان الى نهاية الشوط ..ألم يحمل حسين مردان جنونه ألأبداعي ..وجرأته الخاصّة ويمضي دون أن تكتمل مغامرة الشاعرالذي كادت تكفّره ألأيام ..وتهلكه قصيدته المتمردة على السائد الهش..السائد الكسيح.. ألم يمضي صديقه الشاعر رشدي العامل على عكازته حاملا همّ السياسة والشعر والقهر.. الم ترن كلمات رشدي عن اللاجدوى واليأس الجميل..والرحيل الممكن دائما الى اللانهاية والسكون.. ألم يكن بطله في ( فيء) يريد أن يقتل ثقافته وأفكاره ..ويمحو أحلامه ومشاريعه..

ألم يكن بطله لايؤمن بشيء..

لايؤمن بشــــــيء..

لقد كان نزار عباس أبطاله اليائسين..من الحرية ..من الوجود..من الفكر..

كان نزار عباس..مفردا في قصصه..

مفردا في ذاتيته..

مفردا في حزنه..

وحـين غــادر ..غادر مفردا أيضا..

وداعا نزار عباس.

عن الحوار المتمدن