التكمجي ينشر «شخصيات نافذة»  لعبد اللطيف الشواف

التكمجي ينشر «شخصيات نافذة» لعبد اللطيف الشواف

إبراهيم السواعير

- الدكتور حمدي التكمجي مثقف عراقي فاعل بامتياز، يشتغل متأنّياً، واثقاً، على مشروعه في تقديم الشخصيات العراقيّة الفكرية والحزبية والسياسية في سلسلة تحظى كلّ إصداراتها باستجابة الوسط الثقافي والإعلامي ورواجاً،لمنهجيّة التكمجي، وصبره في التصنيف والهوامش والإحالات قبل أن يدفع بكتبه الثمينة الفاخرة إلى المطبعة.

التكمجي، الذي ما زال كتابه- الموسوعة، حول أحد أبرز الفنانين العراقيين في الفن والفكر والسياسة محمود صبري، يزين رفوف المكتبات المخلصة لذلك الرعيل الذي أعطى وقدّم ما يدعم هذا الجيل... يخرج على أصدقائه هذه الأيام، وقد أعدّ وقدّم كتاب عبداللطيف الشوّاف(شخصيات نافذة)، وهو جهدٌ مهم أن يطبع المهتم أو يعيد طباعة أو يتحقق أو يضيف؛ فيفيد معه من يقرأ هذه الشخصيات ويقبس منها تصاريف ذلك الزمان.

يقول التكمجي إنّ الكتاب الذي طُبع ونشر عام 1993 خارج العراق، وبأعداد قليلة، لعدم إمكانية إدخاله العراق في زمن حكم البعث، كان تمّ توزيع معظم نسخه خارجيّاً؛ ويورد التكمجي الأسباب التي حدت به إلى إعادة نشره، ومنها أنّ هذا الكتاب لم يصل أو يوزع في وقته في العراق بالشكل الذي يتناسب والمعلومات القيّمة التأريخيّة والاجتماعيّة والسياسيّة الواردة فيه، كما أنّه لم يكن قُدّم بما يشير إلى المؤلف الشوّاف ومكانته وثقافته، فهو ضعيف بحقّ نفسه.

يعتمد التكمجي على رسائل كانت وردته آنذاك، وتطرّقت إلى ما جاء فيه من معلومات موسوعيّة وتأريخيّة واجتماعيّة، وفي ثنايا ذلك إشارات بسيطة سياسية مباشرة وغير مباشرة تتناسب مع الوضع السياسي العراقي في زمن البعث. ويذكر التكمجي من هذه الرسائل رسالة عبدالرزاق الحسيني، وناجي جواد الساعاتي، وجواد هبة الله الحسيني، ويوسف العاني، ورسالة من مكتبة الجامعة الأردنية بوساطة الأديب الدكتور أحمد ماضي، ورسالة من مكتبة عبدالحميد شومان، علاوةً على مقالاتٍ كُتبت حول شخصيّة عبداللطيف الشوّاف الوطنية والإنسانيّة والاجتماعية عقب وفاته، منها ما كتبه الدكتور فاروق برتو، والدكتور مهدي الحافظ، بالإضافة إلى حفل تأبين عبداللطيف الشوّاف في لندن.

يصف التكمجي الراحل الشوّاف بأنه شخصيّة واسعة الأفق والاطلاع، عالية الأخلاق، سامية المبادئ، نزيهةً صابرة، قبلت بالعيش الكفاف الكريم، ولم تفرّط بالمبادئ الوطنية والديمقراطيّة...شخصية كان صاحبها مناضلاً من أجل عراق يتمتع بالحرية والعدل والمساواة. لم يقبل مناصب في الحكومة على أساس تمثيل الديمقراطيين في العراق؛ انطلاقاً من اعترافه بجماعة معروفة تمثل الحزب الوطني الديمقراطي وهي صاحبة الحقّ في الترشيح والمشاركة. وهو الأسلوب ذاته، كما يقول التكمجي، الذي عُرض على الراحل محمد حسن سليمان والدكتور حافظ التكمجي وغيرهما على أساس أنهما يمثلون اليسار في العراق، فرفضوا انطلاقاً من أنّ هنالك أحزاباً وكتلاً تمثل اليسار، وهي صاحبة الحق في الترشيح والمشاركة.. ما يرمي إليه التكمجي أنّ الحزب الحاكم آنذاك لم يكن يعترف بالأحزاب الوطنية واليسارية. الشوّاف، المحامي القدير الناجح في صداقاته التي لا تعد مع خيرة أبناء الشعب العراقين كما يقول التكمجي، كان ترك كلّ شيء وعاش خارج بلده عيشة الكفاف، وكانت له آراء قيّمة سياسيّة.

يذكر التكمجي أنّه تأثر بشخصيّة الشوّاف الفذّة، ليس فقط بما كتب أو كُتب حوله فقط، وإنما بأخلاقه وسلوكه الكاره للطائفية المؤمن بحقوق الشعب الكردي، إذ كانت دار التكمجي في عمان ولعدة سنوات ديواناً حافلاً بمختلف الشخصيات العراقية والأردنية والعربية المثقفين والسياسيين، يذكر منهم التكمجي الدكتور أحمد الجلبي، وعبدالوهاب البياتي، ومحمد سعيد الصكار، ومنذر فتاح، ود.هادي التميمي، ود.عبدالحسين العطية، وعبدالرزاق زبير، ومهدي العمار، ويوسف العاني، ونصير الجادرجي، ود.مهدي الحافظ، ود.فاروق برتو، وغيرهم عند زيارتهم لعمان. والدكتور منير الحمارنة(سكرتير الحزب الشيوعي الأردني) وهشام التل(وزير العدل ونائب رئيس الوزراء الأردني سابقاً)، وسليمان الحديدي (وزير في حكومة النابلسي سابقاً)، ومنير الشوا صاحب فندق القدس، وياسر عمرو أحد قادة منظمة التحرير الفلسطينية، والمحامي صالح الجيرودي، والمحامي ربيع حمزة، وعبدالكريم الكباريتي(رئيس الوزراء السابق)، وصلاح أبو زيد (مستشار الملك سابقاً)، وكثير من الشخصيات الوطنية المثقفة الفلسطينية والأردنية والعربية والعراقية.

يعرّف التكمجي بالشواف في غربته ورسائله إليه وحديثه عن أصدقائه عبدالفتاح إبراهيم ود.مهدي مرتضى ود.مهدي المخزومي وحسين مردان وأحمد الأوقاتي وعبدالرزاق مطر وعبدالرزاق الزبير ومهدي العمار وخدوري خدوري ويوسف عبدالعزيز.. وغير هؤلاء من الشخصيات الوطنية والثقافية. وهو طموح لحكم ديمقراطي تقدّمي تعمّه الحرية والعدل والمساواة، فرحل قبل أن تتحقق أحلامه.

كتابان أنجزهما الشوّاف في غربته، كما يذكر التكمجي، حول (شخصيات نافذة) الكتاب الحالي، وكتاب (عبدالكريم قاسم وعراقيون آخرون)، متناولاً دراسة عبدالكريم قاسم، وعبدالجليل برتو، ونجيب المانع، وسالم الوجيه، والحاج علي البسام. يقول التكمجي إنّ الشوّاف في إحدى رسائله من القاهرة إليه عام 1993 قال في رسالة طويلة (أكملت وضع دراسات بشكل مسودّة ومشروع لدستور عراقي ديمقراطي يمكن أن يقبل من الجميع.. كما وضعت دراسة عن فيدرالية عراقية يمكن أن تضمّ كردستان وتحقق مطالب القوى القومية والجهوية المتعددة وتسهّل أداء العراق وتقدّمه).

يذكر التكمجي أهميّة الشوّاف الحزبية، من واقع شواهد وأمثلة عاشها عن قرب، وطروحات كانت تؤهله لأن يقود دولة. وإذ يقدّم التكمجي الكتاب وينشره من جديد، فإنّه يعلن باسمه وباسم كل من ذكرهم الشوّاف في كتاباته والذين لم يذكرهم تقديرهم له ولشخصيته الوطنية والاجتماعية والإنسانيّة الفذّة في ذكراه العطرة، التي كانت مثالاً للعراقيين، وما أكثرهم من وطنيين ومثقفين وسياسيين وأدباء وشعراء وفنانين وشعب عريق يزخر بالكفاءات النبيلة الشريفة الوطنية، الذين عملوا وضحّوا وما زالوا يعملون بكلّ نبلٍ وإخلاص لبناء عراق جديد بعيد عن الطائفية الشريرة والعصبية البغيضة والحزبيّة الضيّقة. عراق جديد ديمقراطي اتحادي يعمّه السلام والخير والرفاهيّة والعدل والمساواة، عراق كما كان يحلم ويعمل على تحقيقه.

عقب هذه الإطلالة التي يقدمها لنا التكمجي، نكون أمام الشخصيات النافذة التي يعرفنا بها عبداللطيف الشواف ويقرأ ما أحاط بها من أحداث وما أثر فيها من ظروف، متبعاً السرد والتعليق والوقوف عند مفاصل على هيئة فصول مرقمة.

يعرّف الشواف بعبدالله فالح السعدون، وسليمان فتاح باشا، وشكر التكمجي، ومحمد زينل، ومحمود خالص، وحمد المحمد الذكير، ويلحق بالكتاب رسائل من عبد الرزاق الحسيني وناجي جواد وهبة الدين الحسيني ود.أحمد ماضي، وعبدالقادر خطاب، ود.أسعد عبدالرحمن، ومقالات لفاروق برتو بعنوان(عبداللطيف الشواف.. الأصالة العراقية المشردة)، ود.مهدي الحافظ بعنوان(عبداللطيف الشواف فقيد العراق والخسارة التي لا تعوّض)، ويذكر حفل تأبين الشواف في لندن، ويلحق صوراً له في ذلك الوقت.

هذه الأعلام مهمّة وقد اتبع الشواف في التعريف بها السرد المشوّق والتوثيق والإحالات والأشعار العامية والفصيحة، وهي أعلام مبثوثة في الكتاب المطبوع في دار الوراق للنشر، وبذلك ننتظر من الدكتور التكمجي التعريف بأعلام جدد وشخصيات عراقيّة أبدعت كلٌّ في مجالها الذي وجدت من أجله.

ج. الرأي في 7 / 8 / 2013