من تاريخ كربلاء في القرن التاسع عشر

من تاريخ كربلاء في القرن التاسع عشر

 عبد الحسين الكليدار

لم تزل كربلاء بين صعود وهبوط، ورقي وانحطاط ؛ تارة تنحطّ فتخضع لدول الطوائف، وطوراً تعمر متقدّمة بعض التقدّم إلى أن دخلت في حوزة الدولة العثمانيّة سنة ٩١٤ هجـ، وأخذت تتنفّس الصعداء ممّا أصابها من نكبات الزمان وحوادث الدهر التي كادت تقضي عليها.

وبقيت مطمئنة البال مدّة طويلة تزيد على ثلاثة قرون، ولم ترَ خلالها ما يكدّر صفو سكّانها حتّى مفتتح القرن الثالث عشر الهجري ؛ إذ كان هذا القرن من مبتدئه إلى منتهاه من أسوأ القرون التي مرّت بها المدينة المقدّسة، كأنّما القدر أبى أن تعيش ولو إلى حين في طمأنينة وهدوء ؛ فأنزل ضربته القاضية بما حلّ بها من محن وإراقة دماء وخراب ونهب، وإن كان ما حلّ بهذه المدينة المقدّسة ـ في هذا القرن ـ لم يقتصر عليها وحدها، ولم يختصّ بها بل عمّ جميع البلاد، وشمل البلاء سائر العباد.

ابتدأ هذا الدور بعد سقوط داود وولاية اللاز علي رضا عند مفتتح السادس والأربعون بعد المئتين والألف، فقام هذا الوزير بشؤون إصلاح اُمور العراق، ولم شعثها من ترك حاميات الجند في البلاد، وقد نصب الحكّام بها، وبذل الجهد في سبيل تأمين السبل والطرق , إلاّ أنّه لم يدرك المقصود ؛ للهوى الذي كان في نفوس أهليه، وما كان لهم من الاستحقار للقوّة الحاكمة ؛ إذ إنّ النفوس قد اشرأبت إلى الحرية عند زمن الانحلال في أواخر الدور الثاني، وزاد ذلك أنّ بعض الولايات التي استقلّت في عهد داود قد بقيت على انفصالها.

على أنّ القصد الذي أنا في سبيل تدوينه عسر السلوك مع اشتهار حوادثها، كحادثة الوهابي والمناخور، وحادثة نجيب باشا وعلي هدلة، لكن ليس بالأيدي ما يُعول عليه، ولا مَنْ يُعتمد عليه ليصح النقل عنه.

فإليك مثلاً الواقعة الأخيرة المنسوبة لعلي هدلة: فقد وقعت لسنة ثلاث وتسعين بعد المئتين والألف الهجرية، ولم يكن مَنْ لم يدركها، أو لم يشاهدها , بل إنّ جلّ الأهلين قد شاركوا فيها، أو شاهدوها عن كثب، فمع شدّة تحرّياتي لم أقع على مدرك يمكن التعويل عليه وضبطه سوى الكلّيات.

فقد وقفت على رسالتين في المناخور ؛ أحدهما عربي العبارة , غير إنّه على غير ترتيب، والثاني فارسي العبارة , إلاّ أنّه أشبه شيء بالروايات منه بالوقائع التأريخية لشخص عاصر تلك الحادثة , ورسالة في واقعة نجيب باشا منظومة من بحر الرجز فارسية للميرزا زكي حسين الهندي، وهو عند الحادثة شاهداً وقائعها.

وأمّا أخبار نهب ابن مسعود بها فقد وقفت على بعض حوادثها ضمن أخبار العلماء وتراجمهم، ومرثية للشيخ محمّد رضا الأزري، وقد بلغني أنّ لوقعة علي هدلة رسالة مدوّنة لبعض الأفاضل، أرجو من الله أن يمكّنني منها ؛ لكي أتمّم بها قصدي، وعليه التكلان.

حادثة المناخور

وفي سنة ١٢٤١ هـ وقعت واقعة عظيمة تُعرف بواقعة المناخور ـ أمير الآخور ـ أي أمير الاصطبل، وذلك إنّ الدولة العثمانيّة كانت في ذلك الزمن ضعيفة ؛ لاحتلال الجيش الإنكشاري، واستقلال البلاد القاصية، وانشغالها بمحاربة العصاة في البلقان، وطموح محمّد علي والي مصر إلى الاستقلال، واستقلال علي باشا (ذلتلي تبه) في ألبانيا. وكان والياً على العراق آن ذاك داود باشا وكان تقياً عادلاً ورعاً، مشهوراً بالدهاء وفرط الذكاء، إلاّ أنّه كان شديد الحرص على الانسلاخ من جسم الدولة، والاستقلال بالعراق أسوة بمَنْ تقدّمه ؛ فسعى بادئ ذي بدئ إلى جلب قلوب الأهالي بما أنشأ من العمارات والبنايات , والجوامع والتكايا، وقرّب علماء العراق وبالغ في إكرامهم، ونظم جيشاً كبيراً وسلّحه على الطراز الحديث.

حينئذ قام بعد ذلك فسيّر جيشاً ضخماً بقيادة أمير اصطبله، وكانت عشيرة عقيل تعضده , فأخضع القائد الحلّة واستباح حماها، ثمّ جاء كربلاء فحاصرها ثمانية عشر شهراً , ولم يقوَ على افتتاحها ؛ لحصانة سورها ومناعة معاقلها، ولمّا رأى ذلك أقلع عنها , ثمّ كرّ عليها ثانياً وثالثاً فلم يفز بأمنيته إلاّ بعد حصار طالت مدّته أربع سنوات ؛ من سنة ١٢٤١ إلى سنة ١٢٤٥، وكانت نتيجتها أن أسر الجيش نقيب كربلاء فسجنه داود باشا في بغداد.

حادثة نجيب باشا

وفي سنة (١٢٥٨ هـ) شق أهالي كربلاء عصا الطاعة على الدولة، وأبوا أداء الضرائب والمسكوس، وكان والي العراق نجيب باشا قد جهّز جيشاً بقيادة سعد الله باشا وسيره إلى كربلاء , فحاصره حصاراً شديداً، وأمطر المدينة بوابل قنابله , ولم يساعده الحظّ في افتتاحها ؛ لأنّ سورها كان منيعاً جدّاً، وقلاعها محكمة لا يمكن للقائد الدنو منها.

ولمّا أعيت به الحيل الحربية التجأ إلى الخداع فأعطى الأمان للعصاة، وضمن لهم عفو الحكومة فأخلوا القلاع وجاؤوا طائعين، فقبض عليهم , وسلّط المدافع على الجهة الشرقية ؛ فهدم السور، وأصلى المدينة ناراً حامية، ففتحها وارتكب فيها كلّ فظاعة وشناعة، ودخل بجيشه إلى الصحن العباسي , وقتل كلّ مَنْ لاذ بالقبر الشريف، وبهذه الموبقات عادت سلطة الحكومة إلى تلك الربوع والله علاّم الغيوب.

فتنة علي هدلة

وفي سنة (١٢٩٣ هـ) ظهرت فتنة في كربلاء عُرفت بفتنة علي هدلة، وذلك إنّ جماعة من المفسدين حرصت الأهالي على مناوأة الحكومة، وكانت أفكار الأهالي مستعدة لقبولها، فألفت عصابة بقيادة علي هدلة وقابلت الجيش العثماني ودمرته في مواقع متعددة، ولمّا رنّ صدى هذه الحادثة في الأستانة قلق السلطان المخلوع وأصدر إرادة سنية بإرسال جيش إلى كربلاء وهدمها وقتل مَنْ فيها عن بكرة أبيهم.

وأناط تنفيذ هذه المهمّة بعاكف باشا والي بغداد والمشير حسين فوزي باشا، وكان هذا قائداً عاماً للجيش , فجاء الاثنان إلى كربلاء يصحبهما أحد نقباء بغداد السابقين، وضربوا المضارب قرب المدينة , فلم ير الوالي في المدينة آثار العصيان والتمرّد، وقد علم بعد البحث الطويل أنّ العصاة عصابة ارتكبت إثماً واقترفت ذنباً يطاردها الجيش، وليس من العدل هدم المدينة وتنفيذ الإرادة السنية على سكّانها، وأخذ البريء بجريرة المذنب. فأحجم عن تنفيذ الأوامر , وفاتح القائد العام فأبى هذا إلاّ الإصرار على تنفيذ الأوامر، فنجم من ذلك خلاف بينهما , فراجع الأستانة وخاطبها بالأمر، وبعد أخذ ورد صدر الأمر بالعفو , فرحل الجيش عنها بعد أن قبض على مثيري الفتنة وموقدي نيرانها وقادهم إلى بغداد , وهناك ألقاهم في أعماق السجون والعذاب.

عن كتاب (بغية النبلاء في تاريخ كربلاء(بتصرف