الواقعية العراقية ونجيب يونس

الواقعية العراقية ونجيب يونس

منير العبيدي

اثبتت الواقعية على إنها المدرسة الاكثر حيوية في الفن على مر التاريخ، فإلى جانب المدارس الاخرىالاكثر ثورية، وحتى في القرن العشرين الذي إمتاز بالابتكار والتحديث، كان هناك نوعٌ من الواقعية كمدرسة فنية تعيش بموازاه المدارس الاخرى.

فقد إزدهرت في أوربا، على سبيل المثال لا الحصر في العقود الاخيرة، مدرسة فنية سُميت بالواقعية الفوتوغرافية تعنى بالرسم بطريقة واقعية تبالغ بالاهتمام بكل التفاصيل الصغيرة إعتمادا على الفوتوغراف. على أنه ينبغي الانتباه الى اننا نأخذ مصطلح الواقعية بمعناه الواسع، ونعني بها جميع اشكال التعبير التي تنطوي على تأويل الواقع دون المبالغة في القطيعة عنه بإعتبارة مصدراً للآبداع، وبالرغم من إن الفن، في نهاية التحليل وبغض النظر عن مدارسه، يستمد تكوينه والوانه من الواقع الذي أعيدت صياغتة عبر رؤية فردية وذاتية إبداعية،

الا أن درجة التغريب عن هذا المصدر تتفاوت وتبلغ ذروتها فيما أصطلح على تسميته بالحداثة وما بعد الحداثة، وعليه سوف يُصار، في هذا السياق الى إدراج الرومانسية والانطباعية والواقعية الفرنسية وممثليها الكبار من مدرسة الباربيزون وكذلك بالطبع واقعية (كوربيه) وكذلك الواقعية الفوتوغرافية المشار اليها أعلاه ومدارس أخرى ضمن مصطلح الواقعية، ليس لان هذه البحث مَعني بدراسة هذه المدارس وأنما لاسباب تتعلق بالمعيار والمنهج وبقدر تعلق الامر بالفن التشكيلي العراقي، ومن هنا تنشأ ملاحظة ضرورية تتعلق بتسميات المدارس الفنية تجعلنا نشير الى أن الحدود بين المدارس الفينة، كما هي عليه الحال في كافة التصنيفات في المجالات الابداعية والمعرفية، هي حدود إفتراضية وقابلة للحركة ومتداخلة فيما بينها، كما ان الفنان هو في الغالب غير معني بها، وأنها تنشأ في أعقاب عملية الخلق والابداع والانجاز وليس قبلها. وإن من المناسب التنويه الى ان الواقعية هي على خلاف جميع المدارس الفنية، وأضافة الى السمات الاخرى، غير قابلة للاستنفاذ كما إن إطارها واسع بحيث يتسع الى تلاوين مختلفة ولذا فإن بالامكان دائما وحتى في الوقت الحاضر تأسيس واقعية ذات أصالة.

كان من أوائل رواد الواقعية في الفن التشكيلي العراقي الفنان عبد القادر رسّام ولقد ترك هذا الفنان مجموعة من اللوحات التي تمثل مشاهد طبيعية لمناطق مختلفة من أطراف بغداد ومناطق أخرى، ولوحاته تمثل مشاهد طبيعية مرسومة بطريقة فطرية تأسست على التجربة الشخصية وعدم المواكبة أو الاطلاع الكافي على التجربة العالمية المعاصرة في تلك الفترة من أوائل القرن العشرين التي كانت أوربا فيها تقود ثورة غير مسبوقة في الفن التشكيلي، وتبعاً لهذا بقي فن عبد القادر رسام خالياً من أية هموم تتعلق بالاسلوب او التحديث. وبالرغم من أوربا شهدت في وقت أبكر قليلا بروز فطرية (هنري روسو) الذي أعيد تقييم أعماله كواحد من رموز الفن التشكيلي الذين لعبوا دوراً كبيراً في التحديث اللاحق الذي شهده القرن العشرين، الا أن إختلاط هذا الفنان ومعرفته الوثيقة بأعلام الفن التشكيلى الذين عاصروه أمثال فان كوخ وسيزان ترجّح إختياره الواعي للمدرسة الفطرية على خلاف ما ذهب اليه الكثير من النقاد ومؤرخو الفن. تلعب العزلة والبساطة دوراً مشابها لدور الافراط في الاستقلالية over independence))، في تأسيس فن فريد، فالفنان المعرض دائما لضغوطات الجمهور والنقاد ووسائل الاعلام يصعب عليه في الغالب أن يقوم بإختيار تلقائي قائم على على طبيعة تكوينه وإحاسيسه حيث يتعرض الفنان الى تدخلات من أنواع شتى، ليس أقلها النقد، تلعب دورا مباشرا وغير مباشر في سلبه حريته وتلقائيته، لذا فإن العمل المقصود الذي قام به (غوغان) على سبيل المثال في الهروب الى عالم معزول، كان متوفرا بقدرما وبدون أي مجهود لفنانين آخرين بحكم عوامل أخرى، وليس من الصحيح القول بأن الوعي والثقافة يلعبان دائما دوراً أيجابياً في تطور الفنان ففي أحوال كثيرة كانت بساطة الوعي وعدم تعقيداته قد دفعت الفنان الى شحذ أحاسيسه وحدسه كما أنها من جهة أخرى جعلته في منجى من التشوش القائم على المبالغة في الاطلاع. 

لقد تناولت بعض الفنانين الشباب في سياق الحديث عن الواقعية مستبقا الحديث عن الفنان الواقعي البارز الآخر نجيب يونس، وذلك في سياق الامثلة التي تم سوقها للحديث عن التأثير الذي مارسه الفنان فائق حسن على هؤلاء الفنانين. وبالرغم من الفنان نجيب يونس كان ايضا ذا تأثير واضح على العديد من الفنانين في منطقة الموصل والتي قلما غادرها، الى انه كما يبدو لي لم يكن ميالا الى هذا النوع من التأثير والسطوة التي مارسها فائق حسن.

تمتاز واقعية نجيب يونس باسلوبها الخاص، كما ان له مجموعته اللونية، التي هي من جهة اخرى اكثر تنوعا وبريقا واكثر تحررا من الالوان الارضية والبُنيّات التي برع فائق حسن باستخدامها، ولاشك ان الطبيعة الموصلية والمناطق المحيطة بها، وخصوصا مناطق الايزيديين وملابسهم الزاهية والطبيعة الخلابة في المناطق التي يسكنون فيها حيث كانت حياتهم اليومية ودبكاته والتي كانت احد الموتيفات المفضلة لهذا الفنان قد لعبت دورا كبيرا في اغناء مجموعته اللونية. رسم نجيب يونس الزهور وخصوصا النرجس واسع الانتشار في تلك المناطق، كما رسم الحياة اليومية والناس في المقاهي والطبيعة الساكنة وكان مجال المواضيع التي تناولها واسعا، كما سعى للوصول الى تطويرات اسلوبية بكسر المنظور واستعمال اكثر من منظور واحد في اللوحة الواحدة. وفي الثمانينات اقامت له وزارة الثقافة والاعلام معرضا كبيرا في العاصمة البريطانية لندن. درس هذا الفنان في مصر وليس من الصعب تتبع أثر ذلك على اسلوبه. عرض الفنان نجيب يونس في قاعة أصدقاء الفن وقاعة نادي العلوية فيما بعد وكانت تربطه بالفنان الراحل موفق الخطيب علاقة طيبة إذ انه عموما قليل العرض في الكاليريهات ربما بسبب الاقبال على اعماله التي كانت تطلب منه مباشرة وبكثرة عن طريق التوصيات.