في ذكرى رحيل جواد سليم.. آخر ماقاله “لورنا ملاك”

في ذكرى رحيل جواد سليم.. آخر ماقاله “لورنا ملاك”

فتيان اكرم الفتيان

في23 يناير/كانون الثاني سنة 1961 توفي الفنان جواد سليم صباحاً بعد ان اصيب بنوبة قلبية اُدخل على اثرها إلى الردهة الثامنة في مستشفى الجمهوري ببغداد حينها كان برفقة صديقه الدكتور الفنان خالد القصاب قاصدين احد المطاعم بعد منتصف الليل.

لازمه في المستشفى الدكتور سالم الدملوجي إضافة إلى الدكتور خالد القصاب ورافقتهما السيدة لورنا زوجة جواد سليم، تحسنت حالة الفنان في بادئ الأمر لكنه اُصيب بنوبة قلبية ثانية ادت إلى انخفاض ضغطه وصعوبته في التنفس وتعطشه إلى الاوكسجين، وفي لحظاته الاخيرة إلتفت إلى زوجته قائلا (تصوري إني أراك الآن ملاكاً .. تصوري أنت لورنا ملاك) بعدها ابتسم وتوقفت عيناه عن الحركة لينتقل إلى رحمة الله.

يروي الدكتور خالد القصاب في كتابه الموسوم (خالد القصاب.. ذكريات فنية) مشهد جواد سليم في غرفة الاموات في مستشفى الجمهوري قائلاً: (في غرفة الأموات المظلمة، كان جسد جواد مسجى على منضدة (البورسلين) الأبيض، سال من الأعلى خيط نور صغير ليخترق الظلمة ويسقط فوق وجه جواد الشاحب.

وفي ركن الغرفة تجمعت ظلال الأصدقاء تبكي المشهد الكئيب: حافظ الدروبي وإسماعيل الشيخلي وسعد شاكر ومحمد عبد الوهاب وباهر فائق وسالم الدملوجي وخالد القصاب. وانبرى النحات خالد الرحال يخفق بيده عجينة (البلاستر) يغطي بها وجه جواد ولحيته ليعمل منها قناعاً لوجهه والدموع تنهمر من عينيه، تكسر القناع عدة مرات لرداءة المسحوق، فأسرع سعد شاكر في الذهاب إلى معهد الفنون الجميلة لجلب مسحوق بديل، فأعاد الرحال عمل القناع مرة أخرى، وهنا أطلق باهر فائق صرخة من قلب الظلام: (خالد لاتخنق جواد)، وانخرط الجميع بالبكاء).

وهنا يجدر بي الذكر ان القالب الذي صنعه الفنان خالد الرحال لجواد سليم اصبح في منزل النحات الراحل محمد غني حكمت وهو ما زال في بيته ببغداد حتى الآن.

استطاع جواد سليم في الاثنين والاربعين سنة التي عاشها ان يترك ثروة فنية عراقية عالمية، اذ كتب عنه وعن اعماله الكثير من النقاد العراقيين والعرب والغربيين الذين تاثروا بنتاجاته الفنية.

اجتمعت في جواد سليم موهبتان هما الرسم والنحت وكان يعاني من عمله في المجالين معاً اذ كتب لزميله خلدون الحصري في عام 1944 رسالة قال فيها: (اكثر مايثقل علي الان هو تقسيم قواي بين الرسم والنحت، اظن اني يجب ان اترك احدهما في يوم من الايام.. وعلى اكثر ظني سأترك الرسم نهائياً ).

درس جواد الفن متنقلاً بين فرنسا وايطاليا وبريطانيا في سنوات الحرب العالمية الثانية مما جعلت سنوات دراسته للفن قاسية جداً، وهنا اعود إلى مذكرات الدكتور خالد القصاب حيث ذكر معلومات مهمة جداً عن جواد واسباب نوباته القلبية إذ يقول ان جواد قد اصيب من قبل بنوبات قلبية اثناء دراسته للفن سابقاً واثناء عمله في نصب الحرية اخيراً، حيث كان يعاني من ضغوطات كثيرة اهمها خلافه مع الزعيم عبد الكريم قاسم حين شاع انه كان يريد ان ينحت وجهه في النصب وكان جواد يرفض ذلك. وذكر الدكتور خالد القصاب انه تحدث مع الزعيم بخصوص جواد ليقلل من التوتر بينهما لكن الزعيم ابدى انزعاجه من الموضوع ولم يعلق على حديث القصاب.

ان وفاة جواد قد سبقت اكمال نصب الحرية في مكانه المخصص ببغداد أذ لم ليشاهد عمله على ارض الواقع والذي اصبح رمزاً من رموز العراق الفنية… فاليرحمك الله ياجواد.

*عن موقع الفنون الجميلة