جواد سليم بريشة لورنا

جواد سليم بريشة لورنا

عبد الستار جبر

في عام 1946 في لندن التقى غيتار بكمان، كانت الأصابع التي تعزف على الغيتار سمراء عراقية بينما التي تعزف على الكمان بيضاء انجليزية، الأولى قدمت لتتعلم النحت في كلية (سليد) للفنون الجميلة، أما الثانية فقبلت في الكلية نفسها لتتعلم الرسم، وقد التقيا خارج الكلية في حفلة خطوبة لفتاة من قسم الرسم على شاب من قسم النحت، وادرك الحضور ان العازفين اللذين يناديان بجواد ولورنا قد اشتركا بلحن من النظرات المتبادلة والاعجاب والاستلطاف، بين شاب قطف من العمر 27 ربيعا وفتاة أزهر عمرها 18 ربيعا.

في تلك الليلة الضبابية المتوهجة بنكهة الاحتفال افتتحت ذاكرة لورنا غاليريا جديدا لم يحتضن سوى لوحة واحدة لبورتريت لم تكتمل خطوطه وملامحه بعد، لرجل مختلف عن الآخرين، بوهيمي في سلوكه واقواله ولبسه، يميل الى الفكاهة ويهتم بالموسيقى والشعر وحفلات الباليه، ظل هذا البورتريت 3 سنوات معلقا على جدران ذاكرة لورنا يزداد ثباتا حتى أعلن صاحبه الرحيل والعودة الى الوطن ولكن برفقتها زوجة له، فاستقلا القطار الى (شفيلد) حيث يقطن والداها، قال له الأب:

- «عد الى بلدك ايها الشاب فاذا شعرت هناك انك مازلت راغبا في الزواج من ابنتي فسيكون لكل حادث حديث «.

وكان هذا الشاب بفعلته هذه قد خالف قانون البعثات العراقية الذي يمنع الطالب من الزواج اثناء دراسته في الخارج، فعليه العودة الى بغداد ليفك ارتباطه بدائرة البعثات قبل ان يقدم على الزواج، فعاد من دون لورنا التي لم تصبر بعده اكثر من سنة حتى لحقت به اذ استحوذ هذا البورتريت ليس على ذاكرتها فقط بل على قلبها وعقلها كذلك.

في بغداد عقد قران الغيتار بالكمان، وتحول البورتريت اللندني الذي كان يلفه الضباب الى بورتريت بغدادي يحف به وهج الشمس ونصوعها، اذ فتحت ذاكرة لورنا غاليريا جديدا للوحة واحدة ايضا علقت على جدران حديثة طليت باللون البني، لون الارض و البيوت والسماء والناس التي تعود الى زمان ومكان صاحب البورتريت البغدادي الذي حاول بواسطة رفيقته الجديدة - القديمة (لورنا) ان يستعيد لندن واجواءها ويستأنف سعادته، فبدءا بالذهاب الى مقاعد السينما الصيفية المكشوفة لمشاهدة افلام ريتا هيوارث أو سبنسر تراسي وحضور الحفلات الاجتماعية للأصدقاء والمعارف للرقص والاستمتاع واحتساء كؤوس الخمر، اضافة الى حضور حفلات سفارات الدول الاجنبية، اذ عودها لأماس طويلة على اصطحابها معه الى هناك بعد عودته من دوامه المسائي مسرعا من دون ان يبدل احيانا ثياب عمله فيذهب بها (اذ مازال يستأنف بوهيميته)،  واشتركا في العزف مع فرقة بغداد للفيلاهارمونيك التي رسم لها جواد شعارا مستوحى من القيثارة السومرية أصبح فيما بعد شعارا للفرقة السمفونية الوطنية عند تأسيسها عام 1960.

هذا البورتريت - الزوج ملأ حياة لورنا بالابتسامة والضحك، اذ «كان يعشق الفكاهة ويحب الحياة الاجتماعية، وقد حول ايامها ليلا ونهارا الى صناديق مفاجآت «فقد كان يطلع عليها كل يوم بفكرة جديدة أو بمشروع مبتكر»، لكنها فاجأته بزينب ومريم ثمرتي عزفهما الجسدي والنفسي، فتعلق بهما كثيرا، بيد انهما لم تعيقاهما عن استثمار انتشائهما الأقصى بالحياة، فتنافسا على رسم «نساء بغداد الشعبيات بأثوابهن ذوات الالوان المشرقة والنقوش المشجرة وبالحلي الذهبية» وقد سحرت لورنا «مناظر النساء اللواتي يحملن على رؤوسهن جرار الماء أو أطباق القيمر أو رزم الحطب ويسرن متراقصات بخفة أخاذة»، وكان جواد قد رسم لورنا في لندن وهي ترتدي الهاشمي فلم تشبه تلك النسوة الا في الزي الشرقي، فحاولت ان تشبههن في الرسم بعد ان تعلمت من جواد وتأثرت به «نعم لقد تأثرت بجواد، ومن كان قادرا ألا يتأثر به؟ لكنني لم انقل عنه، فقد كنا نعمل بطريقتين مختلفتين تماما، كان هو يرسم من المخيلة ويعرف بدقة ماذا يريد ان يضع على القماش وينهي اللوحة في ساعتين لأنها مرسومة بشكل ما في رأسه، أما أنا فأبدأ بالتخطيط أولا وأرسم بالاستناد الى منظر مرئي»، لكنه لم ينه نصب الحرية الا بعد مرور سنة ونصف في ايطاليا برفقة زوجته وابنتيه وتلميذه محمد غني حكمت وبرفقة وعكة صحية ألمت به وهو يدشن 14 منحوتة لآخر وأعظم أعماله الفنية التي تنتصب في ساحة التحرير في قلب بغداد، بل في قلب الحرية العراقية المعاصرة التي عاد لتمثيل انتفاضتها في 14 تموز 1958 على نصب شامخ لم تكتحل عيناه رؤيته سامقا كما هو الآن، اذ انه في نهار الثالث والعشرين من كانون الثاني عام 1961 رحل نحات الحرية العراقي الى ذاكرة الريادة والابداع اثر ذبحة قلبية، وتوقف الغيتار عن العزف لكمانه الأرمل، فأقفل غاليري ذاكرة لورنا أبوابه على لوحته الوحيدة التي احتضنت بورتريتا ظلت خطوطه وملامحه تبرز اكبر فأكبر طيلة ما يقارب خمسة عشر عاما حتى تحول الى نحت شاخص حفره ازميل الحب والاخلاص على نصب ذاكرتها التي غادرت حنينها العراقي على مضض، اذ كانت تقول «لم افكر بترك العراق بعد وفاة جواد لأن زوجي كان علما في بلده، وأردت لابنتيه أن تكونا فخورتين بأبيهما، وأن تعرفا اي فنان كبير كان، ولو أخذتهما وهما في تلك السن الضغيرة وعدت الى بريطانيا فقد لاتعرفا عنه شيئا»، فأخذت تدرس الرسم في معهد الفنون الجميلة ببغداد حتى كبرت ابنتاها فغادرت بهما الى لندن وما تزال العائلة تعيش هناك.