في رثاء (أبونا) يوسف سعيد

في رثاء (أبونا) يوسف سعيد

فاضل العزاوي

يصعب عليَّ هنا أنْ أودِّع صديقاً عزيزاً تعرَّفتُ عليه وأنا لا أزال تلميذاً في المدرسة، مثلما يصعب عليَّ أن أفتقدَ شاعراً مبدعاً تابعتُ أعماله طيلة أكثر من نصف قرن من الزَّمان. فرغم كلَّ المسافات التي كانت تبعدنا عن بعضنا، مرَّة حين انتقلتُ الى بغدادَ وظلَّ هو في كركوكَ وأخرى حين شدَّ رحاله الى بيروتَ ومن ثمَّ الى السُّويد فيما انتقلتُ أنا الى ألمانيا، حيث ظل يتّصل بي أو يكتب لي أو يزوِّدني بدواوينه الجديدة.

أتذكَّر، إن لم تخنّي الذَّاكرة، أنه طلب مني أن أكتب له مقدِّمة أحد دواوينه التي نشرها أثناء وجوده في السويد، مثلما تلقَّى هو الآخر كتابي “الرُّوح الحيَّة” الذي تحدَّثت فيه عنه حين كنَّا لا نزال في كركوك، ببهجة طاغية وحماسة شديدة فكتب مقالة مطوَّلة عن الكتاب، نُشِرَتْ في مجلّة المدى التي كانت تصدر في دمشق.

كان الأب الشاعر يوسف سعيد، أو “أبونا” كما اعتدنا على مناداته منذ أيام صبانا الأولى، قد دعاني أكثر من مرة لأكون ضيفاً عليه في السويد، متعهِّداً بأن يذبح لي بقرة على حدِّ قوله، ولكن كان ثمَّة دائماً ما يشغلني عن تلبية رغبته الكريمة، حتى تلقَّيت دعوة قبل عدّة أعوام الى مهرجان شعري يعقد في مدينة مالمو السويدية، كان الأب الصديق الشَّاعر يوسف سعيد قد دُعيَ إليه هو أيضاً، فاتصل بي ليتأكَّد من حضوري، فقلت له: لن أفوِّتَ هذه الفرصة، ينبغي أن نلتقي ثانية لنستعيدَ بعضاً من ذكرياتنا الجميلة في كركوك ونغتاب الشعراء السيئين على الأقل، كما كنَّا نفعل في الماضي الفالت من أيدينا. وهكذا أمضينا بضعةَ أيام سويَّة في الفندق الذي جمعنا، حيث تألَّق الأب يوسف سعيد كعادته رغم التَّعب الذي كان واضحاً على وجهه.

إلتقيتُ الأب يوسف سعيد لأوِّل مرَّة حين كنتُ لا أزال تلميذاً في المدرسة المتوسِّطة في كركوك. كنت قد نشرت قصيدة لا أزال أتذكَّر عنوانها حتى اليوم “رماد العودة” في مجلّة “المجلّة” البيروتية التي كان يشرف على القسم الثقافي فيها الشاعران يوسف الخال وأدونيس، والتي كان “أبونا” نفسه قد نشر فيها أيضاً بعضاً من شعره، فراح يبحث عنِّي ويسأل كلّ من يعرفه ليدلَّه إلي ويتعرَّفَ علي. ولكم أن تتصوَّروا تعابيرَ وجهه حينما اكتشف أن الشَّاعر الذي يبحث عنه لا يزال صبياً لم ينبُتْ شاربه، في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من عمره، ولكنَّه لم يشعرْني قط بذلك، بل والأدهى من كلّ ذلك أنه لم يكن يجد غضاضة في الجلوس معنا، نحن جماعة أصدقاء كركوك الشبان، في مقاهينا أو حتَّى زيارة بيوت بعضنا القريبة من وسط المدينة، وهو بردائه الكهنوتي الأسود دائماً، أو دعوتنا لزيارته في كنيسته التي كانت تقع على طريق محطَّة القطار والتي أراد لها أن تكون ما يشبه المركز الثقافي، فضلاً عن كونها بيتاً من بيوت الله.

يعترف أبونا الكبير بكلِّ وفاءٍ، كدليل على عظمة روحه، أنه تعلَّم منا، نحن الشُّبان الصغار، الكثير ليس في الشعر فحسب وانَّما في النظرِ الى الحياة أيضاً، مثلما تعلَّمنا نحن أيضاً منه الكثير الَّذي عمَّقَ رؤيتنا الإنسانية في الشِّعر والحياةِ أيضاً.

لقد كسرَ الأب يوسف سعيد، وكسرْنا نحن أيضاً معه كلَّ الحواجز التي تفصل ما بين البشر، باسم المذهب أو الدِّين أو السياسة، مؤكِّدين أخوتنا الإنسانيّة في الإبداع قبل أيِّ شيءٍ آخر. ولا أعتقد أنّه جعلنا في يومٍ ما نشعر بأنَّنا مختلفون أو أنَّه أقرب الى الله منَّا، بل أنَّه لم يكن يخطر حتى في بالنا أننا ننتمي الى قوميات وطوائف ومذاهب وأديان مختلفة، ولم يحدث قط أن أشارَ أحدٌ ما الى ذلك. وفي النهاية: الا يعبِّر هذا عن الرسالة الحقيقية التي أراد السيد المسيح ايصالها الى البشر جميعاً في كلِّ زمان ومكان، تلك الرِّسالة القائمة على المحبَّة قبل أيِّ شيءٍ آخر؟

لم يكن ارتباط الأب الكبير يوسف سعيد بالشِّعر والأدب مجرد ممارسة لهواية ما، وإنََّما طريقه في الوصول الى الحقيقة التي كرَّس كلّ حياته من أجلها. كلّ قصائده وكلماته هي إشارات تدلُّنا على هذه الطريق التي أرادَ لنا أن نسيرَ عليها.

لقد انضمَّ أبونا وصديقنا الكبير يوسف سعيد الآن في العالم الآخر الى أجمل أصدقائه الذين سبقوه في الرَّحيل: جان دمو وسركون بولص وجليل القيسي وأنور الغساني، تاركاً وراءه أعظم الأثر في حياة جميع الذين عرفوه عن كثب، وهو أثرٌ سيظلُّ قائماً فترة طويلة من الزَّمن من خلال عمله الإبداعي الكبير. وإذا كان ثمَّة عزاء لنا، نحن الأحياء، في فقدانه فهو انه سيظلُّ حيَّاً في قلوبنا الى الأبد.

عن: الحوار المتمدن