الأب الكرملي وكتاب العين للفراهيدي

الأب الكرملي وكتاب العين للفراهيدي

عبد الله درويش

لا يمكن لباحث في موضوع نسبة معجم العين للفراهيدي أن يترك الإشارة إلى رأي الأب أنستاس الكرملي في هذه المسألة إذ كان له فضل اكتشاف بعض النسخ قبيل الحرب العالمية الأولى، والتي لم يعثر عليها فيما بعد.

فعندما أخذ العدة لطبع الكتاب نشر بحثًا مطولًا في مجلته «لغة العرب» نشر في عدد آب «أغسطس» 1914 عرض فيه لتلك المشكلة، ونود هنا أن نأخذ منه بعض النقاط لنتبين وجه الصواب فيها.

أ- ذكر الأب أنستاس أن الكتاب احتوى على عبارة «قال الخليل، وسألت الخليل» واستنتج هو من ذلك أن السائل يكون غير المؤلف. وقد سبق أن وضحنا أن هذه ظاهرة شملت المؤلفات العربية الأولى، فقد كان عاديًّا جدًّا أن يرد اسم المؤلف في تضاعيف الكتاب في ذلك الوقت. والكرملي نفسه مع أنه معاصر حديث. ومع تقدم أسلوب البحث العلمي قد ذكر في هامش كتاب العين1 اسمه أكثر من مرة. ففي صحيفة 91 على سبيل المثال أورد بعض التعليقات اللغوية وختمها بقوله: «قاله الأب أنستاس» وفي صحيفة 113 ذكر في الهامش تعليقًا آخر، وكرر فيه نفس الظاهرة حينما قال: «قاله الأب أنستاس ماري الكرملي». ومن يدري لو أن الظروف ساعدته في إتمام طبع الكتاب كله لكنا رأينا عشرات الأمثلة لتلك الظاهرة.

ب- ذكر الكرملي من الأدلة على أن الكتاب ليس للخليل أن اللغويين المتقدمين اقتبسوا من العين على أنه لليث. وردًّا على ذلك نقول: إن بعضهم كصاحب اللسان والتاج الذين ذكرهما الكرملي إنما نقل ما نقل عن طريق الأزهري صاحب التهذيب. وقد سبق أن أشرنا إلى أن الأزهري هو أول من قال بأن الكتاب لليث -ولم لا يذكر الأب أنستاس أن بعض المتقدمين مثل ابن فارس وابن دريد، قد نقل عن العين على أنه للخليل.

وشيء آخر لم يذكره الأب أنستاس وهو أن اللسان، والتاج فيهما العبارات الآتية: «قال الليث، قال الخليل، قال في العين» ما سر هذا؟ سره واضح جدًّا وهو أن صاحب اللسان والتاج حينما ينقلان عن الأزهري يذكران عبارة «قال الليث»، ودليلنا على ذلك أن هذا التعبير قد سبق في كثير من الأحيان بعبارة «قال الأزهري» أما حين ينسبان القول للخليل فهما يقتبسان عن ابن دريد في الجمهرة، أو ابن فارس في المجمل. وإذا عرفنا أن اللسان والتاج كان همهما استيعاب كل ما في الكتب السابقة سهل علينا أن نفهم هذا الاختلاف في ذكر المصادر التي رجع إليها.

وإذا رجعنا إلى بعض هذه الكتب لنرى رأي مؤلفيها الصحيح في كتاب العين، فإننا نجد أنهم لايرون أن الكتاب لليث، وإنما هو الخليل فمثلًا قال صاحب التاج في مادة عين: «وهو أيضًا اسم المعجم المشهور للخليل بن أحمد» أما صاحب لسان العرب، فقد ذكر في مقدمته1 الخلاف حول مؤلف الكتاب، ونقل بعض الأقوال فيه دون أن يكون له رأي حاسم في الموضوع.

وأعتقد أننا بعد هذا لا يمكن أن نعتبر أن متأخري اللغويين أو متقدميهم.كما يقول الأب أنستاس قد رأوا أن الكتاب الليث.

ح- ذكر أيضًا فيما ذكر من الأدلة. أن ورود بعض الأسماء لرواة متأخرين عن الخليل في كاب العين مما يجعله لا ينسب الكتاب للخليل.

وهذا أمر هين جدًّا فنجد أن أغلب الكتب المؤلفة في القرنين الثاني، والثالث الهجريين قد عمتها هذه الظاهرة. وتفسيرها2 أن الوراقين قد عمدوا حين فنقلوها كما هي حتى أصبح من العسير التمييز بين ما أضيف، وبين ما هو من نص الكتاب، ولنقتبس هنا مثالًا من كتاب النوادر لأبي زيد تتضح فيه هذه الظاهرة1.

أورد أبو زيد هذا البيت على عادته في شرح الغريب:

تهددنا. وأوعدنا رويدًا ... ستى كنا لأمك مقتوينا

وقد عقب هذا البيت بشروح وتفسيرات من رواة متأخرين جدًّا عن عصر أبي زيد، وأغلب هؤلاء الرواة مذكور في سلسلة الإسناد التي وردت في أول الكتاب. أما ما ورد بعد هذا البيت في كتاب النوادر فهو:-

«قال أبو الحسن: القباس، وهو المسموع من العرب أيضًا فتح الواو من «مقتوينا»؛ فيكون الواحد مقتوي. فأما أبو العباس فأخبرني أن جمع مقتوين عند كثير من العرب مقاتوه إلخ».

ومن هذا ترى أن الراوي الأخير في السلسلة، ويعتبر المخرج للكتاب قد اقتبس عن راويين متأخرين عن المؤلف تفسيرين مختلفين للكلمة الواحدة. ومع هذا لم يؤخذ ذلك دليلًا ضد أبي زيد ولم يسلبه أحد نسبة النوادر.

ثم انتقل الكرملي بعد ذلك إلى ذكر كيفية اكتشافه للمخطوطات، ووصف كل منهما فقال:

«أما أن الأدباء ظنوا أن كتاب العين ضاع أو فقد فهذا ما يتحصل من نصوص كتبهم تليمحًا أو تصريحًا. فصاحب كشف الظنون يصف هذا الكتاب نقلًا عن هذا وذاك، ولا يقول شيئًا من عنده كما يفعل في وصف الكتب التي رآها بعينه -وقال صاحب كتاب اكتفاء القنوع بما هو مطبوع في ص 298 «الخليل بن أحمد صاحب كتاب العين المفقود»، وكرر هذا القول في ص314، وذهب إلى فقده أيضًا علماء الإفرنج المولعين بحفظ آثار العرب واتبعهم أيضًا في هذا الرأي جرجي بك زيدان في كتابه تاريخ آداب اللغة العربية «2: 123» إذ يقول: «ولم يصل إلينا من كتاب العين إلا ما نقل عنه في كتب اللغة كالمزهر للسيوطي، وكتاب النحو لسيبويه». ا. هـ. ثم قال في ص 124 وبالجملة فإن كتاب العين تحفة من تحف الأدب، وللتحليل فصل كبير في وضعه وللأسف أنه ضاع! وقد كان موجودًا إلى القرن الرابع عشر للميلاد. ولا يبعد أن يعثر الباحثون على نسخة منه في بعض المكاتب الخصوصية. ا. هـ.

البشرى بوجود الكتاب وببدء طبعه:

«نبشر اليوم أبناء العرب كافة أن الشيخ كاظم أفندي الدجيلي، وجد نسخة من هذا الكتاب في كربلاء. ونسخة ثانية في الكاظمية وناسخا هاتين النسختين إيرانيان لا يحسنان العربية، ولهذا جاءنا مغلوطتين مشوهتين، وكلتاهما ناقصة فنسخة كربلاء ناقصة العبارة في عدة مواد. وقد فعل الكاتب ذلك طلبًا لنسخ الكتاب بسرعة فتصرف في النقد تصرفًا غريبًا بحيث أصبح طبعه على تلك النسخة طامة من الطوام، وإهانة للمؤلف الذي تكبد له عرق القربة -وأما نسخة الكاظمية فينقصها ورقتان، وفيها أغلاط لا تقل عددًا عن أغلاط نسخة كربلاء، وإن كانت أغلاط هذه غير أغلاط تلك هذا والكاتبان مختلفان. والنسختان الأمان ستميزتان الواحدة عن الأخرى كما تشهد على ذلك أوهام كل منهما، ولما رأينا هاتين النسختين بتلك الحالة استأنا غاية الاستياء لعلمنا أنه من البعيد أن يطبع مثل هذا الكتاب بتلك الصورة الشنيعة المشوهة القبيحة

<<

التي تصم المؤلف وصمة عار لا يمحيها مر الأدهار. وبقينا في حيرة حتى ظفرنا بنسخة كتبها عربي عارف باللغة. وبالنسخ فحينئذ اطمأن قلبنا. وباشرنا بطبعه مستعملين هذه النسخ الثلاث، وجل اعتمادنا على النسخة الثالثة، فالثانية وهي نسخة كربلاء؛ لأن الأولى هي نسخة الكاظمية التي قابلنا عليها أوائل الكتاب وأواسطه وأواخره ولما تحققنا نقصها، وكثرة أغلاطها عدلنا عنها أيضًا وبقيت بأيدنا النسختان الأخريان.

والكتاب يكون في نحو 2500 صفحة في خمسة أجزاء يحوي كل منها 500 صفحة بحجم هذه المجلة، وبالحرف الذي تراه في هذا المثال، وها نحن ندرج مثالًا من الكتاب. وقد فتحنا بابًا للاشتراك وهوار 4 مجيديات للعراق، وعشرين فرنكًا للخارج، وذلك عن كل جزء من أجزائه الخمسة، وبعد الاشتراك يضاعف ثمنه للعراق وللخارج. ولا يبعث بالمجلد إلا أن يدفع قيمته سلفًا، وإلا لا يلتفت إلى اشتراكه أو طلبه. ويكون أغلب محتويات الجزء الخامس فوائد وتذييلات وفهارس، وذلك لأن هذا الكتاب مرتب ترتيبًا فلسفيًّا على مخارج الحروف مبتدئًا بالعين وهو أول حرف يخرج من الإنسان من أقصى حلقه إذا أراد التلفظ بحروف الهجاء. وهذا الترتيب الفلسفي لا يفيد الباحث شيئًا إذ وقته ثمين ويجب أن يعثر على ضالته بدون عناء عظيم، وبدون إضاعة الوقت سدى. ولهذا سنضع فهارس للمواد لتمكن الباحث من إرشاده إلى ضالته بسرعة وذلك على النظام المألوف الميسور، وهذه كلمتنا في هذا الديوان ومن له خاطر بصدده، فليبده لنا لتكون له من الشاكرين )الى هنا ينتهي الاقتباس عن الكرملي من مجلة لغة االعرب ) .

 

عن كتاب (كتاب المعاجم العربية مع اعتناء خاص بمعجم العين للخليل بن أحمد)