متى عرفتُ البصرة؟ كيفَ وصلتُ أبو الخصيب؟

متى عرفتُ البصرة؟ كيفَ وصلتُ أبو الخصيب؟

رافع الناصري

كان الكتاب الرائع للشاعر المبدع طالب عبد العزيز «قبل خراب البصرة: كتاب الماء والنخل»، الذي أهدى الشاعر نسخة منه إلى مي مظفر، قد أثر تأثيراً كبيراً وعميقاً في حواسي، فهو كتاب مؤلف من نصوص جميلة، فيه أنواع من الشعر والنثر والسرد الممتع، وفيه أيضاً، شذرات من تاريخ المدينة، يذكر فيها أسماء شعراء وأدباء وفنانين، نعرف بعضهم، وهي أسماء شخصيات مميزة تفتخر البصرة بها، كما يفتخر بها العراقُ كله.

قضيت وقتا ممتعا مع هذا الكتاب، وأثار عندي بعضا من ذكرياتي البسيطة عن هذه المدينة الفريدة بين مدن العراق.

البصرة

عرفت البصرة لأول مرة في آب من صيف عام ١٩٦٢، فقد جئتها من بغداد بدعوة من شقيقي الدكتور منير الناصري، الذي كان طبيبا مختصا بالأمراض النسائية والتوليد في المستشفى الجمهوري (يقول البعض إن نصف شباب البصرة ولدوا على يدي الدكتور منير).

كنت يومها أتمتع بإجازتي الصيفية، قادماً من الصين (بكين – بغداد بواسطة القطار) وكان جزءًا من برنامجي الدراسي رسم مشاهد من الطبيعة العراقية إلى جانب الطبيعة الصينية، لغرض تقديمه ضمن أطروحة التخرج في الأكاديمية المركزية للفنون الجميلة في بكين.

كانت عيادة منير تقع في عمارة حنا الشيخ، المقابلة لسوق الهنود، ومن شرفة هذه العيادة، رسمت بناية البنك العربي بطراز معماره العربي الإسلامي المتميز، ويقع على يمين السوق، كما رسمت المقاهي المطلة على نهر العشار، وتقع على يسار السوق. وفي صباح يوم لم تكن رطوبته عالية، مشيت إلى خور العشار فوجدت مناظر طبيعية رائعة، ومنها الزوارق الكبيرة والصغيرة المربوطة على جانب الجسر الخشبي القديم، وتظهر من خلفه منارة جامع المقام الكبير وقبته. فلم أتمالك نفسي، إذ سرعان ما أخرجت عدتي ورسمت بالألوان المائية وبأقلام الرصاص مجموعة من اللوحات الورقية. ولاعتزازي بها عدت عام ١٩٦٥ وأنتجت منها لوحة مطبوعة بالحفر على الخشب شاركت بها في معرض جماعي أقيم في قاعات المتحف الوطني لمدينة برلين الشرقية عام ١٩٦٧.

وفي احد الصباحات الرائقة عبرت الجسر الخشبي المقابل للعمارة التي نسكن فيها أنا وأخي، قاصداً سوق الهنود المشهور، وجدت مدخل السوق مدهشا بعمارته التقليدية وإنارته الطبيعية والاصطناعية، يخطف البصر، ومن أول نظرة، تملك قلبي الفرح والسرور، وخاصة، ذلك الفرح الذي يولد عندما تلتقي العين لأول مرة، بألوان وأشكال فريدة وغريبة من التوابل الهندية، وما يفوح منها من روائح زكية ومنعشة ونفاذة، لا تخطئ أنفاً يمرُّ من أمامها، وخاصة لزائرٍ مثلي، وقد دفعت ثمن هذه المتعة (عطسات متواصلة).

وعلى امتداد السوق تجد دكاكين المكسرات، وفيه أشكال وأنواع لذيذة من اللوز والجوز والبندق والفستق وما إلى ذلك، ومن ثم دكاكين الأدوات المنزلية لكافة الأغراض، ودكاكين أخرَ لبيع الأقمشة المختلفة، هذه الفسحة من الشارع تمتلئ بصبايا البصرة الجميلات، مسلمات ومسيحيات، في حركة مستمرة، وهنَّ في غمرة الفرح والبهجة، يلبسن أحدث الموديلات النسائية، التي افتقدت رؤيتها في الصين أيام «القفزة الكبرى» التي استمرت على مدى خمس سنوات عجاف.

كان منير أعزب في تلكم الأيام، ويسكن في العيادة نفسها، لذا كانت وجبات الغداء والعشاء نتناولها بالتناوب بين مطعم ومقهى «علي بابا» الواقع في شارع الوطني، وهو مكان حديث بديكوراته وأثاثه، ولم أشاهد مثيلا له في بغداد في ذلك الوقت، وبين مطعم فندق شط العرب، وهو من أرقى المطاعم الإنكليزية العريقة، ولا أنسى كبير النادلين واسمه (جورج) ببذلته الجميلة، المكونة من سترة بيضاء وبنطلون اسود وربطة عنق فراشة (بابيون) سوداء، وشعر لامع تتخيله وكأنه قد وضع عليه نصف ملعقة من الدهن الحر، قبل أن يظهر لخدمة الزبائن، وباحترام شديد يضع بين أيدينا لائحة الطعام الأنيقة (menue) وفيها باستمرار طبعاً صحن اليوم المميز.

حدثني الصديق البحريني (حسن الجلاهمة) وهو متخرج في جامعة البصرة، قال: عدت بعد سنوات إلى البصرة، ونزلت في فندق شط العرب، وفي الصباح قصدت المطعم، وجاءني كبير النادلين عابساً ولم يقل صباح الخير بل قال: «تفضل عمي شنو طلباتك»، قلت له: هل تسمح بان أشاهد المنيو، قال: «ما عدنا مانيو، بس عدنا ريوق عبارة عن: بيض مقلي (طكة) وجبن وصمون وشاي»، فقلت له اجلب لي ما لديك، وعندما غادر، ضحكت متأسفا على أيام البصرة الجميلة، التي كانت جنة للقادمين إليها من دول الخليج وخاصة من الكويت والبحرين.

كانت الرطوبة بالبصرة تصل إلى درجات عالية جداً في شهر آب، وقت هبوب الرياح الشرقية (الشرجي)، وقد اختبرت واحداً منها وكان قوياً لدرجة أننا مكثنا في العيادة مدة ثلاثة أيام متواصلة، تحت رحمة التبريد (ايركوندشن) ولم نخرج منها بتاتاً. وعندما كنت أتطلع إلى الشارع كنت أجد معظم الرجال يضعون المناشف (الخاولي) على أكتافهم بغية مسح العرق المتصبب من كل أجزاء الجسم.

في عام 1971كنا في اللجنة التحضيرية لمهرجان المربد الأول، ضياء العزاوي ووجدان ماهر وأنا، وكانت مهمتنا تصميم وتنفيذ خلفية المسرح مع فريق من النجارين والحدادين والصباغين والخطاطين، وكذلك تصميم المطبوعات على أنواعها التي ستقدم في المهرجان، علماً بأننا كنا قد أعددنا في بغداد ثلاثة ملصقات كبيرة الحجم، طبعت بأعداد كبيرة بواسطة الشاشة الحريرية (السلك سكرين). والملصقات الثلاثة هي: ملصق لقصيدة بلند الحيدري صممه هاشم سمرجي، وملصق لقصيدة يوسف الصائغ صممه ضياء العزاوي، وملصق ثالث لقصيدة فاضل العزاوي من تصميمي. وقد وزعناها قبل يوم من الافتتاح على معظم جدران البصرة، وقد ظهرت بحلة جميلة، بعد لصقها الواحدة إلى جانب الأخرى. كما وزعنا قسما منها على ضيوف المهرجان، وفرحوا بها كثيرا، خاصة وأنها كانت جديدة على الذائقة الفنية في تلك الأيام.

كان تنظيم برنامج المهرجان جيدا بشكل عام، وقد ظهر ذلك جلياً منذ اليوم الأول، الذي اعتلى منصته كبار الشعراء العراقيين والعرب ومنهم كما اذكر: عبد الوهاب البياتي، وبلند الحيدري ويوسف الصائغ وسعدي يوسف وعبد الرزاق عبد الواحد وفاضل العزاوي ومحمود درويش واحمد عبد المعطي حجازي واحمد دحبور ومحمد الفيتوري وممدوح عدوان وآخرين. وبعد يومين من الافتتاح، أقامت اللجنة العليا للمهرجان، ممثلة بالشاعر المرحوم زكي الجابر، وكان وكيلا لوزارة الثقافة آنذاك، دعوة غداء فاخرة على متن اليخت (الثورة) الذي طاف بنا شط العرب، متمهلا ليتيح لنا فرصة التمتع بمنظر الماء وبساتين النخيل الرائعة الممتدة على طول الشط، كان الشراب والطعام على أنواعه بمتناول الجميع، وكان الشعراء في نشوة كبيرة يثرثرون ويشتمون ويقرؤون القصائد الطريفة.

في ربيع عام ١٩٨٩، وبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، نظمت جمعية المعماريين العراقيين، رحلة عائلية إلى البصرة والأهوار، وكنا، أنا ومي، ضمن المشاركين لارتباطنا بأواصر الصداقة مع معظم المعماريين آنذاك. سافرنا بالطائرة إلى البصرة، ونزلنا في فندق شيراتون، وتمتعنا باوقاتنا بين تجوال في المدينة وزيارة إلى الأهوار، ثم إلى مدينة الفاو، وكانت هذه الزيارة فريدة من نوعها لا يمكن أن ينساها المرء لغرابة ما شاهدنا من دمار وبشاعة، وخاصة منظر البساتين المحروقة كليا أو التي احترق سعفها وبقيت واقفة برؤوس سوداء، أعداد لا تحصى، ممتدة على امتداد البصر، انه لمنظر بشع ومؤلم حقاً.

أبو الخصيب

كان للصديق (عبد الخالق الهواز) وهو من عائلة الهواز المعروفة، دور مهم في اطلاعي على مدينة البصرة وأحوالها. كان عبد الخالق يعمل موظفاً لدى الدولة كمراقب لعدادات الماء والكهرباء صباحاً، ويعمل مروّجاً للأدوية والمستحضرات الطبية مساءً، لذا كان صديقا لكل الأطباء والصيادلة في البصرة بدون منازع، يتميز بدماثة الخلق، ويحب تقديم المساعدة لمن يحتاج إليها. كان عبد الخالق يترك عمله الصباحي لبعض الوقت ليتفرغ لبرنامجي اليومي، وهو برنامج حافل بالمشاهدات للأمكنة المدينية المتميزة في البصرة. وفي احد الأيام جاءني باشًّا وقال: لنأخذ سيارة الدكتور، وكانت من نوع (فورد تاونس) ونذهب إلى «أبو الخصيب» لترسم هناك أجمل المناظر. كنت قد سمعت عن أبي الخصيب كثيرا.

في الطريق دهشت لجمال الماء والخضرة وأشجار النخيل، فتوقفت في أمكنة مختلفة للرسم السريع وتأمل الطبيعة الساحرة، لكن، أهم تلك المشاهد كان منظر الجسر الخشبي العتيق والنهر والنخيل في منطقة أبو الفلوس، وقد رسمته بالألوان المائية واعتمدت تلك اللوحة كمصدر أساسي في مشروع التخرج. ولهذه اللوحة قصة طريفة: فلدى عودتي إلى الصين، كنت قد خبأت خلف اللوحة ورقة من فئة مائة دولار أمريكي تجنبا للتفتيش الشديد للشرطة الصينية، وقد تمت العملية بنجاح، وتمتعت بشراء بعض الحاجيات الأجنبية من سجائر ومجلات فنية واسطوانات كانت تأتينا من هونغ كونغ بواسطة أصدقاء في السفارة العراقية، ومنهم الصديق المرحوم نزار سليم.

بعد تلك الزيارة الفنية، المثمرة إلى «أبو الخصيب» ترددت مرارا على المنطقة للتمتع بجمال الطبيعة أو لشراء حلاوة نهر خوز الشهيرة أو لشراء سجائر الروثمان، المهربة من الكويت. لقد أحببتها كثيرا، ولا زلت أتذكر ألوان الماء والخضرة والنخيل، وكأنني شاهدتها يوم أمس.

في 14 حزيران 2013

جبل عمّان

عن (كتاب أبي الخصيب) للاستاذ طالب عبد العزيز الصادر عن مؤسسة المدى.