عندما كانت كهرباء بغداد تتبع أمانة العاصمة

عندما كانت كهرباء بغداد تتبع أمانة العاصمة

إسراء عبد المنعم السعدي

كانت من مهام بلدية بغداد قبل تأسيس أمانة العاصمة توفير الإنارة للأهالي من خلال تنوير الشوارع، إذ أن البلدية هيأت خارطة خاصة بالطرق المراد تنويرها من قبل المهندس البلدي، فقد وضعت على كل عمود في شارع الرشيد مصباحاً لإنارة قسم من شارع النهر. وقد مدت أسلاكاً من جسر مود إلى الصالحية في الكرخ والشواكة حتى وصلت إلى محطة القطار ثم محلة خضر الياس.

وقدرت تنويرات العاصمة لسنة 1922 في البلديات

الثلاث من عدد المصابيح، فبلغ في البلدية الأولى 1500 مصباح وبدل الالتزام 19900 روبية، والبلدية الثانية 1800 مصباح وبدل الالتزام 27700 روبية، والكرخ 900 مصباح وبدل الالتزام 15000 روبية وبذلك يصبح المجموع 62,600 روبية.

كانت أجور الكهرباء تستوفي من الأهالي 12 آنة للأمبير الواحد، وزادت شركة التأمينات على المشتركين مبالغ قدرت 10,5 روبية عن كل مصباح و12,5 روبية عن كل مروحة.

وبعد تأسيس أمانة العاصمة سنة 1923، كانت مهمتها الأساسية تقديم الخدمات للمواطنين الساكنين في العاصمة بصورة مرضية، خاصة الاعتناء بالنظافة مثل رفع النفايات والتخلص من المخلفات لمنع حدوث اضرار صحية، وكذلك تنظيم الشوارع والأزقة بشكل منسق يعطي صورة جميلة للعاصمة. والأمانة مسؤولة عن توفير سبل الراحة للمواطنين بتحسين ضخ المياه الصحية للمناطق السكنية، وتحسين إنارة الشوارع العامة والميادين، وإيصال جزء من الكهرباء إلى المنازل بأسعار مناسبة.

وأصبحت الأمانة ذات أهمية لكونها تتصف بالديمومة والشمولية بقيامها بالمسؤوليات التي أنيطت بها لتحسين وضعية العاصمة وأولى الخدمات التي اهتمت بإنجازها للمواطنين هي تنظيف العاصمة باستخدام أحدث الوسائل، فكانت الأمانة تحاول بشكل مستمر كسب ثقة المواطنين من خلال أدائها للواجبات المكلفة بها، بالإضافة إلى تعاونها مع مؤسسات أخرى في تقديم أفضل الخدمات، خاصة دائرة صحة العاصمة، فإن متابعة الأوضاع الصحية في العاصمة في وقت مناسب يساعد الأمانة في تفادي الكثير من الأضرار التي تؤثر في عملها

اقترن استخدام الكهرباء لأول مرة في بغداد بالاحتلال البريطاني لها، وتم ذلك في 1 تشرين الثاني 1917 حيث قامت مصلحة الأشغال العسكرية البريطانية بنصب أول ماكنة للكهرباء قرب بناية القشلة لإنارة شارع السراي وبنايات القشلة والمستشفيات، واقتصر تجهيز الكهرباء على المؤسسات العسكرية البريطانية ودوائر الحكومة في القشلة حتى آذار 1918 حين أعلنت السلطات المحتلة بأنها سوف توزع مقداراً معيناً من النور الكهربائي على بعض الأماكن القريبة من السراي وأناطت هذه المهمة إلى البلدية لكن بلدية بغداد لم تستطع تنوير كل المناطق.

وبعد تأسيس الحكم الوطني في العراق عام 1921 راجع صاحب امتياز تنوير بغداد بالكهرباء (محمود جلبي الشابندر) الذي حصل عليه من الحكومة العثمانية، السلطات المسؤولة لإقرار هذا الامتياز واستمرت المفاوضات بصدده سبع سنوات أي حتى عام 1928، وأخيراً أبرمت حكومة السعدون اتفاقية جديدة لمدة خمسين سنة على أن تقسم الأرباح الناجمة عن تشغيل المشروع بين الحكومة وصاحب الامتياز بعد طرح الضرائب والنفقات.

وبدأ العمل بإنشاء أماكن جديدة للقوة الكهربائية في منطقة الصرافية، فضلاً عن المركز الموجود بالقرب من الهنيدي، معسكر الرشيد حالياً، والذي يعود للقوات البريطانية، وكانت الغاية هي توليد القوة الكهربائية وتوزيعها على مدينة بغداد ضمن منطقة نصف قطرها 18 ميلاً من برج الساعة في منطقة السراي. واستثنيت مناطق بلديتي الكاظمية والأعظمية وذلك لسد جميع الحاجات ما عدا جهاز التلفون والتلغراف، وقد ألزمت الحكومة العراقية صاحب الامتياز بوضع خطوط إجبارية تبتدئ من الأعظمية وتنتهي بباب المعظم من مدينة بغداد، وخط ثان يبتدئ من منتهى الخط الأول ويمتد إلى الباب الشرقي ماراً في الشارع الجديد، أما الخطوط الاختبارية فتبتدئ من الباب الشرقي وتنتهي في نقطة واقعة في الكرادة في معسكر الهنيدي بالإضافة إلى رغبة صاحب الامتياز في إنشاء خطوط أخرى بعد موافقة الحكومة.

وفي الوقت نفسه اشترط على صاحب الامتياز أن يبتاع في خلال ستة أشهر من تاريخ العقد الآلات وخطوط التوزيع في بغداد بمبلغ قدره (25,000) ليرة إنكليزية، الليرة الانكليزية تساوي 100 بنس وتعادل بالعملة العراقية ديناراً واحداً، وأن تمد الأسلاك تحت الأرض في داخل منطقة بلدية بغداد، وبعده باع الشابندر امتيازه للشركة الانكليزية بمبلغ من المال.

ومن ثم أقنعت الشركة الانكليزية الحكومة بأن تتخلص من مشروع الترامواي الداخل في نفس الامتياز، بحجة أن شوارع بغداد وطرقاتها لا تسمح، ووافقت الحكومة وأصبح الامتياز مقتصراً على مشروع الإنارة والكهرباء.

واهتمت الأمانة في السنوات من 1925-1930 بتنوير الطرق من باب المعظم إلى بناية المستشفى الملكي ودخلت ضمن إدارة الأمانة تنويرات بلدية الكرادة ونصبت مصابيح كهربائية على طريق الكرادة من باب الشرقي إلى نادي العلوية.

وفي عام 1927 قدم مصطفى أمين الأعظمي طلباً لتجهيز الأعظمية بالكهرباء، وبقي الطلب حتى عام 1932، اهتمت الأمانة بتجهيز الأعظمية بالكهرباء فعقدت الحكومة العراقية مقاولة مع السيد مصطفى أمين الأعظمي وألزمت صاحب الامتياز بتجهيز القوة الكهربائية لمنطقة الأعظمية وتوفير المحركات والدواليب ومولدات الكهرباء، ويكون المهندس البلدي ومأمور دائرة الأشغال العامة مسؤولين عن الطرق وصيانتها وإن الأمانة مسؤولة عن كلفة المصابيح وتركيبها وتحديد ساعات الإنارة للمصابيح العامة.

ونتيجة للأزمة الكهربائية التي مر بها العراق في أواخر عام 1933 شعر البغداديون ولا سيما طبقة العمال منهم بفداحة أجور التنوير التي تستوفيها شركة الكهرباء البريطانية، لذا قرروا مقاطعة الشركة مقاطعة تامة حتى تخفض هذه الأجور إلى الحد المعقول بعد أن استعد الأهالي للاستعاضة عن الكهرباء بالزيوت والشموع ومصابيح اللوكس، حتى غدت بغداد بعد هذه المقاطعة في ظلام دامس على الرغم من بقاء شوارعها العامة مضاءة بالمصابيح الكهربائية.

واستطاعت الأمانة أن تجبر الشركة الأجنبية على تخفيض أجرة التأسيس والصيانة عن المصابيح التي تأخذها لتنوير الشوارع والأزقة بعد أن خفضتها 30% قررت إلغاء التنوير للمصابيح النفطية كافة في العاصمة واستبدالها بالمصابيح الكهربائية، فجهزت 4500 مصباحاً جديداً.

وعندما شاع استعمال الكهرباء وأنيرت جميع أزقة ومحلات بغداد بالمصابيح الكهربائية وذلك عام 1936، تم الاستغناء عن خدمات (اللمبجي) ومن ثم زالت تلك المهنة عن الوجود.

وللسخرية، انتقدت جريدة الكرخ تقصير الأمانة في تنوير الشوارع ومد الأسلاك، “والأمانة لن تشتري ماكنة جديدة للكهرباء وسوف تستخدم شلالات العراق الشمالية في توليد الكهرباء”.

وقد بقيت خدمات التنظيفات وإسالة الماء الجزء الحيوي من عمل الأمانة، أما بقية الخدمات فقد استقلت بمؤسسات قائمة بذاتها.

عن رسالة ( تاريخ أمانة العاصمة (بغداد)1921 -1939)