سانت إكزوبيري: عندما يمتزج الأدب بالحياة

سانت إكزوبيري: عندما يمتزج الأدب بالحياة

علي حسين

هذا العام في فرنسا هو عام “ أنطوان دو سانت إكزوبيري “ ، فقد احتفلت الاوساط الثقافية بمرور “ 121 “ على ميلاده .. وتستعد لاستذكار روايته الشهيرة “ الامير الصغير “بمناسبة مرور 78 عاما على صدور طبعتها الاولى والتي باعت في اشهرها الاولى ما يقارب الـ “ 14 “ مليون نسخة ، وترجمت الى معظم لغات العالم ، حتى ان مبيعاتها تجاوزت الـ “ 150 “ مليون نسخة ..

إلا ان الاحتفال المهم هذا العام بسانت إكزوبيري هو بمناسبة مرور مئة عام على أول رحلة طيران قام بها مؤلف “ الامير الصغير “ ، وهي الرحلة التي انطلقت في التاسع عشر ايلول عام 1921 ، وكان فيها في العشرين من عمره يؤدي الخدمة العسكرية .

كتب روايته “ الأمير الصغير” أثناء اقامته في نيويورك بناء على طلب أحد الناشرين الذي أراد أن ينشر قصة للاطفال ويعرضها في واجهات المكتبات في أعياد الميلاد. كان يجلس في أحد المطاعم عندما رسم صورة لصبي صغير على غطاء المطعم، فاقترح عليه الناشر أن يجعل من صاحب الصورة بطلاً لرواية تكتب للصغار، ورغم أن الرواية كتبت خصيصاً للاطفال، إلا أن معظم النقاد والباحثين في الأدب يعتبرونها رواية لكل الأجيال لما فيها من الأفكار العميقة التي تجعلها أشبه بنص فلسفي يقدم فيه مؤلفه أفكاره عن الحياة، لتضاف الى سلسلة من الكتب اتخذت من الحكايات البسيطة موضوعاً لها تقدم من خلاله رؤى وأفكار ظلت راسخة في الأذهان مثل “أليس في بلاد العجائب” و”روبنسون كروزو” و”حكايات الأخوين غريم» .

كانت (الأمير الصغير) آخر ما نشره الفرنسي سانت اكزوبيري المولود عام 1900، والذي ظل طوال عمره لايريد أن يغادر عالم الطفولة : « من أين أنا، أنا من طفولتي.» كان زملاؤه في المدرسة يسخرون منه بسبب أحلامه غير الواقعية، عمل طياراً لكنه ظل يعشق الكتابة فنشر عام 1929 أول رواياته بريد الجنوب، بعدها بعامين تنشر له دار غاليمار روايته الثانية « طيران الليل « التي حققت نجاحاً كبيراً، بعدها يقدم « أرض البشر « وكانت آخر اعماله التي نشرت بعد اختفائه كتاب « القلعة « وهو أشبه باليوميات.

تعرض سانت إكزوبيري للموت مرتين، الأولى في صحراء ليبيا والثانية في غواتيمالا، واعطته هذه التجارب إحساساً صوفياً بدور الإنسان وهو يواجه الخطر، فبالنسبة لإكزوبيري فإن لحظة الميلاد بسيطة ولحظة الموت بسيطة مادامت هذه المراحل تصل بالإنسان الى نسيج يعمق الأخوّة البشرية.

في نهاية روايته “ أرض البشر “ يلتقي بطل الرواية الذي هو الكاتب نفسه في إحدى محطات القطار بعمال بولنديين يتم ترحيلهم من فرنسا الى بولندا ويرى بين هذه الأكوام البشرية البائسة طفلاً كأنه فاكهة مُذهّبة مثلما يصفه : “ هذا وجه موسيقي، هذا موزار الطفل، هذه هدية جميلة من الحياة. وان الأمراء الصغار الذين كنا نسمع عنهم في الأساطير لا يختلفون عنه في شيء. فماذا يصبح هذا الطفل لو وجد الرعاية والتثقيف؟ ما يعذبني هو موزار الصريع في كل فرد من هؤلاء الناس.وليس هناك إلا الأرواح التي لو هَبت على الصلصال لاستطاعت أن تخلق الإنسان « .

كتب إكزوبيري رواية أرض البشر عام 1939 ، وبعد أربعة أعوام يكتب الأمير الصغير التي يتناول فيها نقاء الطفولة.. لم يتوقع أن يحقق هذا الكتاب الصغير كل هذا النجاح. فقد كان كل ما يأمله أن يعبر عن بعض الأفكار التي راودته ذات يوم حين تعطلت طائراته في صحراء خالية، في تلك اللحظة التي سيطر عليه الخوف والقلق وهو يحاول أن يصلح عطب الطائرة. يسمع فجأة وسط صمت الصحراء صوتاً طفولياً يقول له : من فضلك أرسم لي خروفاً.. يلتفت في خوف وحذر ليجد أمامه طفلاً له هيئة غريبة ولكن ساحرة. يدور الحوار بين الطيار والطفل الذي يلح عليه أن يرسم له خروفاً فيما الطيار يريد أن يعرف كيف جاء الطفل الى هذه الصحراء.

لقد كان سؤال ماذا نفعل هنا ، مفتاح رواية الأمير الصغير التي حاول إكزوبيري من خلالها أن يقدم لنا حكاية أشبه بالحلم يرويها طفل صغير

نتعرف من خلاله على القيم الإنسانية التي يجب علينا أن نشيعها على كوكب الأرض. يحاول اكزوبيري في الأمير الصغير أن يلخص

تجربته الحياتية، حيث نراه، في رواية تبدو للوهلة الأولى كأنها كتب للصغار، يطرح أسئلة وجودية عميقة وجوهرية، كانت هي الأسئلة السائدة في تلك المرحلة من القرن العشرين، أسئلة إلتفت فيها الفرد إلى داخل ذاته ولا سيما في ضوء الحوادث العاصفة الدامية التي كانت تشهدها تلك السنوات الغريبة من تاريخ القرن العشرين.

الأمير الصغير يسقط من كوكب صغير يعيش فيه وحيدا، كانت في هذا الكوكب ثلاثة براكين يستخدم أثنين منها في الطبخ، بينما الثالث خامد، وعمله اليومي الذي يقوم به هو تنظيف الكوكب من الاعشاب الضارة. من هنا يكشف الطيار سر طلب الأمير رسم الخروف حتى يخلصه من هذه الاعشاب.

ينشغل الطيار في اصلاح طائرته وهو يجيب على اسئلة الأمير الصغير بمنطق الكبار، لكننا امام طفل لايعرف مثل هذا المنطق فنراه ينفجر في وجه الطيارقائلا قد عرف ذات يوم رجلا يقوم بجمع الارقام دائما ويردد “ أنا رجل جاد. أنا رجل جاد “ ، ولكنه لم يعرف في حياته كيف يتأمل نجما، أويستنشق عطر وردة، أو يحب إنساناً . ويعرف الطيار ان عالم الأمير الصغير به وردة هي كل همه الحقيقي، لقد اعجب بها ذات يوم فأجابت بغرور :” أنا فعلا جميلة فقد ولدت مع الشمس “ ،وفي يوم تطلب منه ان يحميها من النمور وهي تعلم انه لاتوجد نمور في الكوكب، ويحتار الأمير الصغير امام مطالبها فيقرر الرحيل عن كوكبه، ويخبر الطيار قائلا :” أنني لا أفهم شيئاً على الاطلاق، كان يجب عليَّ ان أحكم عليها بناءً على الأفعال لا الأقوال. كانت تعطرني وتنير لي، فما كان يجدر بي أن أدرك حنانها وراء خدعها الواهية، فالوردة متناقضة على هذا النحو، ولكني كنت صغيراً جداً حتى اعرف كيف احبها «.

وتدخل الشخصيتان اللتان تنتميان إلى عالمين مختلفين في مناقشات تتراوح موضوعاتها بين العادي والوجودي. وببراءة الطفل، يخترق الأمير الصغير عمق الذات الإنسانية عبر لغة يمتزج فيها الواقع بالخيال. كلمات الطفل، تبدو أكبر حجماً حتى من الطيار ، فهو يكشف عن حقائق وأفكار طفولية يراها أهمّ من مشاكل الكبار اليومية، حتى لكأنه يسخر من سذاجة الراشدين الذين يظنون أنّهم الأعلم في كلّ شيء. ولعلّ القصة حصدت ما حصدته من نجاح طوال تلك المدّة حيث ترجمت الى مئات اللغات وبيعت منها اكثر من 150 مليون نسخة، لأنّها نجحت في أن توجد عالماً صادقاً يُعبّر عن أسئلته الكونية الكبرى بأسلوب بسيط يدخل قلب القارئ مباشرة. وبرع سانت إكزوبيري في أن يجعل قارئه، صغيراً كان أم كبيراً، يصاب بالدهشة أمام بساطة هذه الأحداث وعمقها.

يترك لنا سانت إكزوبيري آخر صفحة من روايته خالية تماما، إلا من نجم معلق في السماء، ويقول لنا :” اذا قمتم بسياحة في الصحراء ، أرجوكم الا تتعجلوا ، وانتطروا تحت هذا النجم، فإذا ظهر أمير صغير لاتتركوني في كأبتي.. اكتبو لي إنه عاد.

في إحدى رحلاته الجويّة الاستطلاعية عام 1944، تقلع طائرة سانت إكزوبيري في منتصف الساعة الثامنة صباحا من يوم 31 تموز، لكنه حتى منتصف النهار لم يكن قد عاد، وتمضي الساعات وطائرته لاتلمح في الاجواء وبناء على شهادة القس هرمان كروت فان طائرته قد أسقطتها الطائرات الالمانية في البحر، ليتذكر العالم مقولته الشهيرة التي كتبها في روايته طيران الليل: “الغرق في وسط المحيط أهون من الغرق في هذه الصحراء».

يكتب اندريه جيد عن الوجه النبيل لسانت إكزوبيري:” حيث الرجولة لم تمسح بل زادت في لطافة ملامحه الطفولية المشرقة “ هذه الملامح التي حولت الطيار الشهير الى امير صغير يلوح لنا وهو صاعد ألى السماء :” وعندما سأطير على جهازي الجديد، ستصيح الجماهير : ليحيا انطوان دي سانت إكزوبيري.

دائما ما يتم وضع مقارنة بين كتابات سانت إكزوبيري والافكار الفلسفية التي طرحها الفيلسوف الفرنسي الشهير “ بليز باسكال “ ، رغم ان إكزوبيري كان يسخر من الذين يصفون رواياته بالفلسفية ، فقد كان يصف كتاباته بانها “ مقالات حرة “ ، ويعترف ايضا بانه متاثر جدا بمؤلفات روسو ومونتاني ، وتسحره جمل باسكال التي يصفها بانها شاعرية . كانت هناك اشياء مشتركة تجمع بين باسكال وإكزوبيري ، فالاثنان كانا من علماء الرياضيات وفيزيائيين . والاثنان احبا المحيط الجوي والكواكب . والاثنان احبا التفكير الفلسفي ، لكن افكار باسكال الذي اهتم بفلسفة العلوم ، لكنه تحول تحول في اواخر حياته من العلوم الى دراسة اللاهوت كانت اكثر التصاقا بعلوم العصر ، كان بليز باسكال المولود في التاسع عشر من حزيران عام 1623 ، مريضاً ، وفي اللوحات الفنية التي رسمت لوجهه ، يبدو متعباً عيناه دامعتان ، ينظر الى الأفق بحزن، غير إنه حقق الكثير في وقت قصير. أصبح باسكال عالماً بتشجيع من أبيه، واشتغل على الفراغات و صمم مقاييس الضغط الجوي. في سنة 1642، اخترع آلة حاسبة ميكانيكية كان بإمكانها الجمع و الطرح باستعمال قلم لتحريك أقراص مرتبطة بمعدات معقدة ، صَنع هذه الآلة لمساعدة أبيه في تدبير الحسابات. وتعتبر هذه الآلة إحدى أوجه تقدم العلوم التطبيقية. إنها فعلاً اكتشاف جدير بالاهتمام، فهو الذي أوصل الإنسانية إلى الحاسبات الحديثة وما يمكن أن تصل إليه في المستقبل. فقد وضع تصميمها ونفذ أول نموذج منها سنة 1642 واستمر بعد ذلك لتسع سنوات في تطوير آلته، بالإضافة إلى كونه عالماً و مخترعاً، فقد كان عالم رياضيات عظيم. كانت أفكاره الرياضية الأكثر إبداعاً هي أفكاره حول حساب الاحتمالات. لكن الناس سيتذكرونه كفيلسوف مثله مثل ديكارت.فيما كان إكزوبيري يهتم بالتصوف الفلسفي ، ويميل الى الفلسفة الرواقية .. لم ينس ابدا ان الارض للبشر :” ماذا سأكون اذا لم اكن مشاركا في القضية العامة ؟ ولكي افهم كنه كياني فانا ملزم بالمشاركة “ ، ولهذا نجد إكزوبيري مشاركا في كثير من الامور التي حدثت حوله : في الحرب الاسبانية ، وفي الطيران فوق اراض مجهولة ، وفي الحرب ضد النازية يكتب :” حين تحترق الغابة ، يأخذ دلوا كل من ليس وغدا “ . ونجد ان افكاره عن الخير والحرية والعدالة وانتصار الحقيقة تتكرر في معظم اعماله ، حتى ان اندريه جيد كتب في رثائه :” كتب كتابا واحدا طوال حياته .. كتاب الانسان “ .فهو يؤمن ان كل ما يأتي من الحياة ، يصنعه المبدعون الذين يستطيعون ان يصيروا “ نساكا “ لان الفن الذي ينبثق من الحياة ، ويكون على صلة مباشرة بهذه الحياة هو فن انساني ومتفائل . يكتب اندريه موروا :” كثيرون هم الكتاب الذين حدثونا خلال السنوات الأخيرة حول نقاط ضعف الانسان . وها هو إكزوبيري احد الذين حدثونا عن عظمته“ ...