نجيب محيي الدين .. صورة قلمية

نجيب محيي الدين .. صورة قلمية

توفيق التميمي

نجيب محي

بلغ التسعين من حياته ،وما يزال بيننا ينثر عبق زمنه واخلاقيات العصر الذي صاغ ملامحه من الوطنية والعفة والنزاهة والسمو الانساني ، لم يتفرد وحده بهذه المزايا التي تصيبنا اليوم بالدهشة عندما نسمعها في مرويات  وشهادات اصحابها ،لان زمننا زمن افلاس القدوة الحسنة والنموذج الوطني، ومن هنا تأتي اهمية هذه المنارة :

منارة المناضل والتربوي والنقابي والرمز الديمقراطي نجيب محي الدين والذي مايزال ينبض بعروق الحياة ويراقب احوال بلاده ويبكي عليها  وتدهورها بصمت في شيخوخة العزلة ،هو حاليا وفي هذا العمر مايزال يشغل مسؤولية نائب رئيس المجلس العراقي للسلم والتضامن ومن اهم قيادات الحزب الوطني الديمقراطي  في جيله الثاني بعد التأسيس والريادة ،وهو لم يغب عن هذا الحزب منذ اعتناقه منهج اليسار والعدالة الاجتماعية وارتبط في مسيرته به بعلاقات متينة بقيادات هذا الحزب ولاسيما الاستاذ كامل الجادرجي والاستاذ محمد حديد وحسين جميل والوزير السابق هديب الحاج حمود وغيرهم ممن ادوا ادوارا مهمة في الحزب الوطني عند وجودهم معه، وشغل نجيب محي الدين منصب ثاني نقيب للمعلمين في عهد عبدالكريم قاسم  الجمهوري  لدورتين متتاليتين  عقب ترشيح اول نقيب للمعلمين د فيصل السامر لمنصب وزير الارشاد. لمن عرف نجيب محي الدين وعايشه في تجربة حياتية او حزبية او مهنية فانه سيجد من اهم سجاياه وصفاته هي الاعتدال والتوازن والموضوعية و الانصاف  في احكامه وارائه وشهادته على عصره، فضلا عن شمائله الانسانية ودماثته الكبيرة التي تذكرنا بأسس وجذور التربية التي تلقاها جيل محي الدين من العائلة والمدرسة والشارع ، فتراه يختار من الكلمات اهذبها  ومن جمل الكلام  ألطفها وأرقها حتى وهو يصف  خصومه السياسيين الذين اذاقوه مرارة الاعتقال والفصل من الوظيفة والتشويه الباطل، كما لفت نظري  في شخصيته حرصه التام على تجنب اثارة الحساسيات التاريخية، وتسليط الضوء على مسببات الخلاف بين رفاقه مؤسسي الحزب الوطني الديمقراطي التي كانت من جرائها حصول تصدعات وخلافات لم تؤثر في تصديع البنية التنظيمية لهذا الحزب فقط، بل اثرت كذلك في اهتزاز وخلخلة البنية التنظيمية الحزبية لقوى اليسار والديمقراطية في مواجهة المد العسكري والارهابي طوال العهدين الملكي والجمهوري. اتمنى ان يعيش نجيب محيي الدين المولود العام 1925 في قضاء دلتاوه ( الخالص  في ديالى ) ويبقى لأطول مدة ممكنة  بيننا شاهدا حيا على زمان ضاعت ملامحه  البيض وغابت خصال اهله الطيبين  المعروفين بالعفة والنزاهة والولاء للعراق  الواحد من دون تشظياته العشائرية او الطائفية او الدينية التي نلمسها هذه الأيام .

تبوأ محيي الدين منصب نقيب المعلمين  في عهد الزعيم عبدالكريم قاسم لدورتين متتاليتين بين الاعوام 1959و1960، وحقق فيهما انجازات للأسرة التعليمية مايزال يتذكرها الاحياء منهم او ابناؤهم او أحفادهم من توزيع قطع أراضٍ بأثمان رمزية وضمانات صحية وتسهيلات لاكمال دراساتهم العليا وغيرها، كما تبوأ منصب مدير عام التعليم الابتدائي في عهد الزعيم قاسم، وفي هذه المدة لم يثبت خصومه السياسيين من حكومة الحرس القومي وهم يودعونه الاعتقال لمجرد انه موظف في حكومة الزعيم قاسم اي دليل مادي يثبت تورطه في قضية فساد او تلاعب اداري ،مما اضطرهم لاطالة  مدة اعتقاله  فعسى ان يعثروا على دليل واحد لادانته  ومن ثم محاكمته ففشلوا  في مسعاهم وسقطت حكومتهم بدبابات القوميين رفاقهم وبقي محيي الدين رهن الاعتقال حتى اطلق سراحه بعد اعادة التحقيق معه في عهد عبدالسلام محمد عارف وكان يرأس اللجنة التحقيقية التي اطلقت سراحه القاضي ورائد القصة العراقية فؤاد التكرلي بتفاصيل سيطلع عليها قارئ هذه المنارة ،وهذا دليل دامغ على عفته الوظيفية من خصومه، ان من يلتقي نجيب محي الدين في اية فرصة لايجد امامه شخصا دمثا ولطيفا لاينتمي لزماننا  هذا فقط،  بل يلمس قيما اخلاقية افتقدناها وغابت عنا منذ افول زمنهم وغياب قيمه وتلاشي اخلاقياته العامة.

عن جريدة الصباح