عندما أصبح عزيز علي مديرا لمدرسة الموسيقى والباليه

عندما أصبح عزيز علي مديرا لمدرسة الموسيقى والباليه

عامر رشيد السامرائي

لا بد من القول ان الفنان الكبيرعزيز علي لم يأخذ مكانه اللائق به في سلم الوظيفة العامة؛ فقد بقي موظفا بدرجة متواضعة في كمرك ومكوس بغداد ؛ ثم ملاحظا في وزارة الإعمار؛ وحينما نقلت خدماته إلى وزارة الخارجية بمعاونة صديقه السفير قاسم حسن (سفير العراق في براغ يوم ذاك)

والذي كان يرتبط بعلاقة وطيدة مع هاشم جواد وزير الخارجية في عهد حكومة الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم؛ لم يعين دبلوماسيا كما توهم الكثيرون؛ بل عين ملاحظا مدنيا في السفارة العراقية في براغ ؛ ولم يدم مكوثه هناك طويلا؛ إذ وقعت مشادة ما بينه وبين موظف دبلوماسي لم يكن يحترم واجب الزمالة إذ خرجت منه لفظة غير لائقة؛ لم يتقبلها عزيز علي منه إطلاقا؛

فثار لكرامته ولقن ذلك الدبلوماسي درسا بالأخلاق نزل عليه كالصاعقة أمام جميع موظفي السفارة. وحينما وصل العلم إلى الوزارة بذلك الحادث قررت (وكعرف سائد) نقل الموظفين الاثنين من براغ إلى مواقع أخرى؛ وكان من نصيب فناننا الكبير النقل إلى تونس؛ وما كاد يحط ركابه هناك لفترة وجيزة لم تتعد الشهر حتى جاءه أمر الفصل عام 1962.

وفي عام 1963 أعيد إلى الوظيفة ونسب إلى وزارة الثقافة والإعلام حيث تجاورنا بغرف العمل؛ فتجددت بذلك العلاقة وتواصلت في مجالات الأدب والفن والتراث الشعبي.

كان عزيز علي مسرورا بوظيفته تلك لأنه أصبح يعمل ضمن كوكبة من شخصيات الأدب والفن والصحافة والبحث من أمثال ؛ حارث طه الراوي ؛ وحميد العلوجي ؛ وجميل الجبوري ؛ وعامر رشيد السامرائي ؛ ونوري الراوي ؛ ولطفي الخوري ؛ وناظم سيالة ؛ ولمعان البكري ؛ وكاظم جواد ؛ وسالم الالوسي؛ وخالد الشواف؛ ونعمان ماهر الكنعاني ؛ ومدحة الجادر؛ ومنير الذويب ؛ وعبد الجبار العمر ؛ وعشرات غيرهم ممن عملوا في تلك الفترة بالذات أو ممن تعاقبوا بعدئذ على منصة الثقافة والاعلام من ذات المستوى الرفيع؛ فقدموا خدمات متميزة في شتى حقول المعرفة.

بقي عزيز على في هذا الجو الساحر؛ ثم جاءته الفرصة التي كان يتمناها. ففي تشرين الأول من عام 1968 أنيط به تأسيس مدرسة للموسيقى تعتمد منهجا تربويا عصريا؛ فما كان منه إلا أن شمر عن ساعد الجد وراح يبذل ما في وسعه لبضع كل خبرته وكفاءته في سبيل تكوين تلك المدرسة وجعلها واقعا ملموسا بالتعاون مع الدوائر المتخصصة في كل من وزارة الثقافة والإعلام ووزارة التربية. ولم يكتف بذلك بل قام بزيارة مكثفة إلى الاتحاد السوفيتي تجول خلالها في مدارس موسيقية عدة ذات مستوى رفيع في أسلوب الدراسة النظرية والعملية عاونه خلالها الشاعر التراثي المصري المعروف بسعة اطلاعه على هذا النمط من المدارس الراحل عبد الرحمن الخميسي. ولما كملت جولته عاد الى العراق بعد ان تعاقد مع الخبراء وجلب الأدوات والآلات الموسيقية. ولما استكمل كل تلك الجوانب ؛نظم مع مساعديه الفنانين والإداريين أسلوب قبول الطلاب وتهيئة الصفوف الدراسية في المجالين الموسيقي والتعليمي التربوي.

لقد استمر عزيز علي في إدارة هذه المدرسة النموذجية مدة عامين كاملين بكل نجاح؛ واضعا نصب عينيه خلالهما هدفا مركزيا بعيد المدى ألا وهو التوسع في هذا الحقل المعرفي بفتح مدارس مشابهة تنقل علوم الموسيقى إلى الأطفال النابهين من ذوي القابليات الفنية في اغلب محافظات العراق

في تلك اللحظات المشحونة بالأمل من حياة عزيز علي ؛ صدر قرار من وزارة الثقافة والإعلام بإضافة قسم يختص بفن البالية يضاف كقسم إلى هذه المدرسة التي كانت تختص بالموسيقى حسب.

وعلى الرغم من التقارير الفنية المستفيضة والمراجعات المتعددة قام بها مديرها عزيز علي التي كانت جميعها نحذر من ولوج باب هذه المغامرة غير المدروسة من ذوي الاختصاص ؛ إلا أن كل ذلك التحذير لم يجد نفعا أمام القرار الذي اتخذته الوزارة باستحداث ذلك القسم .

هنا وجد عزيز علي و أمام هذا التعنت الذي لا مفر من التنحي عن منصبه؛ فتقدم بتلك الرغبة مع طلب فوري بإحالته على التقاعد. لقد بذل يومها بعض أركان الوزارة كلما في وسعهم لكي يتراجع هذا الفنان الكبير عن موقفه ؛ إلا أن عزيز علي الذي عرف بصلابته واحترامه لمواقفه متى ما اقتنع بصوابها ؛ أصر على قراره ولم يتراجع قيد أنملة ؛ فخسرت بذلك تلك المدرسة النموذجية الناشئة بخاصة والحركة الفنية بعامة ركنا مهما من أركان نهوضها.

م. وعي العمال 1986