لقاء منع الفنان المنسي محمد كريم

لقاء منع الفنان المنسي محمد كريم

لقاء أجراه عادل الهاشمي

تأثر عميقا بصوت محمد عبد الوهاب الكرواني وكانت اغنية يالوعتي ياشقاي من فيلم الوردة البيضاء هي التي رسخت فيه حب الغناء ثم تأثر بمحمد عبد المطلب لفترة من الوقت وكان انشداده العميق الآخر بعد عبد الوهاب هو لفن فريد الأطرش الذي شغل كيانه الفني وهو دائم السماع لعبد الوهاب وام كلثوم وفريد الأطرش وأسمهان وصالح عبد الحي ورياض السنباطي وليلى مراد.

هؤلاء هذبوا فيه الذوق الفني وتعلم منهم كيفية انتقاء الكلمات، يذكر باعتزاز لقاء عاشه في بداية حياته في بلودان بسوريا حيث عقد مؤتمر كشفي عربي في العام 1936 وكان محمد كريم ضمن الوفد العراقي حيث غنى في المؤتمر وهو تلميذ أبوذية عراقية وجاء من يقول له ان احد الفنانين يريد رؤيتك وكان هذا الفنان فريد الأطرش وشقيقته أسمهان حيث ابدى الأطرش إعجابا خاصا بصوته وشجعه على الاستمرار في الغناء.
طارت له أغان بغدادية وانتشرت هنا وهناك ومازالت حلاوتها تشجي الأسماع، انا الربيت والغيري يصيرون، يا شاعر النار بقلبي النار، من الحان احمد الخليل وحاسديني عليك، تستاهل ياقلبي، لا ياسالي لا تظن اني احبك، الدنيا حلوة ياسمين، ياورد، من الحان علاء كامل ودايما على لساني يا لحبهم خاب ظني، من الحان سمير بغدادي سلم ياحبيب الروح، من الحانه، قصيدة همسة الليل من الحان محمود عبد الحميد، ابوي شلون انساك، من الحان محمد عبد المحسن وعدد من الاغاني الاخرى.غنى ما يقرب من 115 أغنية.وهومؤلف وملحن النشيد الشهير الجيش سور الوطن في عام 1945.
* كان السؤال الأول الذي وجهناه إلى محمد كريم هو لماذا تركت الغناء؟
- تركت الغناء لأسباب اجتماعية تتعلق بالدرجة الأولى بنظرة المجتمع إلى المغني.
* الم تكتشف هذه النظرة إلا أخيراً؟
- لأسباب خاصة لا أريد الخوض فيها جعلتني اترك الزمن الغنائي، قبل الطفرة النوعية التي شملت نظرة المجتمع للفنان المغني وهي جزء من التربية الجديدة التي جاءت بها الثورة.
* متى هويت الغناء؟
- هويت الغناء وانا طالب صغير في ثلاثينيات هذا القرن (القرن المنصرم)، إلا أنني دخلت الإذاعة كمحترف في عام 1947.
* حدثنا عن صوتك؟
- إن صوتي متكامل فيه قرار وجواب.
ورأينا في صوت محمد كريم انه من الأصوات الجميلة المؤثرة التي عاشت ردحا من الزمن تعطي بتمكن وسلاسة يغني بعذوبة حلقت حولها الأسماع فكانت أغانيه تترنم بها ربات البيوت وطالبات المدارس وتتناقلها الشفاه، يتسع صوت محمد كريم إلى عشرة مقامات بدرجات صوتية أو تزيد بقليل، تنطلق مقاماته سليمة رائقة، تؤدي بكفاية، عالية الألحان المصممة لها، ونبراته فيها حلاوة ظاهرة وجزالة متميزة في الغناء.. تطرب السامع ذبذباته الصوتية بطيئة قليلا، ذلك أن ضيق تلك الذبذبات أو سعتها لا يؤثران على سرعتها، في أوتاره الصوتية غلظة وهذه الغلظة متكونة أساسا من بطء الصوت غير أن جمال نبراته الغنائية يقلل من تأثيرات هذه الغلظة في أدائه يكمن الحذق والبراعة والمسافة بين الدرجات الصوتية متوسطة ولذلك فان محمد كريم لا يلجأ إلى الجوابات العالية في غنائه، لان إطلاق صوته يعرضه إلى الضعف لهذا فان درجة غنائه لا تكتمل إلا عند الطبقة المتوسطة.
لا يستطيع صوته أن يصل إلى أصول في القرار بأية حال من الأحوال لذلك فان اغلب الألحان التي أداها كانت تحاول أن تكون مناسبة لدرجات صوته، يزدهر غناؤه وتنطلق نبراته في غناء المتوسط في الطبقة من ناحية العلو والانخفاض لذلك بقي صوته في المقدمة من أصوات الأغنية البغدادية عميق الأصداء قوي التأثير يحاور الأسماع في ألفة وانسجام.
* لماذا لم تتعلم العزف على آلة موسيقية؟
- من المؤسف جدا أنني لم أتعلم العزف على أية آلة موسيقية والسبب يعود إلى التزمت الذي كان يحكم بيتها، فلقد حطم والدي ثلاثة أعواد ومهما يكن فأنني أتحمل لوحدي هذا القصور.
انعدام المقاييس العلمية في اختيار الأصوات؟
*ما رأيك في واقع الغناء العراقي؟
- في عصرنا كان لكل صوت غنائي ما يميزه فنحن نسمع أي صوت غنائي نستطيع على الفور أن نعرف اسم صاحبه، حاليا فان الغناء العراقي يعيش في فوضى الأصوات المتشابهة التي تنقصها الأصالة والتفرد فاغلب الأصوات لا تستطيع أن نعرفها، فأي صوت يتقدم للإذاعة والتلفزيون لا يلقى مقاومة لانعدام المقاييس العلمية لاختيار الأصوات واتساع لجنة فحص الأصوات بحاجة إلى تطعيمها بالدارسين والمتخصصين لوقف التداعي الذي حل بواقع الغناء العراقي.
في عصرنا عانينا الكثير والكثير ومرت سنوات من المحاولة حتى استطعنا أن نحصل على فرصة الوقوف خلف الميكرفون لا سبيل لإنقاذ سمعة الغناء العراقي غير العودة إلى الأصالة وتطعيم لجان الفحص بالمتخصصين فأنني أقولها بمرارة أيها الغيارى حافظوا على السمعة الفنية للغناء العراقي.
* لماذا لم نعد نسمع لك شيئا من تراثك الغنائي في الإذاعة؟
- كنت أتمنى أن توجه هذا السؤال إلى الإذاعة نفسها، أقولها بلا فخر ولا غرور أن الأغاني التي أديتها رددها الجمهور البغدادي على امتداد عصرنا بل أن المعاصرين من السمعية مازالوا يحتفظون لهذه الأغاني بالكثير من التقدير وحقيقة الأمر أن الإذاعة قد منعت الكثير من الأغاني العائدة لي وهي بهذا الإجراء قد قضت على أجمل أغاني التراث البغدادي ومهما يكن من أمر فأنني مؤمن بان الإذاعة ستعود يوما ما إلى الأغنيات العراقية الأصيلة.
* على امتداد عصر بأكمله ماذا ترى في الأصوات النسائية في الغناء العراقي؟
- لازلت اعتقد أن أعظم الأصوات النسائية التي قدمها الغناء العراقي هي ثلاثة.. ما عداهن لا أجد في أي صوت نسائي إلى الآن ما يستحق الإشارة اليه، هذه الأصوات هي زكية جورج، سليمة مراد، زهور حسين، ولكل واحدة من هؤلاء لها صوت مميز وتأثير خاص على السامع في مرحلة فنية كاملة، فزكية جورج تشجه السامع وتنقله الى عالم من المتعة الراقية، وسليمة مراد وجبة دسمة من الغناء الذاهب إلى الأسماع والمؤثر في النفوس إلى حد بعيد وزهور حسين صوت شعبي ممتاز ملامحه الأصالة البغدادية الفريدة.
* وعن آرائه في قدرات الملحنين العراقيين هؤلاء الذين طرحنا عليه اسماءهم حيث أجاب:
يحيى حمدي.. طاقة من الموهبة الجيدة في التلحين فقط.
احمد الخليل.. ملحن متمكن من صنعته.
سمير بغدادي.. فنان لم يعط لفن التلحين جهده كامل.
علاء كامل.. ملحن صاحب قدرات غير محدودة.
عباس جميل.. فنان وملحن اعتز به.. وله فضل كبير في الأغنية العراقية ولقد فاتني أن اغني له لحنا من ألحانه العراقية الصميمة.
رضا علي.. مقتدر من التلحين وله موهبة جيدة وكان الأفضل له أن ينصرف للتلحين دون الغناء.
محمود عبد الحميد.. في التلحين والغناء جدير ومتمكن.
محمد عبد المحسن.. في الأداء مقتدر وكان الأفضل له لو انصرف للغناء دون التلحين.
* ولما سألناه عن ملحني الجيل الحالي قال..
- لا اعرف لأحد له فضل في التلحين وباقتدار سوى الفنان محمد جواد أموري ففي رأيي انه اثبت فعلا انه الملحن الوحيد الذي يمكن أن تقارن انجازاته في عالم الأغنية العراقية بانجازات ملحني جيلنا.
م.الف باء(1978)